موت الصورة
12
دقيقة

هل ثمّة صورةٌ أصلاً؟

عندما كنت تلميذاً أدرس الفنون الجميلة، تأثرت بالخطاب الفلسفي الذي تكلّم عن موت الصورة، كما بوالتر بنيامين وكلامه عن فقدان الهالة والقدرة على استنساخ صورة بلا نهاية Walter Benjamin, Das Kunstwerk im Zeitalter Seiner Technischen Reproduzierbarkeit, 1935. . فكر تبنّاه بعض الكتاب الفنيين اللبنانيين وبنوا عليه كثيراً من أعمالهم. كما شكّل كلام جان بودريار عن المحاكاة الفائقة ثمّ قتل الصورة عمداً، عند الفنانين المفاهيميين، أمثال جوزيف كوزوث (Joseph Kosuth)، مصدر إلهامي الدائم Jean Baudrillard, Simulacres et Simulation, Galilée, 1981. .

لكن كل هذا، لم يقنعني عموماً بجدوى المبالغة في الاستعارة، استعارة الموت، أو استعارة قتل الصورة، إلى أن شاهدت فيديو الأصابع الستة لبنيامين نتنياهو. صدمني الفيديو. فلم يقنعني موت الصورة سابقاً، وكنت اعتبرتها مبالغات فلسفية مليئة بالاستعارات. لكنّي صدمت هذه المرة، لا لأنني صدّقت أن الفيديو مزيّف، بل لأنني لاحظت أنني لا أستطيع أن أكون متأكداً. فللمرة الأولى في حياتي، وقفت أمام مقطع مصوّر وشعرت أن السؤال «هل هذا حقيقي؟» بات بلا إجابة مبدئية. لم يكن ذلك شكاً في وجود نتنياهو، بل شكاً في الصورة بوصفها نوعاً من المعرفة.

هذا المقال محاولة لفهم ما يحدث: كيف بات الذكاء الاصطناعي التوليدي يُنتج أزمةَ معرفة حقيقية في زمن الحرب، وكيف يتقاطع ذلك مع ما أنذر به المفكرون عن مستقبل الصورة ومصيرها.

في الماضي، قرأت كتاباً لجاك رانسيير تأثرت به كثيراً وما زلت، عنوانه: مستقبل الصورة. Jacques Rancière, Le Destin des Images, La Fabrique, 2003. رانسيير يطرح فيه تمييزاً بدا لي يومها فنياً مفاهيمياً بامتياز: الفرق بين الصورة والبصري. الصورة عنده ليست ما تراه العين، بل هي الترتيب الذي يربط المرئي بالمعنى، يجعل ما نراه يقول شيئاً، يحمل موقفاً، يقاوم القراءة السهلة. أما «البصري»، فهو نقيضها: الفيضان الخام من المرئيات التي تتقدم على أنها واقع محض، لا تدّعي المعنى بل تدّعي الحضور فقط. كان رانسيير قلقاً من أن الثقافة البصرية المعاصرة تُغرق الصورةَ في البصري، تُفقدها مقاومتها وعمقها وتحوّلها إلى سطح. لم يكن يتوقع أن «المستقبل» الذي يتحدث عنه سيأتي بهذه السرعة، وأن سؤال الصورة لن يكون مجرد سؤال جمالي فلسفي بل سؤالاً في صميم الحرب والسياسة والمعرفة والتوليد الذكائي. 

في آذار 2026، لم نعد نتساءل فقط ما الذي تعنيه الصورة، بل بتنا نتساءل هل ثمة صورة أصلاً. وهذا هو الموت الحقيقي.

اقتنعتُ!

ما يستدعي التوقف ليس فقط أن فيديو الأصابع الستة كان مزيفاً أو حقيقياً، بل أن النقاش حوله كشف شيئاً أعمق: أن منظومة الصورة بوصفها دليلاً، شاهداً، أصبحت وسيلة معرفة منتهية الصلاحية. وهذا يطرح ثلاثة أسئلة يحاول هذا المقال مقاربتها: ما الذي تفعله البصريات التوليدية بالحقيقة في زمن الحرب؟ كيف يتحول الشك ذاته إلى سلاح؟ وما الذي يتبقى من الصورة حين تسقط وظيفتها الإثباتية المعرفية كلياً؟

