زياد السبعينات
13
دقيقة

“فَنَزَلَ الْمَطَرُ وَجَاءَتِ الأَنْهَارُ وَهَبَّتِ الرِّيَاحُ وَصَدَمَتْ ذَلِكَ الْبَيْتَ فَسَقَطَ وَكَانَ سُقُوطُهُ عَظِيماً“.
 - (متى، الأصحاح 7، الآية 27)

 

دفتر الأيام (بعدسة ميرنا شبارو).

من الحانة وإليها تعودون، قال أولو الألباب. على وقع نعالهم، مشيت ميمّمًا حانتي ومحجّة عطشي إلى قطرة جين تروي جيناتي وجنيّاتي. كان اسمها «شي أندره»، رجعت إليها وما وجدتها، ولا وجدت رفاقي المحشورين في مقاعدهم على طولها الضيّق وعرضها الفسيح، تفصلهم عن مطبخها المفتوح خشبةٌ زيّنتْها منافض سجائر وكؤوسٌ ملوّنة بذهب الويسكي وحمرة النبيذ وصفار البيرة وصفاء الڤودكا، ملذاتها سجق وبسطرمة وصفيحة أرمنية وسودة دجاج ولحم رأس العصفور وحواضر المازة من لبنة مثوّمة وحلّوم مقلي ومكسرات. بورك من سمّى المسكرات مشروبات روحيّة. أنزلت الحانة روّادها منزلة الروح، كانت ضربًا من ضروب الأخويّة، لملمتْهم ولـمّت شملهم، شعراءَ وفنانين، صحافيين وموظفين، صعاليك ومتبطلين، هائمين ومتوحدين، كثيرهم مات وقليلهم طاعن في السن يهاب ضياع ذاكرته وضياعهم عنها. أنقياء كبياض العرق في محلوله، كانوا، اجتمعوا كالجن ولا أُنسَ بينهم غير أَنَس الهذر والتدخين. آنسهم حضور زياد. احترموا وحدته في عشرتهم وما خالفتُهم في الاحترام. حالت رؤوسهم المتمايلة والمتداخلة دون رؤيتي لوجهه. اعتاد كلانا الجلوس في أقصى الطرف المقابل للآخر. وإذا التقت عينه بعيني، غلبني الحياء وصدّني عن رمقه بنظرة. كنت في السنة الثالثة من عملي الصحفيّ ودوني جرأة أبناء الكار في اصطياد خبر أو سَبَق. سبقني الصبر في تعريفه بنفسي. تحايلت في جلوسي. من كرسي إلى آخر، تنقلت في خفر. ولـمّا واتتني الجرأة، تحدّثت إليه. استغرقني الأمر أشهرًا حتّى دنوت منه. ودُمنا معًا أربعين عامًا ويزيد. 

حملت صليبي. وتذكرت. 

حكاية زياد حكايته في بيروت الغربيّة، حكايتنا معًا في بيروت اليساريّة، شبه مدينة من اسمنت ودم وليال وصباحات سامة لفحتها حروب وحروب. فما بَرَحَت. وما ذَرَّ سلام. 

في القطار (بعدسة ميرنا شبارو).

أغنيَة ومسرحيّة

أتخيّل لقائي الأول به فيلمًا بلغ المرحلة الأخيرة من إخراجه لدى مطابقة الصوت والصورة ومزامنتهما. كنت في حاجة إلى صورتي الشخصيّة عنه. عرفته قبلًا بالسمع. وما تسنّت لي مشاهدة مسرحيتيْ «سهريّة» (1973) و«نزل السرور» (1974) على خشبة سينما أورلي في شارع بلس. سمعتها أيّام عملي في محل لبيع الأسطوانات وتسجيل أشرطة الكاسيت في منطقة النويري. 

إعلان تجاري لمسرحية «سهرية» .

كانت الحرب على أشدّها. واعتدت التنقّل من البيت إلى الجامعة بسيّارات الأجرة اعتياد الإذاعات المحليّة على بثّ أغنية «حدًا من اللي بيعزونا»، رافقتني في مشاويري اليوميّة إلى جامعتي من طريق المريجة، ولاحقًا إلى مركز عملي الأوّل في ڤردان. ترقّبت سماعها كل صباح. وبين هدوء الجبهات واشتعالها على حين غرّة، أضحت تميمتي ووصيّتي في آن واحد؛ تميمة دفعت الموت عنّي، ووصيّة، إذا ما مُتُّ، تُفتح تلاوةً لأمنيتي الأخيرة: 

حدًا من اللي بيعزونا
يسلّم ع اللي كانوا يعزونا
ويقولهم لولا شو ما صار
من مرّة لمرّة
يضلّن يعزونا

