السوسن في مشرق مزّقته الحروب
4
دقائق

السوسن: جمال طبيعي مشرقي

حينما يحلّ فصل الربيع، تشهد الأراضي الطبيعية في جميع أنحاء بلاد المشرق أزهار السوسن العابرة، إذ تنبت الأزهار من الأرض لفترة وجيزة جداً، ثم تختفي لتعود وتزهّر في العام التالي. ورد ذكر أزهار السوسن في حكايات المشرق العربي، كما في أسماء النساء والرسومات والأغاني، حيث ترمز السوسن إلى الملوكية والأناقة والجمال والقوة وبالطبع الصمود. واليوم، تحظى السوسن بأهمية وطنية وثقافية ورمزية في عدة دول من المشرق. 

تنتمي السوسن إلى الفصيلة السوسنية (Iridaceae)، وهي مجموعة من النباتات العشبية الجذرية (نباتات ذات أعضاء تخزين تحت الأرض تُعرَف بالبصيلات)، ولها أنواع متوطنة كثيرة في بلاد المشرق، ومعظمها مهدّد بالانقراض. يُعَدّ فقدان الموائل الطبيعية والرعي الجائر والجفاف والجمع غير القانوني من بين التهديدات الشائعة التي تعرّض هذه الأزهار الرقيقة للخطر. لكنّ أحد أكثر التهديدات تدميراً، والذي غالباً ما يمرّ من دون أي توثيق، هو الحرب. ففي خضمّ عمليات إبادة بيئية لا يمكن حصرها أو محاسبة مرتكبيها، يصبح التراث الطبيعي هدفاً سهلاً للعدوان. 

الأثر الخفيّ للحروب

عند توثيق تأثير الحروب، نتحدّث عادةً عن الخسائر البشرية والدمار الذي يصيب الممتلكات والبنى التحتية. نحصي القتلى، والجرحى، والنازحين، والمدن المدمرة، لكن نادراً ما نحصي الأضرار على عالمنا الطبيعي: الأرض والغابات والتربة والمياه والحيوانات والنباتات والكائنات المتوطنة النادرة. الحرب تعطِّل النظم البيئية بأكملها كما توقف جهود حماية الطبيعة لعقود وتدفع الأصناف الطبيعية نحو الانقراض من دون أن يلاحظها أحد. هذا ليس مجرّد ضرر جانبي. إنه إبادة بيئية علنية: تدمير واسع النطاق، أو ضرر جسيم، أو فقدان للنظم البيئية خلال الحروب والنزاعات المسلحة. وهي جريمة تحول دون وجود إطار قانوني دولي لمحاسبة مرتكبيها. المسألة لا تنتهي عند هذا الحدّ، بل لها تداعيات طويلة الأمد على الأمن الغذائي والاقتصاد وصحة الإنسان.

تظهر التداعيات البيئية للحرب بعدّة طرق، أبرزها استخدام استراتيجيات الأرض المحروقة، حيث يتمّ نشر ذخائر حارقة مثل الفوسفور الأبيض لحرق مناطق بأكملها. وهناك التلوّث حيث تنتشر المركبات السامّة في الهواء، وتتسرّب عبر المياه، وتستقر في التربة في بعض الحالات، ما يؤدّي إلى تناقل السموم في السلسلة الغذائية، لتصل في النهاية إلى أجسامنا عندما نستهلك المنتجات الطبيعية.

في هذا المقال، نستعرض حالة لبنان وفلسطين وسوريا: ثلاث دول مشرقية تنمو فيها أنواع مختلفة من السوسن الملكي في ظل حرب تهدّد باستمرار هذه الوردة.

لبنان

لبنان موطن لسبعة أصناف من السوسن الملكي، أربعة منها لا توجد في أي مكان آخر على وجه الأرض. هذه النباتات مهدّدة بشكل أساسي جرّاء تدمير الموائل الطبيعية، ممّا أدّى إلى نشوء العديد من الجهود للمحافظة على الطبيعة التي شملت التشريعات، وإنشاء المحميات المصغرة، والحماية المحلية. لكنّ النزاعات السياسية المتكرّرة والحروب تعيق هذه الجهود، إذ يصبح من المستحيل وصول العلماء إلى المناطق التي توجد فيها هذه الأنواع، كما رأينا في الاعتداءات الإسرائيلية الأخيرة على لبنان.

خارطة توزيع السوسن الملكي والاعتداءات الإسرائيلية على لبنان (أيلول 2023-آذار 2026). خريطة الاعتداءات: ستوديو أشغال عامة وتوزيع السوسن: ليلا روسا معوض.