بات الذكاء الاصطناعي في حروب اليوم سلاحاً حقيقياً، لا أداةً تقنية معاونة. للمرة الأولى في التاريخ، تتصادم جيوش الصور الاصطناعية بالحجم الصناعي على الجبهة الإعلامية، فتذوب الحدود الفاصلة بين الدليل الأصيل والتلفيق المتقن (deepfake). من «أصابع نتنياهو الستة» إلى صور جثمان خامنئي المختلَقة، ومن المرشد الأعلى الإيراني الغائب مجتبى الذي لا يُرى، إلى فيديوهات الديب فايك المتراكمة منذ السابع من أكتوبر 2023، يكشف هذا الصراع ما دأب الفلاسفة المعاصرون على التنظير له: لقد انقلبت الصورة على نفسها، وصارت الرؤية لا تعني المعرفة.

كان بودريار قد رسم مسار هذا الانقلاب في مخطّط مراحله الأربع: الصورة تعكس الواقع أولاً، ثم تُشوّهه، ثم تُخفيه، وفي مرحلتها الرابعة، تنقطع عنه كلياً لتصير محاكاةً خالصة لا مرجع لها خارج ذاتها. ما شهدناه منذ أكتوبر 2023 يُثبت أن تلك المرحلة الرابعة لم تعد نقطةً على خارطة فلسفية، بل هي اسم للحرب الراهنة.

لكن قبل أن نقرأ هذه الأحداث، لا بد من سؤال أوّلي: ما الذي تعنيه الصورة أصلاً كفعل معرفي؟ وماذا يحدث حين تُنتَج بصريات لا تنبثق من أي تجربة ولا تُحيل إلى أي واقع، أي حين يختفي الأصل كلياً ولا يبقى سوى النسخة؟ هذا ما طرحه الفلاسفة وما تُجيب عنه الحرب الحالية بطريقة لم يتوقعها أحد.

ستّ أصابع

في الثاني عشر من آذار 2026، نشر مكتب الصحافة الحكومي الإسرائيلي أول مؤتمر صحفي لنتنياهو منذ اندلاع الضربات الأميركية- الإسرائيلية على إيران في الثامن والعشرين من شباط. ظهر نتنياهو عبر الفيديو، يتحدث نحو ثماني دقائق عن إسرائيل التي «تسحق النظام الإرهابي في إيران». وعند الثانية الرابعة والثلاثين ثم الرابعة والخمسين من التسجيل، بدت يداه المتحرّكتان مشوَّهتَين، شذوذٌ جلدي قرب الخنصر اليمنى فسّره المشاهدون على أنه إصبع سادس، في إشارة معروفة إلى علامات الذكاء الاصطناعي التوليدي.

انفجر المقطع على منصات التواصل في غضون ساعات. كتب مستخدم على منصة إكس: في آخر ما علمت، البشر لا يملكون ستة أصابع... والذكاء الاصطناعي يملكها. هل مات نتنياهو؟ وتجاوز عدد مشاهدات المقطع ثمانية ملايين مرة. أما جورج غالاوي، فساهم في التضخيم بالسؤال الصريح: لماذا أطلقت إسرائيل خطاباً بالذكاء الاصطناعي لنتنياهو الليلة الماضية؟ وأعاد حساب eye.on.palestine بثمانية عشر مليون متابع نشر الادّعاء قبل أن يحذفه لاحقاً.

أجرت وسائل التحقق المتعددة، من Snopes.com إلى PolitiFact.com، عمليات تفكيك تفصيلية خلصت إلى أن الشذوذ ليس سوى «البروز الافتراضي في راحة الكف» (Hypothenar Eminence)، وأن أدوات كشف الذكاء الاصطناعي أعطت المقطع احتمالية تزوير لا تتجاوز الـ0.1%. وكانت اللقطات مأخوذة من إصدارات معاد بثّها أضعف حدّةً بكثير من تسجيل مكتب الصحافة الحكومي الأصلي، مع دوائر وأسهم حمراء تعزّز الوهم البصري.

غير أن التفنيد لم يطفئ الجمر. فالسياق الذي رسّخ الاتهام كان غياب نتنياهو شبه الكامل عن المشهد العام في الأيام الأولى من الحرب، وادعاءات وسائل الإعلام الإيرانية الموالية للحرس الثوري بـ«اختفائه الكامل»، وتسريب صور مُولَّدة بالذكاء الاصطناعي لنتنياهو مُدمَّى في ركام، ثبت تزويرها بالكامل. وزاد في التوتر رصد باحثين لاثنين وستين حساباً وهمياً مرتبطاً بالحرس الثوري الإيراني، تنتحل شخصيات إيرلنديين واسكتلنديين ونساء لاتينيات، تنشر جميعها محتوى متواصلاً عن وفاة نتنياهو.

