من الأغاني الوطنية في الثمانينات، إلى إعادة اكتشاف بيروت بعد الحرب، مرورًا بعالم الأطفال، وصولًا لأغاني الناس، شعور واحد من اللطف الدافئ والمُحِبّ للناس. في وداع أحمد قعبور، يرسم هلال شومان معالم هذا الشعور، من كلمات الأغاني إلى ألحانها، ومن شخصيات المسلسلات إلى موسيقاها، ومن مسرحيات الأطفال إلى عالمها.
أخي أحمد، (..) للظهيرة الآن طعم الارتباك والملل.. ألا يضجر ذلك النسيم من ترقيص القمصان المعلقة على أسطح المدينة، أم أنه يقوم بواجبه اليومي... ما أعظم الحركة... وما أبغض الركون. ليتني سروة. ليتني نسيم... أرقص وأتمايل… أنفض عن كتفي تعب النهارات وثقل الأحلام المستحيلة.
أحمد قعبور، «من وإلى «أخي أحمد»»، جريدة السفير، 27 آب 1998. تجدر الإشارة أنه لم يكن ممكنًا كتابة هذه المقالة من دون الأرشيف المتاح لجريدة السفير على الإنترنت الذي وفَّر مادة مهمة لمقابلات ومقالات نقدية كتبها محمد سويد وعبيدو باشا وسحر مندور وآخرون. ساعد الأرشيف أيضًا في التدقيق ببعض التفاصيل المغلوطة المتعلقة بتاريخ إصدار الأغاني، وتغيير أسماء الأغاني في الإصدارات الثانية للألبومات الأصلية، كما اكتشفنا عبره نصًا وشهادات في آخرين كتبها قعبور، فضلًا عن شهادات عن مسيرته الفنية ومواقفه السياسية.
في العام 1988، وأنا ابن ست سنوات، اصطحبتني عمّتي لمشاهدة مسرحية في مسرح جاندارك بالحمرا. دخلتُ المسرح للمرة الأولى غير فاهم وغير متوقع لما سيحدث فيه، وخرجتُ منه عارفًا أنَّ هناك عالمًا آخر لم أكن أعرف بوجوده. عالم موازٍ ومتقاطع في آن مع التفاصيل البيروتية التي كانت تصنع طفولتي. عالم ملؤه الخيال سيكون بداية تعرّفي إلى أحمد قعبور وأعماله.
«حبّات الرمّان»: خدونا مشوار
اسم المسرحية: «حبات الرمان»، لفرقة السنابل بكتابة غازي مكداشي وحسن ضاهر، وألحان مكداشي، وإخراج فائق حميصي (رائد التجربة الإيمائية المسرحية في لبنان). غازي مكداشي هو مؤسس الكورس الشعبي والمشرف عليه وعلى فرقة السنابل، وأشهر أغنيات الكورس التي لحّنها بكداشي أغنية «سجل أنا عربي» لمحمود درويش.
في المسرحية، تنطلق ليلى (قامت بالدور ليلى غندور)، بمساعدة «سحرية» من الختيارة سارة (أدت دورها عايدة صبرا) بمغامرة عبر شوارع المدينة، بحثًا عن حبّات الرمّان التي ستشفي صديقها المريض حامد. في رحلتها الطفولية (والطبقية) من الشارع الكبير حيث تسكن، إلى الزاروب حيث يتواجد شجر الرمان، نتعرف إلى المدينة في طورها الجديد، حيث الجيران يجلسون في مداخل البنايات يدخنون الأرجيلة وتتحادث الجارات من شرفة لأخرى عن صديقتهنّ التي ترقَّت طبقيًا واشترى لها زوجها فستانًا أحمر بـ200 ليرة، ونرافق الأولاد في ذهابهم اليومي إلى المدرسة والعودة منها حاملين شنطة العفش (شنطة المدرسة)، بينما تملأ السيارات شوارع المدينة وتحتل أرصفتها وتقلِّص مساحة اللعب في الشوارع. يتحلَّق الأولاد حول شرطيّ السير ويغنّون «طاق طاق طاقية / رن رن يا جرس / والشرطي راكب عالفرس»، ويحلمون بمشوار إلى البحر («خدونا مشوار / ع البحر شي نهار / نلعب بالرملات / تحملنا الموجات / تاخدنا لبعيد / لمغارة الأسرار»).