كتبها زياد ولحّنها بصوت مروان محفوظ. لمست فيها لمحة من سيّد درويش وأدواره الموسيقيّة. وعندما تسرّبتُ من كليّة العلوم وتركتُ دراسة الكيمياء، ظلت الأغنية تصحبني في ذهابي من بيتي في رأس النبع إلى شارع ڤردان، مقر جريدة «الشرق»، حيث بدأت كتابة النقد السينمائيّ، وكان من مهمات محرّري الصفحات الفنيّة والثقافيّة نشر جدول أسبوعيّ ببرامج صالات السينما والمسارح ودور المعارض الفنيّة، علاوةً على عروض التلفزيون وتوقيتها على قناتَيْ 7 في تلّة الخيّاط و11 في الحازميّة. قبل انتشار المحطات التلفزيونيّة الخاصّة وتمديد إرسالها اثنتي عشرة ساعة ومن ثم أربعًا وعشرين، قصرت قناتا 7 و11 بثّهما على فترات مسائيّة لا تتجاوز ستّ ساعات يوميّاً، وحافظتا على تقليد قديم قضى بعرض فيلمين عربي وغربي في يومين مختلفين، في تمام التاسعة والنصف ليلًا، وقت الذروة. كانت روزنامة برامج التلفزيون تصل بالبريد مطبوعة على الدكتيلو وفيها عناوين الأفلام. مع تدهور الأوضاع الأمنيّة وإغلاق المعابر، صار الاتصال الهاتفي وسيلة الحصول على الروزنامة، وما لبث العمل في القناتين أن اختلّ وخلت البرامج من ذكر أسماء الأفلام واختُصر الإعلان عنها بعبارة «فيلم مصري طويل» أو «فيلم أميركي طويل». استعار زياد عنوان مسرحيّته الثالثة من الإعلان نفسه وجعل من تكرار نشره في وسائل الإعلام مجازًا للحرب الأهليّة وانعكاسها على المجتمع. تزامن عرض «فيلم أميركي طويل» وبداية عملي الصحافي، عام 1980. 

من اليسار - زياد الرحباني وجوزف صقر وتوفيق فروخ وابرهيم جابر حاملًا الدربكة في مسرحيّة «فيلم أميركي طويل» (بعدسة جمال السعيدي).

كتبتُ مقالًا قارب المسرحية بالفيلم الأميركي «أحدهم طار فوق عش الوقواق» للمخرج التشيكي الأصل ميلوش فورمان، عرضتْه سينما «كوليزه»، الحمرا، عام 1975. لم أكن في وارد التلميح إلى تشابُه العملَيْن. قامت مقاربتي على معنى ظهور المستشفى في فيلم شوهد في غضون الأشهر الأولى من الحرب، ومعاودة ظهوره في مسرحيّة تعاين الحرب في عامها الخامس. في كلا العملين، تدور الأحداث في مستشفى للأمراض العقليّة. يؤدّي جاك نيكولسون في الفيلم دور مدان يُنقَل من السجن إلى المصحّة لتقويم حاله الذهنيّة وتقرير ما إذا كان الجنون وراء ارتكاباته الجرميّة، ويضع سلوكه الجهاز الطبّي موضع الشكّ في جنونه بعد شروعه في التمرّد على كبيرة الممرّضات وبرنامجها العلاجي وتحريضه المرضى على تسلّطها وأخذ أمورهم بأيديهم؛ في حين تتناول المسرحيّة مجموعة من المرضى تتعثر سبل علاجهم في استدراج فريقهم الطبّي إلى عقدهم الطائفيّة. أردت من مقاربة العملين تبيان تباعد مراميهما. فليس جديدًا اختيار مستشفى ركيزة المكان ولا يعني وجوده في غير عمل فنّي تشابه الأعمال، عدا عن أنّ عرض «أحدهم طار فوق عش الوقواق» في مطالع الحرب الأهليّة اللبنانيّة جاء خارج مساق الحرب وفتحت نهايته على تحرّر المريض الهندي من المستشفى وخروجه من «المعتقل الأميركي» إلى الطبيعة، بينما كانت الحرب دالّة «فيلم أميركي طويل» ومنتهى المسرحيّة ومرجعها. المستشفى في فيلم ميلوس فورمان تورية بديعة لنقد «السيستم» وتجريمه، على ما وسم السينما الأميركيّة في سبعينات القرن العشرين من أفلام دانت منظومة الهيمنة على الفرد وتداخل السياسي والاجتماعي في مصيره. أمّا المستشفى في مسرحيّة زياد، فواقعٌ في ذاته والحرب تورية لحقيقته، والذُّهان المتحكّم بالمريض والممرّض على السواء أورى «السيستم» عن المشهد العام في بلد أمسى بلا نظام ولا نسق.