ردّ الإثبات الذي أشعل النار من جديد

في الخامس عشر من آذار 2026، نشر نتنياهو مقطعاً من مقهى ساتاف في تلال القدس، يحتسي فيه القهوة ويسخر من شائعات موته قائلاً بالعبرية: أنا أحتضر... شوقاً للقهوة، ورفع كلتا يديه أمام الكاميرا مستفسراً: هل تريدون عدّ الأصابع؟ هذه الجملة التي تنطوي على المفارقة الكاملة لعصرنا: محاولة إثبات الحياة بالصورة في زمن لم تعد تُصدَّق فيه الصورة.

هذا الفيديو التوثيقي، الذي نشره نتنياهو بنفسه، أشعل موجة اتهامات جديدة بالتزوير. وبلغ الأمر منتهاه حين أعلن روبوت المحادثة الذكية غروك GROK على منصة إكس المملوكة من قبل إيلون ماسك: إنه ديب فايك متقدم، أنا متأكد بنسبة 100%. وانتشرت لقطات الشاشة من إجابة غروك بشكل أوسع من انتشار أي تفنيد، مع أن المقهى ذاته نشر صوراً تثبت الزيارة.

هنا تتجلى المعضلة في كمالها وعريها: حين يُشهّر الذكاء الاصطناعي ذاته بالدليل الذي يُقدمه الذكاء الاصطناعي، يصبح أيّ إثبات مشبوهاً بالتعريف. لقد انتقلنا من عصر «الصور لا تكذب» إلى عصر «الصور لا تُصدَّق». وهذا ما يسميه الباحثان القانونيان بوبي شيسني ودانييل سيترون (Bobby Chesney & Danielle Citron) «أرباح الكذّاب» (Liar's Dividend): الوعي بوجود الصور المزيفة يمنح كل ساسة العالم ذريعةً جاهزة لرفض أي دليل يُحرجهم بادعاء التزوير. Bobby Chesney and Danielle Citron, “Deep Fakes: A Looming Challenge for Privacy, Democracy, and National Security”, California Law Review, 107 (6), 2019. ما نبّه إليه رانسيير من خطر «البصري الخام» الذي يطمس الصورة قد تحقق هنا في صورته الأشد قسوة: لم يعد الخطر أن ننسى أنّ الصورة عملية، بل أن نفقد القدرة على التمييز بين أي الصورة والبصري على الإطلاق. تحقّق الشرخ الكبير، الانسلاخ، الذي اعتقدت دائماً أنه الشرط الذي لا بد من تحققه لكي أقتنع شخصياً بأن الصورة تموت!

المرشد الغائب: مجتبى خامنئي والخلافة المُختلَقة

اغتيل الولي الفقيه علي خامنئي في الضربات الأميركية- الإسرائيلية يوم الثامن والعشرين من شباط 2026. نجا ابنه مجتبى من العملية، لكنه أُصيب. وفي التاسع من آذار، انتخب مجلس خبراء القيادة، عبر جلسة افتراضية بعد قصف مبنى المجلس في قم، مجتبى خامنئي مرشداً أعلى ثالثاً لإيران.

وفي حفل التسليم، عُرضت صورة مُؤطَّرة بدلاً من شخص حي.

منذ ذلك اليوم، لم يظهر مجتبى علناً بأي شكل، لا فيديو، لا صوت، لا صور حديثة موثقة. رسالته «العلنية» الأولى في الثاني عشر من آذار قرأها مذيع تلفزيوني فوق صورة ثابتة. وكانت التقارير عن حالته متضاربة تضارباً صارخاً: من «جروح خفيفة» على لسان سفير إيران في قبرص، إلى «كسر في القدم وكدمة عينية» لمصدر في سي.أن.أن.، إلى «بتر في الساق وأضرار في الأعضاء» لمصادر أخرى. وأعلنت وزارة الخارجية الأميركية عن مكافأة بعشرة ملايين دولار لمن يدلي بمعلومات عن مكانه.