مع محاولة وصول ليلى لشجر الرمّان، تجد نفسها في زاروب على هامش المدينة. لكنَّها سرعان ما تنتبه أنَّ حياة المركز امتدَّت إلى الزاروب، وقام «الرِّجَّال اللي لابس أسود بأسود» باقتلاع شجر الرمان منه، وبرمي بائع النحاس فيه بالجنون بعدما أفلسه وسحب منه كل زبائنه الذين صاروا يشترون من «الرِّجَّال اللي لابس أسود بأسود» صحوناً وملاعق «نايلون». لم يبقَ إلا شجرة رمان واحدة في آخر الزاروب يقام لها عيد سنويّ ويحميها سمَرْمَرْ صاحب البيت القائم على رأس الشجرة التي ستكون موضوع النزاع الأخير في المسرحية. سيعاود قعبور الإشارة إلى الرمانة في أغنيته «يا رايح صوب بلادي» حين كتب وغنى «ونادي كانت حول بيوتن حلوة أشجار الرمان/ قطعوها وبقيت وحدة اسقوها شوية حرام»، وكذلك في واحدة من سلسلة أغنيات «لعيونك»، تحديدًا «معك» عندما كتب «أصل الرمّانة زهرة»، وعندما صنع أغنية «بيروت زهرة» (2016) المتّكئة إلى أغنية عمر الزعني الشهيرة «لو فيي زهِّر رمّانك يا بيروت».
في «حبات الرمان» يقوم أحمد قعبور بدورين، دور أبو عبسي (جدّ ليلى) صاحب اللهجة البيروتية الواضحة، الذي ينام وهو يدخن الأرجيلة هاربًا من الحنين إلى بيروت التي ذهبت، ودور سمَرْمَرْ الذي يغنّي للرمان ويحميه، ويحمي عبره المدينة وعاداتها الاجتماعية، في محاولة للتصدّي الانزلاق إلى عالم موحش ذي ثقافة واحدة.
تحيل مسرحية «حبات الرمان» إلى بيروت في الفترة اللاحقة للاجتياح الإسرائيلي، بيروت الثمانينيات التي خرج منها المقاتلون الفلسطينيون وصارت تعج بالبناء العشوائي وبالسيارات. تتفادى المسرحية الخوض في الحرب الأهلية أو ذكر الاجتياح الإسرائيلي، إلا أنها ترمي إشارة مباشرة في أغنية المسرحية الختامية.
صباح الخير يا بيروت
مذكِّراً بكاريكاتور ناجي العلي الشهير بعيد الاجتياح الإسرائيلي، يختم غازي مكداشي المسرحية بأغنية «صباح الخير يا بيروت». تظهر بيروت في الأغنية بصوت قعبور ككيان منسحب عن سكانها الذين يحاولون استعادتها: صباح الخير يا بيروت / أطلي بوجهك يا بيروت / على أهلي وبيتي / صباح الخير يا بيروت / تعالي نقطف الأزهار / نوزعها على الجيران / لأم محمود وأم أيوب / لكل الناس والخلان.
تذكِّر الأغنية بتجربة «الكورس الشعبي» التي أشرف عليها مكداشي. فالتجربة الغنائية «الفردية» لقعبور انطلقت مع أغنية «أناديكم» كثير من أغنيات قعبور بُثَّت في المجال العام (إذاعة وتلفزيون وحفلات) قبل صدورها في ألبومات، وذلك لصعوبات الإنتاج. التي لحّنها في العام 1975 وذهب بها إلى مكداشي و«الكورس الشعبي»، لتكون الانطلاقة عبر غنائها في مستشفى ميداني مع الكورس. وبعدها، شارك قعبور في الغناء الجماعي مع المجموعة، وكان الصوت الرئيسي في أغنية «يا شارع الأضواء» (شعر: محمود درويش)، والأسلحة والأطفال (شعر: بدر شاكر السياب).