خلف مقوده (من مجموعة ميرنا شبارو).

مرّ مقالي مرور الكرام. فجريدة «الشرق» كانت نادرة التأثير محليّاً، تتكسّب المكرمة الماليّة الليبيّة عند تغطية مواقف معمّر القذافي أو احتفاله بالذكرى السنويّة لانتصار «ثورة الفاتح من سبتمبر»، وكانت موصومة بحظوتها لدى النظام السوري وتفوّقت على الصحف الموالية له بقلّة تعرّضها لمقصّ الرقيب وبسرعة توزيعها في دمشق. سرتْ طرفةٌ أنها كوّنت شعبيّتها لدى عناصر الأمن والمخابرات وحواجز الطرق والموتورين من تخصيص صفحتها الأخيرة لصور شبه عارية مكبرة الأحجام تُظهر النساء بالمايّو البيكيني وملابس تخدش الحياء. الخلاصة، «تنذكر ما تنعاد». تمنيّت حينها لو قرأ زياد المقال. لم يصل إليه. ربّ ضارّة نافعة. تركت «الشرق» وانتقلت إلى «السفير» قبل أشهر من الاجتياح الإسرائيلي، عام 1982، وبحكم وجودها في شارع الحمرا، تعرّفت إلى «شي أندره» وزياد معًا.

بيروت الغربية ونهلة

أُنشِئَت جريدة «السفير» في مبنى مرتفع، مُطلّ في طبقته التاسعة على الحمرا وفناء الجامعة الأميركيّة وبحر المنارة. واستترتْ حانة «شي أندره» في ثنايا طبقة أرضيّة تابعة لمبنى في وسط شارع الحمرا ضمّ صالون حلاقة ومتاجر، وفي أسفله حمّام مشترك لأصحاب المحال وزبائنهم. كانت المسافة من الجريدة إلى الحانة نفسها المسافة من الحانة إلى بيته وموقعه المنخفض في منطقة الورديّة المجاورة لمركز «جفينور» والخطّ المتفرّع منه إلى عين المريسة.

المبنى في الوتوات، حيث أقام زياد واحتفظ به حتى بعد انتقاله إلى شارع الحمرا (بعدسة محمد سويد).
المبنى الجديد الذي قام على أنقاض المبنى القديم حيث سكن زياد وأسس الاستديو الخاص به في شارع الوردية (بعدسة محمد سويد).

على أن الكلام عن زياد لا يبدأ من الورديّة ومبنى «السفير». البداية من بيت أقدم من مبنى، حافظ عليه طوال سكنه في الورديّة، وما برح قائمًا في حيّ الوتوات. أقام في طبقته الثانية أو الثالثة إثر رحيله عن بيروت الشرقيّة، عام 1976، وتقديمه أوّل برامجه «بعدنا طيّبين، قول الله» بمشاركة المخرج جان شمعون على أثير الإذاعة اللبنانيّة في محلّة الصنائع. 

من حلقات  «بعدنا طيبين قول الله»: رسالة إلى زعماء الطوائف والعشائر.

كانت بيروت الغربيّة، تحت سيطرة المنظمات الفلسطينيّة وأحزاب الحركة الوطنيّة اللبنانيّة، أقلّ تقييدًا للنشاطات الثقافيّة والفنيّة وأكثر استقبالًا للسينمائيين العرب والأجانب والمراسلين الغربيين. ومن شواهد المرحلة الممتدّة من حرب السنتين (1975-1977) إلى الاجتياح الإسرائيلي (1982) اتخاذُ المراسلين الأميركيين والأوروبيين من فندق كومودور وشارعه مركزًا لتجمعهم ومقارَّ لمكاتب صحفهم ومحطاتهم التلفزيونيّة، وازدهار مسمّى «الأغنية الملتزمة» في كنف الحزب الشيوعي ومنظمة العمل الشيوعي، ودعم المشاريع السينمائيّة. وقد تجلّى ذلك في تبنّي المنظمة الأفلام الوثائقيّة الأولى لمارون بغدادي، وتوفير الحركة الوطنيّة اللبنانيّة والمقاومة الفلسطينية تسهيلات لوجستية أفادت الهولندي يوهان ڤان در كوكن في تصوير شريطه الوثائقي «الفلسطينيون» (1975)، والجزائري فاروق بلوفة في فيلمه الروائي «نهلة» (1979)، وفاقت الحدود في تمكين المخرج الألماني ڤولكر شلوندورف من التصوير في منطقة الفنادق وخطوط التماس على جبهات الحرب، وإنجاز فيلمه المثير للجدل «المزوّر» (1981). وإليه، أَمَّ بيروت الغربيّة سينمائيّون بارزون في مراحل إنتاجهم لمشاريع ذات صلة بالقضيّة الفلسطينيّة، أو تناول جزء منها حرب لبنان. قبل أشهر من شروعه في إخراج «قارعة الطبل الصغيرة»، المقتبس من أحد أعمال البريطاني جون لو كارّيه المشهور بروايات الحرب الباردة وجواسيسها، أذكر أني التقيت الأميركي جورج روي هيل في فندق الكومودور، وحاورته في حضور لو كارّيه، وكان يعتزم التصوير في لبنان، إلّا أنّ تأخُّر الإنتاج إلى الفترة الواقعة بين الاجتياح الإسرائيلي وتفجير السفارة الأميركيّة وثكنات المارينز والقوات الفرنسيّة في عمليات انتحارية وقعت تباعًا في نيسان وتشرين الأول 1983، أرغمته على الاكتفاء بما صوّره مخرج الوحدة الثانية من لقطات في منطقة الزيتونة.    