أنتج الغياب ظاهرة غير مسبوقة: وسائل الإعلام الإيرانية الرسمية والموالية لها بثّت فيديوهات مُولَّدة بالذكاء الاصطناعي تُظهر مجتبى يلقي خطابات أمام حشود، ويقف إلى جانب والده، ويعانق قاسم سليماني، مشاهد لم تحدث قط. وأشارت هيئة التحقق التابعة لـBBC إلى أن صورة الملف الشخصي التي نشرتها وسائل إعلام إيرانية تبدو مُولَّدة آلياً. أطلق الإيرانيون المعارضون باستهزاء لقب «المرشد الأعلى للذكاء الاصطناعي». وفي المقابل، نشر مستشار البيت الأبيض دان سكافينو مقطعاً ساخراً بالذكاء التوليدي يُظهر نسخاً ورقية مطبوعة من مجتبى.

ثمة هنا شيء لم يحدث من قبل في التاريخ السياسي: رئيس دولة وجوده مكوّن بالكامل من بصريات الذكاء التوليدي والأرشيف. رجل يقود بلداً في حرب ولا يعرف أحد إن كان حياً أو ميتاً أو مُشوَّهاً. الخلافة باتت سؤالاً معلقاً، والسيادة أثراً رقمياً. هذا هو التحقق التام لما وصفه رانسيير بـ«البصري الذي لا يُقدّم سوى الأمر ذاته»: فالصورة البصرية للمرشد الجديد لا تُخفي تناقضاً، بل تُخفي وجوداً. وهو ما رآه بول فيريليو قبل عقود في مفهومه عن «لوجستيات الإدراك»: الصور ليست مرافقة للحرب، بل هي جزء من آلتها بالقدر ذاته الذي تكون فيه الذخيرة والإمدادات. Paul Virilio, Guerre et Cinéma: Logistique de la Perception, Galilée, 1984.

غياب مجتبى يُعرّي هذه الحقيقة في صورتها الأكثر فجاجة: السيادة لم تعد تحتاج إلى جسد يُمارسها، يكفيها صورة تدّعي تمثيلها. لم يحدث من قبل في التاريخ أن كانت القدرة على توليد الصور والفيديوهات المعقدة في متناول العامة بهذه السهولة. وطبيعة توليد المعلومات والصور مبنية على اللا-تذكر، على نسيان الأصل.

صور مُختلَقة لموت خامنئي الأب، الفراغ يملأ نفسه

بعد تأكيد مقتل علي خامنئي يوم الأول من آذار 2026، لم تصدر أي صور رسمية لجثمانه. لكنّ أيّ فراغ بصري في هذا الزمن الما-بعد-ذكائي لم يعد يُحتمل، لهذا مُلئ فوراً ببصريات مُولَّدة بالذكاء الاصطناعي انتشرت كالنار في الهشيم، في ظاهرة تُجسّد بدقة شديدة ما طرحه بودريار عن المحاكاة التي تملأ غياب الأصل:

حيث لا أصل، تتكاثر النسخ. إن فعل النسيان الذي يمارسه الذكاء التوليدي بحد ذاته هو اللا-أصل. كلما ابتعد الأصل فُقدت الذاكرة التوليدية. وهذا ما يسمح بانفكاك البصري المُولَّد عن الصورة الأصلية. محاكاةً خالصة لا مرجع لها خارج ذاتها.

أشدّ الصور انتشاراً للخامنئي أظهرت رجلاً يُشبهه نائماً-ميتاً تحت أنقاض منزله فيما يبدو أن عمال إنقاذ يحفرون حوله. نُشرت بتعليق «إيران تنشر صورة جثمان خامنئي تحت الأنقاض»، وتجاوزت مشاهداتها 4.6 مليون مرة. كشف التحقيق أن الصورة تحمل بصمة مائية من أدوات غوغل للذكاء الاصطناعي (SynthID)، وأعطاها نظام Hive Moderation احتمالية اصطناعية بنسبة 90%. مفارقة عبثية تختصر القصة كلها.

وكما في حالة نتنياهو، تبيّن أن صورة أخرى تزعم إظهاره حياً في الصحراء (نالت 7.5 مليون مشاهدة) مزيفة كلياً. وأكد الإطار التحليلي لمنظمة CyberPeace Foundation أن فيديو يزعم إظهار جثمانه تحت الأنقاض اصطناعي بالكامل. مؤسسة CyberPeace Foundation، الإطار التحليلي للمحتوى الاصطناعي في النزاعات المسلحة، 2025-2026.