ومع انفراط عقد «الكورس الشعبي»، تأسّست فرقة السنابل كاندماج بين الكورس الشعبي وفرقة «مسرحنا» وفرقة «مسرح الأطفال». في حوار مع جريدة السفير، عدد 5 تشرين الثاني 1977، وهو في الثالثة والعشرين من عمره، يشرح قعبور أنه يمثل ويؤلف في فرقة «مسرحنا»، ويلحن ويغني في الكورس الشعبي، ويكتب ويغني في «مسرح الأطفال». تحت إشراف مكداشي، شارك قعبور في مسرحيات فرقة السنابل للأطفال الإذاعية الأولى وصولًا إلى النسخة المُمَسرَحة من «حبات الرمان»، فكتب قعبور سيناريو وحوار مسرحية «فراس والدولاب الفصيح» وشارك في الكتابة والتمثيل في مسرحيات «بدنا الشمس» و«زنبق والجبل»، و«صابر والعيد».
من ضمن هذه التجربة مع الشركاء في الكورس الشعبي، صدر ألبوم «أناديكم» في العام 1976، بكلام لتوفيق زياد ومحمود درويش ومحمد علي شمس الدين وعبيدو باشا وحسن ضاهر.
ألبوم «أناديكم»: ابنُ النكسة العربيّة والثورة الفلسطينيّة
ألبوم «أناديكم» هو ابن التجربة مع «الكورس الشعبي»، وابن مرحلة بيروت الداعمة للثورة الفلسطينية والداخلة في حربها الأهلية. في أغنية «جنوبيون» التي غنتها المجموعة، يكتب حسن ضاهر على إيقاع اللحن المُلِحّ: الشَّمس تأكل لحمَهم/ لكنّهم يعاندون الشَّمس/ من بطون الأرض يطلعون/ من عيون الشمس يطلعون/ من وجه القمر/ إنّهم جنوبيون/ يزرعون الحبّ والسنابل/ والتَّبغ والرَّصاص ويكدحون/ فقراء يكدحون/ فليلهم طويل ودربهم طويل/ لكنَّ في عيونهم ألف انتقام.
وضاهر هو كاتب أغنيات أخرى في الألبوم، من ضمنها الأغنية الأشهر «نبض الضفة». أثناء مرور قعبور مع ضاهر في شارع عفيف الطيبي بطريق الجديدة، والذي كان يعجّ بالتنظيمات الداعمة للفلسطينيين، ستلفت نظرَه صورةُ فتاة على منشور حزبي، هي لينا النابلسي التي قتلها جندي إسرائيلي أثناء مظاهرات نابلس في العام 1976. سيطلب قعبور من ضاهر كتابة الأغنية عن لينا بتهويدتها الشهيرة: لينا كانت طفلة تصنع غدها/ لينا سقطت، لكن دمها/ كان يغني…
وينتقي قعبور واحدة من أولى قصائد محمد علي شمس الدين، «ارتعاشات اللحظة الأخيرة/ إذا عبروا»، ليضمَّها إلى ألبومه ويلحّنها ويغنّيها: إذا عبروا غداً يا أمُّ/ إن عبروا على جسدي/ ومزّق فاتحٌ كبدي بسكيني/ فضمّيني/ إلى جَنْحَيْك ضمّيني/ وبالأهداب بالأهداب غطّيني/ ولا تدعي شراييني أنابيباً لمن عبروا/ أعيدي صك أوراقي/ أعيدي غزل أجزائي/ أعيديني/ ولا تدعي شراييني أنابيباً لمن عبروا.
لكن، تبقى أغنية «أناديكم» بنظم توفيق زياد ركيزة هذا الألبوم وأغنيته البكر. هي ابنة الثورة الفلسطينية والوجود الثوري الفلسطيني في بيروت، تحاول تجاوز الزمن السابق، زمن نكسة الـ1967، وتنحّي عبد الناصر. يخبر قعبور في مقابلاته كيف جاء إلى أبيه عازف الكمان محمود الرشيدي بالأغنية فطلب منه الأخير تضمين الأغنية النبضَ. يتذكَّر كيف ظلّلت نكسة 1967 طفولته عندما خرج أخوته بلا تخطيط إلى الشارع رافضين التنحّي. ويتكرّر ذكر قعبور لأبيه مخبرًا عن مشهد دخول القوات الإسرائيلية بيروت، عندما رأى والده الميركافا قادمة من ناحية حرش بيروت،
وسأله «ضليتك تنادي لوصلوا؟»، ليردَّ عليه: «مش هول».