زياد في فيلم «نهلة» لفاروق بلوفة (1979).

وفي زحمة المشاريع الوافدة إلى غربي بيروت، ألّف زياد الموسيقى التصويرية لفيلم «نهلة» وشارك في تمثيله؛ قصة صحافي جزائري جاء لتغطية معركة كفرشوبا في كانون الثاني 1975، وأمضى الوقت تائهًا في اضطرابات البلد وتمزقّاته حتّى وجد نفسه أسير بيروت وحربها الأهلية. كتب فاروق بلوفة سيناريو الفيلم مع مواطنه الروائي رشيد بو جدرة وأخرجه مُسندًا البطولة إلى الجزائري يوسف سيّاح وياسمين خلاط في دور المغنية النجمة نهلة. وتوزعت بقية الأدوار على لينا طبارة، نبيلة زيتوني، روجيه عساف، فايق حميصي، أحمد الزين، عبد الله حمصي، عبد المولى الشعار والمصري أحمد محرز. ودارت مشاهد زياد في الاستوديو عازفًا البزق والپيانو، عاكفًا على التلحين والتسجيل وتدريب نهلة على الغناء، خاتمًا الفيلم بصوت رونزا مغنيّةً قصيدة طلال حيدر «وحدن»، وما لبث أن أصدر الأغنية في أسطوانة حملت عنوانها وكانت فاتحة تعاونه المستقلّ مع فيروز.


مقطع من فيلم «نهلة»  لفاروق بلوفة (1979)، مع زياد في أول دور سينمائي له.

على هامش «حرب السنتَيْن»

وعَوْدًا على أوّل أعماله المسرحيّة والموسيقيّة المستقلّة عن الأخوين رحباني، تبدو السبعينات الأغزر عطاءً والأوفر تنوّعًا. بين 1973 و1974، قدّم «سهريّة» و«نزل السرور»، تخلّلهما وتبعهما تأليفه الموسيقيّ لمسرحيّة «أبو علي الأسمراني»، إخراج برج فازليان عن نصّ لخلدون ثائر (1974)، والمسلسل التلفزيوني «آثار على الرمال»، اقتباس السيناريست فارس يواكيم لرواية الكاتب المصري يوسف السباعي (1974)، ومسرحيّة «المارسيلياز العربي» لمحمد الماغوط تأليفًا ويعقوب الشدراوي إخراجًا (1975).

ملصق لمسرحية «أبو علي الأسمراني» لبرج فازليان (1974).
ملصق لمسرحية «المارسلياز العربي»، كتابة محمد الماغوط وإخراج يعقوب الشدراوي (1975).

ثمّ أطل من وراء الميكروفون في «بعدنا طيّبين، قول الله» (1976)، وأصدر أسطوانة «بالأفراح» (1977)، وأخرج مسرحيته الثالثة «بالنسبة لبكرا… شو؟» (1978)، ووقّع موسيقى فيلم «نهلة» ومسرحيّة «أمرك سيدنا» لزهراب يعقوبيان وأسطوانة «وحدن» (1979). 

ملصق مسرحية «أمرك سيدنا» لزهراب يعقوبيان (1979).