اللافت أن هذه الصور المزيفة خدمت أجندات متناقضة في آنٍ واحد: استخدمها الموالون للنظام الإيراني استشهاداً «بالشهيد»، واستخدمها المعارضون زعزعةً للنظام. المحتوى الاصطناعي الواحد متعدد الوظائف السياسية، قابل للاستيلاء من قِبَل أي سردية. هذا هو قلب المسألة: البصريات المُولَّدة لا تحمل معنى في الأصل، فتنتقل بيسر بين السرديات المتضادة كما تنتقل بضاعة فارغة من يد إلى يد. وهو الفارق الجوهري عن الصورة- العملية بمفهوم رانسيير: الصورة الحقيقية مُقاوِمة، تفرض قراءتها. أما البصريات الاصطناعية المولَّدة، فهي محايدة تماماً، وهذا الحياد هو مقتل صدقيتها وأشد ما فيها فتكاً.

تصنيف المزيَّف منذ أكتوبر 2023

أنتج اجتياح غزة ما قد يكون أوسع نظام موثق للصور الحربية الاصطناعية في التاريخ. تتوزع الحالات على فئات متمايزة تكشف معاً عن منظومة متكاملة.

أولاً: صور الفظائع المُلفَّقة

أبرز الحالات المبكرة في تشرين الأول 2023 صورة «الطفلة الرضيعة في الأنقاض»: مشهد مُولَّد بالذكاء الاصطناعي لطفلة تزحف بين ركام القصف، نُشرت ملايين المرات، ظهرت على لافتات الاحتجاجات في القارات الخمس، ونشرتها صحيفة ليبراسيون الفرنسية على صفحتها الأولى في السابع عشر من أكتوبر 2023. دلّت على تزويرها أصابع زائدة وملامح مبالغ فيها، وتبيّن لاحقاً أن الصورة تمّ تداولها أولاً بعد زلزال تركيا وسوريا 2023 قبل أن يُعاد توظيفها في سياق غزة. هنا ظهر ما يمكن تسميته بـ«الصورة الطفيلية» (the parasitic image): تلك التي تتنقل بين كوارث متعاقبة حاملةً معها قابليتها للاستيعاب العاطفي دون أن تُحيل إلى حدث بعينه.

أما صورة «كل العيون على رفح» في الثامن والعشرين من أيار 2024، فهي مشهد مُولَّد بالذكاء الاصطناعي لصفوف من الخيام تهجّي الشعار فوق أرض لا أثر فيها للدمار الحقيقي. لا جثة، لا دم، لا وجه. انتشرت بأكثر من 46 مليون مشاركة على إنستغرام في ثمانٍ وأربعين ساعة، في حين تُرفض الصور الحقيقية من غزة بذريعة أنها «مروعة جداً للنشر». كانت سوزان سونتاغ تخشى في «الالتفات إلى ألم الآخرين» أن يُفضي تراكم صور الحرب إلى التبلّد، لكنّ ما حدث هنا يتجاوز التبلّد: لم يتبلّد الناس، بل وجدوا في الصورة المُعقَّمة إذناً أخلاقياً بالتضامن دون مواجهة الرعب. Susan Sontag, Regarding the Pain of Others, Farrar, Straus and Giroux, 2003. غي ديبور سمّى هذا قبل عقود حين كتب أن مجتمع الفرجة يحوّل الوجود إلى ظهور: البصريات لا تُوثّق الألم بل تحلّ محله، لا تدعو إلى فعل بل تكتفي بالتداول. Guy Debord, La Société du Spectacle, Buchet Chastel, 1967. لقد ابتكرت منصات التواصل شرطاً جمالياً جديداً: التضامن مشروط بغياب الرعب، والذكاء الاصطناعي هو الأداة المثلى لإنتاجه مُعقَّماً ومقبولاً.

الإجماع الجماهيري حول «كل العيون على رفح» لا يشهد على تضامن، بل على شيء وصفه ديبور بـ«الحركة المستقلة للأشياء غير الحية»: البصريات تنتشر لأنها فارغة من الرعب، لا لأنها حاملة للحقيقة. Guy Debord, Commentaires sur la Société du Spectacle, 1988.