سيحيّي قعبور أباه محمود الرشيدي بالاسم في أغنية «بيروت زهرة» (2016)، ويقدِّم ثلاثية غنائية عن الأب في ألبومه «لما تغيبي» (2019): «أبي» (شعر: محمود درويش)، «كان أبي» و«يا أبي» (شعر: بثينة سليمان).
«مش هول» و… مش هوليك.
في بداية العام 1982، لن يتوانى قعبور عن الغناء لتل الزعتر في حفل بالجزائر مستعيدًا أغنية من الكورس الشعبي كتبها خليل الحافي: صرخات الثوار/ طلقات النار/ أحييها في تل الزعتر/ أغنية الأبطال/ أحلام الأطفال/ تجسّدها يا تل الزعتر/ وسنون الآلام/ تحصرها الأيام/ وتطويها في تل الزعتر/ أنياب الجاسوس الأسود/ يغرسها في الكفن الأبيض/ وتفوح رائحة البارود/ من قلعة الصمود/ لكن بريق عيون النصر/ تلمع كوميض الخنجر.
من النكسة للاجتياح: بدء تشكل الهويّة البيروتيّة في الأغنية
إذا كان ألبوم «أناديكم» هو ابن النكسة، وابن بيروت الثورة، فإنَّ ألبوم «حبّ» (1985) هو ابن الاجتياح الإسرائيلي وانحدار الحرب اللبنانية إلى معارك الجماعات الطائفية والأحياء، والاضطرابات الداخلية. وإذ تختلف أغنيات الألبوم عن الألبوم السابق، فإنَّ قعبور يكمل في أغنيته التعبوية كما في «نشيد المقاومة» الذي كتبه ولحّنه قعبور، ووزّعه زياد الرحباني: سائرون في الطريق الثائرِ/ ثائرون للجنوب الهادرِ/ نرفع الرايات/ نطلق الصرخات/ أزهِري يا أرض حبًا أزهِري.
هذه الصرخة النشيدية تخفت في أغاني الألبوم الأخرى لصالح أغانٍ تضع الناس في قلبها، وسنتمنتالية شعرية ولكن واعية بخطورة المرحلة يوفِّرها شعر محمد العبد الله وجاك الأسود، وفرح موسيقى يحاول تجاوز الفجيعة على إيقاع كلمات عبيدو باشا.
في أغانٍ مثل «يا ستي ليكي ليكي» و«يا رايح صوب بلادي»، كتبهما أحمد قعبور نفسه. يصير الناس هم المتكلَّم معهم، وتغيب «نا» الجماعة واللغة الجازمة، لتُستبدَل بالكلامي المحكي البسيط، في محاولة لصون الذاكرة الأهلية المعرَّضة للقنص. تتشكل بيروت هنا اجتماعًا حول الجدة المحاصرة بالقذائف، وامتدادًا نحو فضاء خارجي من ضيع المهجرين إليها، وتحديدًا كفرمتى التي شهدت واحدة من أقسى المجازر الطائفية التي وقعت في العام 1983.
في «حب/ لكم أعود» التي كتبها جاك الأسود يطغى على اللحن المزاج الجنائزي المواكب للفاجعة: لكُم أعود/ داميَ اليديْن/ وفي زوايا غرفتي/ رائحةٌ تبكي/ بألف عين/ لكُم إذا تقاسموا ثيابي/ فقد أكون هيكلاً/ لكُم إذا نسيت كلمةً/ تنجيني من الموت/ لكم عذابي/ متى سألتُم عن دمي/ ترونه يلعب بالترابِ.
هذا الوعي بخطورة المآل الذي وصلته الحالة اللبنانية في الثمانينيات يتأكد في شعر محمد العبد الله في «شو بعاد»:
وزَّع موسيقاها زياد رحباني.