ومن تسلسل الأعمال وتواريخها الآنفة، يُستدَلّ انخفاض الزخم قليلًا في النصف الثاني من السبعينات والبعد الزمني لمسرحيّته الثالثة عن مسرحيتيه الأوليَيْن، ويُستشفُّ أن إنتاجه في بيروت الغربيّة كان أغزر وأسرع وتيرةً ممّا أصبح عليه غداة انتقاله إليها. يُردُّ السبب عمومّا إلى الحرب، خصوصًا مرحلتها المسمّاة «حرب السنتين» (1975-1976). حينها، حُمّل مجيء زياد إلى غربي بيروت محمل الانشقاق السياسي عن شرقها، وسبقه رهط من المثقفين والناشطين المعارضين، آثروا التعبير عن مواقفهم وميولهم بعيدًا من الضغط والتهديد، فاتّجهوا غربًا، ورُحّب بهم. وبادر اليسار وإعلامه إلى وسمهم بتجمع «المسيحيين الوطنيين»، وتبنّت جريدة «السفير» تقليدًا أرسى أفضليّة النشر في الصفحة الأولى لمقال يوقّعه كاتب مسيحي. لازم التقليد الجريدة وترسّخ واستمرّ إلى الألفيّة الثالثة. ولئن بدأ، في الحرب، بأقلام معارضة لحزب الكتائب وحلفائه في «الجبهة اللبنانيّة»، أمثال سمير فرنجيّة وطارق متري وجورج ناصيف، حاولت «السفير»، بعد الحرب ورفع الحظر عنها في شرقيّ العاصمة، استمالة خصوم الأمس ترويجًا لانتشارها في المناطق المسيحيّة. استضافت، بدافع الـمَشوَرة، الكتائبي المخضرم جوزف أبو خليل، رئيس تحرير جريدة «العمل»، في أحد اجتماعات مجلس تحريرها. واستكتبت سعيد عقل وكريم بقرادوني وأتت بإدمون صعب من «النهار». طبعًا، اختلفت الظروف. وخبا نجم اليسار ووهجه المأثور في السبعينات. في حرب السنتين، تمتع بوزن فاعل بين أحزاب الحركة الوطنية والتنظيمات الفلسطينية، ورأى في تظهير كل صوت مسيحي معارض دحضًا لطائفيّة الصراع، محاججًا بعلمانيته وتكوّنه، نواةً وقيادةً وقاعدةً، من جماعات عابرة للطوائف، وساجل في التباس الأزمة على العامّة بوجهها الطائفي، مقترحًا مقاربتها بمقولة الطائفة-الطبقة وازدواجيّتها في النظام اللبناني، كاعتماد المارونيّة السياسيّة، على سبيل المثال، تعريفًا يستهدف طبقة حاكمة وليس طائفة بشعبها.

زياد مانيا (بعدسة ميرنا شبارو).

لم يُصَنّف زياد ولا صَنَّف نفسه في عداد المسيحيّين الوطنيّين. تحدّث عن شيوعيّته. ولم يتحدّث مرّة عن مسيحيّته. ولا تناول موارنة السلطة وسواهم بصفتهم طائفة- طبقة. ظلّ نسيجَ نفسه، في الهامش الشخصي وليس المتن الحزبي. هامشه ومتنه لغته وفنّه، حملهما معه إلى بيروت الغربيّة. وجد فيها فسحةً غير متوافرة في بيروت الشرقيّة، أعادت وصله ببدايته المسرحيّة واستئنافها من حيث انطلقت في سينما أورلي. على أن «الغربيّة» لم تكن الجنّة الموعودة. أصابها ما أصاب «الشرقيّة». اقترفت كل منطقة قسطها وتلقت نصيبها من القتل والتهجير والخطف على الهويّة. افتتح العام الأول من الحرب واختتم بمجزرتي بوسطة عين الرمانة (13 نيسان)، و«السبت الأسود» (6 كانون الأول، 1975). وكرّت السبحة في العام التالي. اختلط حابل بيروت الشرقية بنابل بيروت الغربية. قوبل الخطف بمثله. من حاجز التيوس في المتحف إلى جسر البربير، نجا القليل ممّن أُخِذ رهينة على سبيل المقايضة، وصُفّي سائر المخطوفين ذبحًا أو إعدامًا بالرصاص، وأضحى سحل المقاتلين الأسرى من الجانبين والتمثيل بجثثهم مشهدًا مألوفًا في شوارع المنطقتين. وعلى نسقه، ووجهت المجزرة بسواها وهُجّر الناجون وشُرّدوا في طول البلد وعرضه. تعاقبت مذابح الكرنتينا والدامور وعينطورة وشكّا والنبعة ومخيّم تلّ الزعتر وصولًا إلى قرية العيشيّة في الجنوب. فلت العنف من قبضة أربابه وعمّ بلاؤه عموم المناطق وتفشّت عدواه بين ميليشياتها، فاقتتلت وانقلبت قواعد اللعبة. طُهِّرت بيروت الغربيّة من منظمّة «الصاعقة» والجماعات الموالية للنظام السوري. وفي بيروت الشرقيّة، أنشأ بشير الجميّل «القوّات اللبنانيّة» وأجبر الميليشيات على حَلَّ نفسها والالتحاق بها. وفيما أثمر انقلاب بشير توحيدًا للبندقيّة واصطفافًا لأحزاب «الجبهة اللبنانيّة» ورموزها السياسيّة خلف قيادته بالتراضي، ولاحقًا بالدم عبر مجزرتيْ إهدن والصفرا، أسفر استئصال الصاعقة عن الحدّ من النفوذ السوري في بيروت الغربيّة ودونه الحدّ من إتخامها بفوضى مسلحة فرّخت تنظيمات صغيرة سُميَّت عن وجه حقّ «دكاكين»، أقرب إلى عصبة معدودة الأنفار، معقودة الولاء على راعيها من سلطة الأمر الواقع، ومعقودة القيادة على رجل من خارج الوجوه السياسيّة، بإمرته زعران إن لم يُوفّقوا في مصادرة شقة، احتلوا دكانًا وحصّنوه بأكياس رمل. في حيازتهم أسلحة خفيفة ومتوسطة تشمل قنابل ومقذوفات آر. بي. جي. لم يسقط قتلاهم على خطوط التماس. خَرّوا في معارك شوارع مع ميليشيات منافسة، نشرت الرعب وروّعت السكّان. غالبًا ما تنصّل رعاتهم من المسؤوليّة في عَزْو الإخلال بالأمن إلى «عناصر غير منضبطة»، عبارةٌ دخلت قاموس الحرب الأهليّة اللبنانيّة واستقرّت. 