ثانياً: فيديوهات الديب فايك للشخصيات العامة

انتشر فيديو مزيّف يُظهر العارضة بيلا حديد تتراجع عن مواقفها الداعمة لفلسطين وتُعلن دعمها لإسرائيل، باستخدام كلام اصطناعي مُقنَّع على لقطات من عام 2016. وأُنتج فيديو مزيف لجيل بايدن تنتقد فيه دعم زوجها لإسرائيل، صنعه المخرج كينيث لورت باستخدام تقنية استنساخ الصوت من ElevenLabs، ونال أكثر من 230,000 مشاهدة.

ثالثاً: عمليات التأثير التي تديرها الدول، الحرب المنظمة

أوسع عملية موثقة هي عملية PRISONBREAK التي كشفت عنها مختبرات Citizen Lab في جامعة تورنتو في الثاني من تشرين الأول 2025. مختبرات المواطن، جامعة تورنتو (Citizen Lab, University of Toronto)، «تقرير عملية PRISONBREAK»، أكتوبر 2025. تألفت الشبكة من أكثر من خمسين حساباً زائفاً على منصة إكس، أُنشئت عام 2023 وظلت خاملة كـ«حسابات نائمة» حتى كانون الثاني 2025. وخلصت المختبرات إلى أنها «على الأرجح بتفويض من الحكومة الإسرائيلية أو من مقاولٍ خاص تابع لها». في حرب الاثني عشر يوماً في حزيران 2025، بثّت الشبكة فيديو ديب فايك يزعم تصوير ضربة مباشرة على بوابات سجن إيفين، ولفت الباحثون إلى أن توقيت النشر خلال الضربة العسكرية الفعلية يُرجّح وجود معرفة مسبقة بمواعيدها. كذلك انتحلت الشبكة هوية BBC فارسي في مقالات مزيفة، ووظّفت تمثيلات مصطنعة لمُغنّين إيرانيين تحرّض على الثورة.

وبالتوازي، دفعت وزارة الشتات الإسرائيلية مليوني دولار لشركة STOIC في تل أبيب لتنفيذ حملة تأثير سرية بمنشورات مُولَّدة بـChatGPT، استهدفت 128 عضواً في الكونغرس الأميركي. وأوقفت كل من Meta وOpenAI العملية في منتصف 2024 بعد اكتشافها. أما في الجانب الإيراني، فبثّ التلفزيون الرسمي الإيراني صوراً مولدة بالذكاء الاصطناعي تزعم إسقاط طائرات إف-35 إسرائيلية، فيما انتشرت مقاطع هجمات على تل أبيب بعضها لا يزال يحمل بصمة غوغل Veo المائية لأن ناشريها نسوا حذفها. وكشف CBS News أن 90% من ألف مقطع فيديو مُقدَّم من منطقة النزاع كان مزيفاً أو منتزعاً من سياقه، فيما رصدت هيئة التحقق الإسرائيلية أن 72% من المحتوى المضلل كان يخدم السرديات الإيرانية، و24% السرديات الإسرائيلية. CBS News — تحليل 1000 مقطع فيديو من منطقة النزاع الغزي-الإيراني، 2026. رقم لافت: الطرفان يستخدمان الصور المولدة بكثافة، لكن إيران تتقدم في هذا السباق الإجمالي.

حين يُشكّك الحقيقي في نفسه، انهيار المعرفة البصريّة

الأخطر في هذه الظاهرة ليس البصريات المزيفة في حدّ ذاتها، بل ما تُسبّبه من تدمير للثقة في الصورة الحقيقية. إن الوعي بوجود الديب فايك يمنح الجمهور إمكانية رفض أي دليل حقيقي بادعاء تزويره، وهو المفهوم الذي رأيناه يتحقق حرفياً في حادثة مقهى ساتاف.

المدهش أن أدوات الذكاء الاصطناعي التي طُوِّرت لكشف التزوير باتت تُنتج بنفسها شكاً في الأصيل. نحن في حلقة مفرغة: الذكاء الاصطناعي يُولّد صوراً مزيفة، وأدوات الذكاء الاصطناعي لكشف التزوير تُصنّف أحياناً الصور الحقيقية على أنها مزيفة، ووعي الجمهور بهذه الدورة يجعله يشكّ في كل ما يرى.

لقد اكتملت الدورة.