تشير السجلات التاريخية إلى أنّ عدّة مجموعات نباتية كانت مسجّلة حتى أواخر الستينيات في لبنان ولم تعد موجودة الآن. وهذا مرتبط مباشرة بالحرب الأهلية (1975-1989) التي تسبّبت بتدهور كبير في الموائل الطبيعية. لكن للأسف، يعيد التاريخ نفسه. ففي الآونة الأخيرة، وجدت أزهار السوسن نفسها على الخطوط الأمامية للحرب التي عاشها وما زال يعيشها لبنان:

  • سوسن وستي (Iris westii) تُزهر في أعلى جبال جزين، وتحديداً في تومات جزين. خلال الاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان، انتشرت الألغام الأرضية عشوائياً في المنطقة التي ينمو فيها هذا النوع. بعد تحرير الجنوب عام 2000، كانت السوسنة على وشك الانقراض، مما دفع الباحثين البيئيين إلى المطالبة بحماية المجموعات المتبقية، من خلال تصنيف تومات جزين كمحمية محيط حيوي تابعة لليونسكو نظراً لأهمية الموقع من حيث التنوع البيولوجي وارتفاع مستوى التوطّن. لكن المؤسف أنه في ظل التصعيد الأخير، تعود تومات جزين لتكون على خط النار مجدداً.
  • سوسن بسمارك (Iris bismarckiana) متوطّنة في الجليل، والمكان الوحيد الذي تنمو فيه طبيعياً في لبنان هو بلدة سردة على بعد كيلومترين فقط من الخط الأزرق (ترسيم الحدود الرسمي بين لبنان وإسرائيل الذي حدّدته الأمم المتحدة عام 2000). كانت هناك جهود عديدة لحماية هذا النوع في سردة من خلال إنشاء محمية نباتية مصغرة، ولكن بسبب الحرب المستمرة منذ عام 2023، توقفت جميع الأنشطة البيئية وأصبح مصير هذا النوع مجهولاً.
  • سوسن السلسلة الشرقية (Iris antilibanotica) متوطّنة في منطقة صغيرة من سلسلة جبال لبنان الشرقية. كان يُعتبر هذا النوع منقرضاً سابقاً، ثم أُدرِج على القائمة الحمراء للاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة كمهدَّد بالانقراض بدرجة حرجة (Critically Endangered). بعد اكتشاف آخر مجموعة طبيعية متبقية في حديقة عقار خاص في خريبة بعلبك، نجح الباحثون بالحفاظ على هذا النوع من خلال نقل الشتلات والبُصَيلات إلى موقع عنجر الأثري، حيث يمكن للنبتة أن تنمو دون إزعاج. كانت هذه فعلاً قصّة نجاح في عالم الحفاظ على الطبيعة. ولكن سرعان ما عادت القنابل والصواريخ بالسقوط في خريبة بعلبك وعنجر أيضاً.

فلسطين

منذ عام 1967، يواصل البيئيون الفلسطينيون السعي لحماية تراثهم، وسط محاولات ممنهجة من الاحتلال الإسرائيلي لفصل السكان عن محيطهم الطبيعي.

تتضمن الثروة النباتية الغنية في فلسطين أنواعاً عديدة متوطنة ومهددة بالانقراض ونادرة، من بينها ثلاث سوسنات ملكية، يحتفل بها الفلسطينيون في مهرجان السوسن السنوي. لكن هناك نقص حادّ في المعطيات والدراسات حول توزُّع هذه الأنواع وحجم تجمّعاتها وحالتها، لا سيما بعد أن قام الإسرائيليون بتخريب مساحات خضراء بأكملها كانت تنمو فيها السوسن لبناء «جدار الفصل».