بحبّك يا لبنان؟

فرزت «حرب السنتين» المناطق وفق طابعها الطائفي. وتركت للسنين الآتية استكمال الفرز والتعديل الديموغرافي. هَزُل اليسار في نكرانه طائفية النزاع. وفقد شعار «عزل الكتائب» واختصار الحرب بتفرقة «الوطني» عن «الانعزالي» مفعولهما، جرفهما سيل المجازر والتهجير وقطع الأوصال بخطوط التماس. وكانت ثالثة الأثافي في كرنڤال الدم صدور أغنية أسهَلتها الإذاعات وأُسهلت الآذان بسماعها، «بحبّك يا لبنان»، أهداها الأخوان عاصي ومنصور الرحباني بصوت فيروز شَدًّا من أزر اللبنانيين وعنادهم في الكرامة وحب الوطن. معها، انتقل نكران طائفيّة الشعب إلى نكران كراهية بعضه بعضًا في مِلَله ونِحَله. وما من طامة إلا وفوقها طامة توجّت نوائب «حرب السنتين» بالدخول العسكري الكبير للنظام السوري تحت جناح «قوات الردع العربيّة»، المفوّضة إنهاءَ الحرب وحفظ الأمن والسلام اعتبارًا من 21 تشرين الأول 1976، والمؤلفة ممّا يزيد عن 25 ألف جندي سوري مقابل ثلاثة آلاف جندي من السعوديّة والإمارات واليمن والسودان. سوريا بتبعتلك ردع ومصر بتبعت فلافل، قال زياد في «بعدنا طيبين، قول الله». وتخيّل، ساخرًا، استقبال اليمين المسيحي طلائع قوّات حليفه البعثي في بيروت الشرقيّة وكسروان بتعريب الأسماء كاستبدال جان-پول قسيس باسم محمد علي قسيس. 

غير أن المرحلة انتهت. وترتّب عليها وقف برنامج «بعدنا طيّبين» بعد بثّ 78 حلقة منه. قرارٌ أملاه التفرّد السوري بالأوضاع ودفعُه بقيّة الدول المشاركة في «قوّات الردع العربيّة» إلى الانكفاء تدريجًا وانسحابها الكامل في أواخر أيّار 1979، ممهدّةً الطريق لوصاية سوريّة مديدة استمرّت إلى ربيع 2005.

صور وملفات (من مجموعة ميرنا شبارو).