تُشخّص وثيقة اليونسكو لعام 2025 «الديب فايك وأزمة المعرفة» الحال بأننا لا نواجه أزمة معلومات مضلِّلة وحسب، بل أزمة في المعرفة ذاتها. UNESCO, Deepfakes and the Knowledge Crisis, 2025. ويرصد مركز الأخلاقيات الرقمية الأيرلندي قطبين متطرفين لهذا الانهيار: البراءة الساذجة، أي حين يتقبل الناس المادة المزيفة واقعاً، والشك المتجذّر، أي حين يعامل الناس حتى الأدلة الأصيلة بوصفها مشبوهة. يُعطي القطب الثاني الطغاة ذريعةً جاهزة ومجانية للإفلات من المساءلة. مركز الأخلاقيات الرقمية الأيرلندي (Irish Centre for Digital Ethics — IrCDES)، تقرير عن الانهيار المعرفي البصري، 2025.

الفنانة هيتو شتايرل تُسمّي هذا الانهيار بمصطلح «الصور الوَسَطيّة» (Mean Images): بصريات تُمثّل احتمالات لا وقائع مُعاشة، خوارزميات بلا مرجع خارجها. Hito Steyerl, “Mean Images”, New Left Review، 140, 2023. الذكاء الاصطناعي التوليدي لا ينتج صوراً بالمعنى الفلسفي، بل ينتج صوراً وسطية مُعقّمة من أي تجربة. وحين تُولّد أدوات كشف التزوير ذاتها شكاً في الصور الأصيلة، تكتمل الدائرة التي وصفتها شتايرل في كتابها الأحدث، Medium Hot: الصورة الاصطناعية لا تكذب وحسب، بل تُدخل الصورة الحقيقية في حقلِ شكٍّ لا مخرج منه. Hito Steyerl, Medium Hot: Images in the Age of Heat, 2025

وتزيد من حدّة الأزمة القيودُ المفروضة على الوصول الصحفي المستقل: إسرائيل تشترط اعتمادات مُقيَّدة للتغطية في غزة، وإيران تمنع عملياً أيّ صحافيّ حرّ من العمل أثناء الحرب. وكما لاحظ موقع ميدياتي: الحروب باتت رؤيةً تقنية للجيوش التي تخوضها أكثر من أي وقت مضى، وفي الوقت ذاته أقل قابليةً للرصد من أي وقت مضى للمجتمعات التي يُطلَب منها فهمُها. وهنا يصبح التلاقي بين رانسيير وواقعنا مؤلماً بصورة خاصة. فهو كان قد طالب الصحافيين والفنانين والمتلقّين بتنمية قراءة نقدية للصورة-العملية في مواجهة فيضان البصري. Mediaite — تقرير حول القيود المفروضة على الوصول الصحفي المستقل وتداعياتها.

ما الذي تعنيه هذه «القراءة النقدية» في زمن لا يستطيع فيه حتى الذكاء الاصطناعي المتخصّص التمييز بين الأصيل والمزيَّف؟

ما أنجزته هذه الأحداث مجتمعةً هو أكثر من تنبؤات فلسفية: إنه إثبات أن جميع المفكرين الذين ذكرتهم كانوا يصفون بنيةً تجعل حرب الصور ممكنة ومُجدية. الفلاسفة لم يتنبّأوا بعمليات PRISONBREAK وSTOIC، لكنهم شيّدوا الإطار التفسيري الذي يضع المعرفة في مواجهة فيضان البصري. جيوش الصور الاصطناعية تُحوّل الفضاء الإعلامي إلى بصري خام بالكامل، تغرق فيه الشهادة الحقيقية بلا صوت. ما بدا في حينه مبالغةً فلسفية بات اليوم توصيفاً حرفياً لواقع حربي متّصل.

حين تصير الساحة صورة والصورة ساحة

تكشف الحالات الموثّقة في هذا الصراع عن ثلاثة محاور متشابكة تُعيد تعريف الحرب الإعلامية في عصر الذكاء الاصطناعي.