  • سوسن فقوعة (Iris haynei) هي الزهرة الوطنية لفلسطين. لا تزدهر إلا في مناخ جبال فقوعة الخاص، وتغطي مساحة تتراوح بين 20 و25 كيلومتراً مربعاً. لا يوجد بلد آخر في العالم يمتلك حقلاً كثيفاً كهذا من أزهار السوسن سوى فلسطين. لكنّ هذه الكثافة بدأت اليوم تتناقص بشكل كبير، خاصةً بعد النكبة، وأصبح النوع مصنفاً كمهدَّد (Vulnerable) في القائمة الحمراء للاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة.
  • سوسن نابلس (Iris lortetii var. samariae) هو نوع متوطِّن ومهدَّد بالانقراض، ويقتصر وجوده على جبال نابلس. هذا الصنف مجزَّأ بشدّة مع استمرار التناقص في عدد النباتات الناضجة والقادرة على التكاثر. تُظهر الدراسات أن عدد المجموعات انخفض بنسبة 44% خلال العقود الأربعة الأخيرة، ومن المحتمل أن تكون بعض المجموعات قد انقرضت بالكامل.
  • سوسن بني داكن (Iris atrofusca) هو نوع شبه متوطن يعاني من تجزّؤ شديد ويهدّده فقدان الموائل الطبيعية بسبب التوسع المدني. يتمّ الحفاظ على هذا النوع من خلال الحدائق النباتية والمحميات في جبال نابلس. لكنّ العديد من المواقع التي رُصِد فيها النوع لم يتمّ مسحها بشكل شامل بعد لأنها قريبة من قواعد عسكرية إسرائيلية أو تقع ضمنها.

سوريا

يتواجد السوسن النصيري (Iris nusairiensis) حصرياً على المنحدرات الشرقية شديدة الانحدار للجبال الساحلية في سوريا. النوع مدرج كمهدَّد بدرجة حرجة (Critically Endangered) على القائمة الحمراء، بسبب التناقص الحادّ في أعداده.

كما هي الحال في لبنان وفلسطين، يُنظَر إلى النزاع طويل الأمد في سوريا على أنه تهديد رئيسي لهذا النوع، إذ تدهور الموطن الرئيسي لهذه الزهرة. بالرغم من وجود بعض المجموعات في مواقع معروفة تاريخياً كمناطق محمية، منذ عام 2011، أدّى النزاع إلى انخفاض في الحماية التي تقدمها هذه المناطق من خلال إيقاف حراس الغابات، وقطع الأشجار، وإشعال الحرائق، وإدخال آليات عسكرية إليها.

لكن لا بد من النظر الى بصيص الأمل، ولو كان ضئيلاً. فقد بدأت مشاريع حديثة بتقييم أثر النزاع والتهديدات التي تواجه هذا النوع من السوسن، ومقارنة التغيرات في تجمعاتها الطبيعية والموائل قبل الحرب وبعدها، والتوصية بإجراءات مناسبة للحفاظ عليها. 

سوسنات المشرق ليست أزهاراً جميلة فحسب

في الختام، وبعد النظر إلى جميع هذه الحالات، تبرز رسالة واحدة واضحة: سوسنات المشرق ليست أزهاراً جميلة فحسب. إنها عريقة ونادرة ولا يمكن تعويضها. لقد عاشت عبر العصور الجليدية والجفاف والإمبراطوريات. لكن ما لا تستطيع النجاة منه هو الحرب التي تتعامل مع الأرض كساحة معركة لا كميراث يتوجب الحفاظ عليه. عندما ينقرض نوع من السوسن، فإن ذلك ليس مجرّد خسارة بيولوجية، بل هو محو لهويتنا المشرقية وثقافتنا. النصوص التي تذكر السوسن تفقد بعضاً من معناها، وتصبح المناظر الطبيعية صامتة، ويعجز الربيع عن الإزهار كما كان.

السوسن في مشرق مزّقته الحروب

اخترنا لك

كيف نواجه الإبادة البيئية في لبنان؟
16-02-2026
تقرير
كيف نواجه الإبادة البيئية في لبنان؟
«طالعين عالجنوب»: لإحياء الأرض والزراعة والفنّ
02-11-2025
تقرير
«طالعين عالجنوب»: لإحياء الأرض والزراعة والفنّ
اللائحة الحمراء: لبنان المهدّد بالانقراض
27-09-2025
تقرير
اللائحة الحمراء: لبنان المهدّد بالانقراض
المعادن الثقيلة: وحش نائم في تربة الجنوب
تأثير الفوسفور والمعادن الثقيلة على محاصيل الجنوب
08-03-2025
حديث
تأثير الفوسفور والمعادن الثقيلة على محاصيل الجنوب
الإرهاب البيئي: أحد أخطر أسلحة إسرائيل
04-11-2023
تقرير
الإرهاب البيئي: أحد أخطر أسلحة إسرائيل

آخر الأخبار

مواد إضافيّة
الاحتلال يهدّد بقصف معبر المصنع الحدودي بين لبنان وسوريا
حدث اليوم - السبت 4 نيسان 2026
ديما: الرسم التاسع والأخير من سلسلة لجنى طرابلسي
حصيلة محدّثة في لبنان 1,422 شهيداً، 4,294 جريحاً
الاحتلال يستهدف 3 مواقع في صور بعد تهديدها