استلزمت نهاية «حرب السنتين» التكيّف وواقعاً غير مريح. استدعت وقفة وعي حيال ما سبق وجرى فيها واستجدّ. في منتصفها تقريبًا، جاء زياد من شرقي بيروت. بدت الحرب في مطلعها وكأنها فرّقت البيروتَيْن بشعارات «الدفاع عن عروبة لبنان والقضيّة الفلسطينيّة» و«أمن المجتمع المسيحي فوق كلّ اعتبار». إلّا أن ما فرّقته الحرب بالسياسة جمعته بالطائفيّة والعنف الأهلي. مع تمسكّه بقناعاته، أدرك زياد استحالاتها والحاجة إلى ذكاء آخر في ممارستها. ما كان سهلًا عليه التكيّف. عاد إلى ما قبل الحرب قليلًا، إلى خشبة سينما أورلي، زمن «سهريّة» و«نزل السرور». على الخشبة نفسها، أطلّ بمسرحيّته الثالثة «بالنسبة لبكرا… شو؟» (1978). أمضى عاميْن وأكثر في كتابتها وتنقيحها، غداة سدل الستار على «حرب السنتين». أحسب أنها أعادته إلى «خطّ مستقيم» بدأه في «سهريّة»، وطوّره في «نزل السرور» متعاطيًا مع الواقع من زاويته المفضلّة، دور رأس المال في الدورة الاقتصاديّة وتأثيره على الممارسات السياسيّة والاجتماعيّة. كان يستمزج آراء بعض الاقتصاديين من أصدقائه الشيوعيّين حين تخطر له فكرة تحتاج إلى البلورة في جملة مفيدة. من «نزل السرور» و«بالنسبة لبكرا… شو؟»، نسج قماشةَ لوحةٍ سمعيّة- بصريّة، مشغولة بذهن وقّاد ومراقبة حثيثة للتفاوتات الاجتماعية والطبقيّة والهجرة الاقتصاديّة ومشارفة لبنان- النزل على انهياره وتفلفله في أتون الحرب. تبدو «سهريّة» محطّة غنائيّة ومحاولة أقلّ جديّة وكشفًا لملامح مسرحيتيه الثانية والثالثة. وإذا جُمِعَت أغنياتها واسكتشاتها التمثيليّة إلى «نزل السرور» و«بالنسبة لبكرا… شو؟»، استأثرت بذاكرة الجمهور ودأبه على استظهار حواراتها المسرحيّة وكلمات أغانيها جيلًا إثر جيل، وباتت ميزان حكمه على المقبل من أعمال زياد. فبعد مسرحيّته الثالثة، جاءت «فيلم أميركيّ طويل» (1980). ومع أنها نالت نصيبها الوافر من الإقبال، يخامرني الظنّ أنها تُذكرُ اليوم بعنوانها جرّاء كثرة استخدامه في تعليق أزمات لبنان (والمنطقة) واستعصائها على العامل الأميركي. وأبالغ قليلًا في القول إن تجاوب الناس مع «نزل السرور» و«بالنسبة لبكرا… شو؟» كان أسلس من تماثلهم مع «فيلم أميركي طويل». ربمّا لأن المسرحيّة الأخيرة تطلّبت منهم تماثلًا يفيض عن تماثل أسبق اختبروه في المسرحيات الثلاث.

زياد في مسرحية «فيلم أميركي طويل» (1980).