  • البصريات المولَّدة بالذكاء الإصطناعي باتت سلاحاً حربياً على المستوى المؤسسي وأداة مُموَّلة ومُنظَّمة ومُوظَّفة استراتيجياً، لا ظاهرة هامشية. لم تعد الدعاية تكذب بالكلام وحسب، بل باتت تخترع الواقع بالبصريات المولدة.
  • أشدّ هذه الأسلحة فتكاً ليس الصورة المولدة المزيفة بعينها، بل الشك الذي تُولّده في كل الصور. إن توثيق الفظائع الحقيقية يمكن رفضه بسهولة من أي طرف يملك دافعاً للإنكار. قضية الأصابع الستة نموذجية: حتى بعد التفنيد الشامل، ظلّ الشكّ قائماً، بل تعزّز حين أعلن روبوت ذكاء اصطناعي أن الفيديو الحقيقي ذاته مزيف. هذه هي اللحظة التي تموت فيها الصورة فعلاً.
  • الغياب الجسدي يُفسح فضاءً تملأه الصور الاصطناعية كلياً. مجتبى خامنئي المرشد الذي يقود دولةً في حرب لم يرَه أحد فيها بعد، يمثّل نقطة لا عودة منها. هذا الغياب لا يُنتج فراغاً بل يُنتج فيضاناً: فراغ الواقع يُعبَّأ بفيض الاصطناعي.

لقد تنبأت اليوروبول بأن 90% من المحتوى الرقمي قد يكون اصطناعياً بحلول عام 2026. إن كان هذا التقدير الخطر دقيقاً، فإن انهيار الصورة بوصفها دليلاً ليس خطراً مستقبلياً، بل حقيقة راهنة.


أختم من حيث بدأت: اليوم رأيت فيديو الأصابع الستّة وشعرت أنّ الموت المجازي للصورة الذي قرأته في الكتب قد تحوّل إلى موت فعلي أمام عيني. لكنّ الأدقّ أن نقول: لم تمت الصورة وحسب، بل ماتت قدرتنا على التمييز بين الصورة والبصري، بين الدليل والتلفيق، بين الوجود والمحاكاة. وهذا الموت ليس في الصورة، بل فينا نحن مُتلقّيها. بل لم تمت قدرتنا نحن على التمييز وحسب، بل ماتت قدرة المحاكاة ذاتها على فهم محاكاتها!

السؤال الذي يطرحه هذا الواقع على أي تحليل سياسي ليس ما إذا كانت أزمة المعرفة البصرية ستصل إلينا، فهي قد وصلت وانتهى الأمر، بل كيف يمكن لمجتمعات غُمرت بملايين المشاهدات لصور مزيفة لنتنياهو ولجثمان خامنئي أن تُعيد بناء أيّ أساس مشترك للمعرفة. هذا السؤال لا يقلّ خطورةً عن أيّ سلاح في الميدان.

الإجابة، إن وُجدت، ستبدأ بما بدأ به رانسيير: بتعليم المحاكاة ذاتها ما هو الفرق بين الصورة والبصري. وهو درس بات الآن أكثر إلحاحاً وأشد صعوبةً مما تخيّل.

موت الصورة

اخترنا لك

تحليل

في مديح «تشات جي. بي. تي» 

طارق أبي سمرا
فقاعة الذكاء الاصطناعي: هل تُشعل أزمة ماليّة عالميّة؟
07-11-2025
تقرير
فقاعة الذكاء الاصطناعي: هل تُشعل أزمة ماليّة عالميّة؟
نقد

الكتابة في زمن الذكاء الاصطناعي

سيلفانا الخوري
جرّة الحقيقة أو الكتابة تحت شبح الغباء الصناعيّ
نقد

جرّة الحقيقة أو الكتابة تحت شبح الغباء الصناعيّ

أحمد ناجي
من الخيال إلى الخوف: الذكاء الاصطناعي وتوجيه الرأي العام
25-10-2025
تقرير
من الخيال إلى الخوف: الذكاء الاصطناعي وتوجيه الرأي العام
احتجاجٌ في مايكروسوفت

آخر الأخبار

مواد إضافيّة
موت الصورة
دراسة

موت الصورة

علي إبراهيم قيس
الغارات على قرى النبطية لم تتوقّف
أوّل اتّصال لبناني - إسرائيلي مباشر في سياق مفاوضات وقف إطلاق النار
من هو يحيئيل لايتر، مفاوض إسرائيل مع لبنان؟
10-04-2026
تقرير
من هو يحيئيل لايتر، مفاوض إسرائيل مع لبنان؟
حصيلة محدّثة في لبنان: 1٫953 شهيداً، 6,303 جريحاً
حدث اليوم - الجمعة 10 نيسان 2026