وبيناتنا في بلاد عم تحترق/ وولاد رح يسألونا كيف؟/ وما منلتقى إلا متل كفين/ ع طاولة ورغيف/ شو بعاد متل اتنين/ متل رجَّالَيْن... بعاد بعاد…
يحاول قعبور تجاوز إحساسه الواعي بالهزيمة في أغنية الألبوم الأشهر «بيروت يا بيروت» التي كتبها عبيدو باشا، لتنقلنا إلى مزاج فرح يشترك فيه الأطفال غناءً وتصير فيه بيروت «صندوق فرجة كبير». وإذا ما استثنينا العناصر المحلية في إسهامات قعبور الغنائية المسرحية، تشكِّل هذه الأغنية المحاولة الأولى لقعبور في صناعة أغنية بيروتية مستقلة خالصة، وهي تجربة سيبني عليها في أغنيته الرمضانية «علوا البيارق» مع أطفال دار الأيتام ككورس، والطفل فاروق الكوسا كمغنٍّ منفرد في أحد مقاطعها، فاروق كوسا نفسه الذي سيغني أغنية «المقاومة الوطنية اللبنانية» مع زياد رحباني في شريط «أنا مش كافر» الذي صدر بعد ألبوم «حب» بأشهر قليلة. والتي سجلت في العام نفسه. في العام 2002، سيُصدر قعبور أغنية «توتة توتة» للأطفال. في العام 2007، سيُصدر بالتعاون مع دار الحدائق أسطوانة مدمجة بعنوان «كلمات وأغنيات» نظم حسن عبد الله. أما في العام 2011، سيطرح ألبومًا كاملًا من الأغاني الرمضانية بغناء رشا الرفاعي، «رمضانيات» (2011).
بعد الحرب ومع نشوء النظام العالمي الجديد: «سنغنّي ونسمع أصواتنا»
في العام 1992، سيعاود عبيدو باشا سؤال أحمد قعبور عن معنى الأغنية السياسية بعد سؤاله الأول له في العام 1980. في المقابلة الأولى، يشير قعبور إلى أغنياته كأغنيات تعبوية، الفرح فيها غير ظاهري لا يطفو على سطحها، بل فرح باطني، والسبب الكامن وراء هذا التخفي «عدم القدرة على نسيان حقيقة سقوط مائة ألف قتيل في الحرب الأهلية.» عدد السفير الصادر في 29 آذار 1980. أما في المقابلة الثانية في العام 1992، فإنه يأخذ السؤال ويوسعه نحو مساءلة الوضع اللبناني في فترة ما بعد توقف الحرب، فترة «النظام العالمي الجديد» كما يصفه قعبور:
هذه المرحلة غريبة عجيبة. هي مرحلة انتقالية، كما يقال، في حياة البلد. لذلك فإن لا عناوين محددة لها. وعناوينها ليست متعددة بالتالي. هناك عنوان واضح لها، يسمّينا، يتسلل إلى عظامنا، يرسم ملامح وجوهنا ويجرح أصواتنا المتعبة التي طالما نسيتْ نفسها، إنها الهزيمة. عنوان واحد ووحيد. (..) تسأل عن الاستمرار، وأسأل أنا نفسي. أن نستمر يعني أن يكون لنا ما نقوله، وما عسانا نقول؟ (..) اليوم نحاول اكتشاف ما نحن فيه وننطلق منه. نغني للهزيمة والانكسار- أقول نغني ولا نتغنَّى- وصولًا إلى فهم معنى الانتماء الحقيقي، فمن لا يعرف معنى الحزن لا يدرك لذة الفرح. (...) خدعتنا التسويات وتحاول أن تحاصرنا بحزننا، لكننا سنستلهم هذا الحزن وسنبقى نغني ما دمنا نملك حناجر وذاكرة وأناسًا نحبّهم. حسنًا سنغنّي، ولكن هذه المرّة سنسمع أصواتنا. عدد السفير الصادر في 2 نيسان 1992.