السينما في المسرح

و«التماثل»، في ترجمتي المحبّذة لكلمة «Identification»، مصطلح تداوله نقّاد السينما أكثر من غيرهم، لا سيّما في العصر الذهبي للكلاسيكيات الهوليوودية، عبر تحليل تعلّق الجمهور بفيلم ما أو بنجمه. وحجتّه أن جماهيريّة الفيلم وجاذبيّة بطله نابعتان من شعور المتفرّج أن الفيلم يخاطبه والبطل يخطب ودّه في تجسيد شخصيّة مطابقة لطبعه وحاله وخياله، وتوقه إلى الخروج عن طور وطوع وطوق أمسكت بخناقه. يتماثل معه تماثله مع صورته. يهواه. وحين ترقى شعبيّة ااـمُمَثل إلى سماء النجوميّة، يغدو مشاعًا ويذهب هوى الـمُشاهد صوب الانجذاب إلى شخصه عوض شخصيّته الموصوفة على الشاشة. عندئذ، يتحوّل الهوى عبوديّة، والنجوم أنصاف آلهة (Idols)، والتماثل محاكاة لمظهر النجم وتقليدًا لزيّه وتصفيفة شعره واستظهارًا لأسلوبه في الكلام والتصرّف، علمًا أن صناعة النجم لحِقَت بتغيّر العصر ونزوح صناعة الأفلام من الاستوديو إلى الشارع. وكان لسبعينات القرن الفائت قفزتها الثورية في إزاحة الستار عن نموذج مضاد لأبطال الشاشة وأنماطهم الجماليّة. شَهَرت جيلًا من الممثلين الصاعدين، أقلّ وسامة، أفقر هندامًا، أقصر قامة، أضعف بنية، أكثر ذوبانًا في الدور ولبوسًا للشخصيّة، وأقسى تمرّدًا على قِيَم عصرهم من أسلافهم. بأدائهم، أسطروا الشخصيات المرسومة لهم. بدأوا الظهور في الستينات، بحضور لافت، أو خجول، طوّروه إلى أن كرّسوا مذهبًا في التمثيل وتجسيم الشخصية حتى العظم. وزياد، في زمنه الفني البكر، ممثّلٌ قَدرَ ما هو موسيقي، فتى السبعينات، وصدى حقبة أقبلنا فيها على مشاهدته إقبالنا على آل پاتشينو وداستين هوفمان وجاك نيكولسون وروبرت دو نيرو، وتابعنا مسرحياته متابعتنا لأدوارهم في «الفزّاعة» لجيري شاتزبرغ (1973) و«رجل الماراتون» لجون شليسنغر (1976) و«الحيّ الصيني» لرومان پولانسكي (1974) و«الثور الهائج» لمارتن سكورسيزي (1980). على خلافهم، لمع ضوؤه على الخشبة وليس الشاشة. وكتب عروضه المسرحيّة- الغنائيّة ولحنّها وأخرجها واختار ممثليها بنفسه. ولنفسه، عَشِق التمثيل أشدّ العشق. كان سلواه. «المسرح أن تسرح»، قال لي يومًا. وما رأيته إلّا ممثّلًا سينمائيًّا على الخشبة. التزمينُ أساسي في عمل الموسيقي والسينمائي. وعليه، تتقاطع مشاهدُ مسرحيّاته وتتتالى كأنها مزمَّنة، لا تترك للمُشَاهِد ما يتركه له المسرح من حريّة توليف المشهد بعينيه. الـمَشهدُ مرصوص، والنظر إليه مشدود في كُلّيته. وإذ يحين ظهور زياد في المشهد، يأتي إليه وكأنه سَحَاب السينما في سماء المسرح، شاديًا شدو شارلي شاپلن، باستر كيتون والإخوة ماركس وهارولد لويد بنظارتيه الطبيتين، يتهكّمون على بؤسهم تهكّمهم على بأس الآخرين، يبدو واحدهم لقطةً ناتئة في مشهد، يملأه قفزًا ورقصًا، متحايلًا على ضعف شخصيته في الفيلم والمواقف الصعبة تحايل البهلوان على الموت في سيره على الحبال. الأكروبات لازمة في أداء كوميديّي العقدَيْن الأول والثاني من القرن العشرين، يحضر ولو في لمحة حضور السيرك في الفنون المجاورة للسينما الصامتة وقتذاك. مثلهم، يتراءى زياد لقطةً من فيلم، تحلّق به حتّى يتجاوزها وينزع عنه جسده، طائرًا بما أوتي من طاقة وخفة، على نحو وثبته الشهيرة إلى الشباك في «بالنسبة لبكرا… شو؟». يسرح، على حدّ قوله. ويأخذه السَّرَحان حدّ انعدام الوزن في فضاء الخشبة. ليس بهلوان تمثيل. ولا كان سيركٌ وأفلامٌ صامتة في زمنه. خرج مسرحه عن الصمت إلى ضوضاء سيرك آخر في أيّامه ما عهده الفنّ قبلًا في أيّ شكل، كان، وما زال، لبنان.

وحدته نافذته (بعدسة ميرنا شبارو).

بين 1989 و1990، وضع زياد الموسيقى التصويرية لفيلم «غياب»، أول أعمال المخرج محمد سويد وكانت من عزف زياد على البيانو للمقطوعات الآتية: قديش كان في ناس، زوروني، فايق عليّ، فايق عليّ (توزيع حرّ)،وحدن.









زياد السبعينات

اخترنا لك

تحليل

زياد الرحباني: الالتباس الخلاّق

سيلفانا الخوري
تبديل اسم «جادّة حافظ الأسد» إلى «جادّة زياد الرحباني»
نقد

زياد الرحباني: الصوت والظاهرة 

فادي بردويل
نقد

زياد الرحباني بعيون سوريّة

محمد علي الأتاسي
نقد

زياد الرحباني الذي قاتل من أجل عاديّته

باسل ف. صالح
تكريم زياد الرحباني في «ليلة المتاحف» 
زياد الرحباني
28-07-2025
تقرير
زياد الرحباني
1956 - 2025
دايماً بالآخر في آخر: زياد الرحباني يودّع مدينته
زياد الرحباني

آخر الأخبار

مواد إضافيّة
زياد السبعينات
نقد

زياد السبعينات

محمد سويد
قيل هذا الأسبوع: 12 - 18 نيسان 2026
نعيم قاسم: منفتحون للتعاون مع السلطات اللبنانية بصفحة جديدة
حدث اليوم - السبت 18 نيسان 2026
18-04-2026
أخبار
حدث اليوم - السبت 18 نيسان 2026
النبطيّة تنفض الغبار
مقتل جندي فرنسي في اليونيفيل جنوب لبنان