التصريح بالوعي بالهزيمة في عالم متغيِّر لا يمنع قعبور من وضع موسيقى مسرحية «بنسيون الست نعيمة» لأسامة العارف وجلال خوري. في المسرحية التي عُرضت في العام 1992، تنقلب بيروت إلى مساحة مصغَّرة، بنسيون بشخصيات من مشارب لبنانية مختلفة وكولونيل فرنسي في زمن زحف القوات الإسرائيلية باتجاه بيروت، قبل أن تحتلها، ويدخل جندي إسرائيلي البنسيون معلنًا أنه ابن إحدى الشخصيات من علاقة عابرة قبل عقدين في أوروبا، في إحالة شبيهة لورطة بطل غسان كنفاني في «عائد إلى حيفا» عن معنى الأبوة والبنوة ومسؤولية الأجيال السابقة. تنتهي المسرحية بأغنية لحنها قعبور وكتبها بالتشارك مع أسامة العارف على وقع إعلان القوات الإسرائيلية عن انسحابها من بيروت: والله وطلعناهم برة بالزنود المفتولة الحرة/ لكن بعدا الدنيي غيوم/ والشهدا عيونهم بتحوم/ تسألنا هلأ عن بكرة؟/ بكرة الأرض بترجع حرة. سيعاود قعبور إطلاق الأغنية بعد تحرير الجنوب في العام 2000 في تسجيل جديد، وفيديو كليب عرض على شاشة تلفزيون المستقبل حينها، ويضمنها لاحقًا في ألبومه «صوتن عالي» الذي صدر في العام 2002.
منذ البداية، لم يهادن قعبور في مواقفه السياسية. تأثَّر بالجو السياسي العام المحيط به عائلةً ومجتمعًا، وبأخيه الأكبر الذي اكتشف الماركسية عبره، والذي يقول عنه لعبيدو باشا في السفير في العام 1998: سبقتني الحرب إلى بيتي كما سبقتني الماركسية، كنتُ أحب أخي الكبير الذي قرَّر أن يكون ماركسيًا. كنتُ أسمع تحاليله للمواضيع المحلية والعربية والعالمية، وكنتُ معجبًا بطلاقته ومفرداته التي يستعملها وطريقة الكلام على المواضيع. في ما بعد، عرفتُ أنَّ هذا ما يسمى جدلًا. عدد السفير الصادر في 27 شباط 1998.
والجدل سيكون في صلب حياة قعبور في تسعينيات القرن الماضي عندما صنع الهوية الموسيقية لتلفزيون المستقبل.
في المستقبل ونحوه
إذا كانت السبعينيات والثمانينيات أعوام انطلاقة قعبور الفنية مع تجربته مع الكورس الشعبي والمسرحيات (مع فرقة السنابل أو غيرها)، لقعبور مشاركة رئيسية تمثيلية مع أستاذه يعقوب الشدراوي في مسرحية «نزهة ريفية غير مرخص لها» التي كتبها سمير سعد مراد وعرضت في العام 1984 احتفالًا بعيد الحزب الشيوعي اللبناني الستين. أو في الإذاعة لقعبور اسهامات إذاعية عُرف منها كتابة المسلسل الدرامي «خبز وملح» والتمثيل فيه مع عايدة صبرا وزكي محفوض في إذاعة «صوت الشعب». وفي الغناء الفردي، فإنَّ التسعينيات شكَّلت الأعوام التي سيصنع فيها قعبور صيته التلفزيوني. فبعد وقت قصير أمضاه موظفًا في تلفزيون New TV (قناة الجديد حاليًا)، سينتقل قعبور للعمل في تلفزيون المستقبل.
هناك، سيشارك في وضع الموسيقى الافتتاحية لبعض البرامج التي أنتجها التلفزيون (الليل المفتوح، نجوم المستقبل، أبجد هوز...)، أو بدعم بعض البرامج بالأغاني (كما في برنامج «سوبر ستار» استعاد لبرنامج «سوبرستار» أغنية «غنوا معنا» التي كتبها بالتشارك مع عبيدو باشا وصدرت في ألبوم «نحنا الناس» في العام 1995. )، وفي صناعة أغانٍ عن أحداث ونشاطات عامة (دورة الألعاب العربية الثامنة (1997)، أغنيتا فريقَيْ الأنصار والنجمة).
لكنَّ الإسهام الأكثر حضورًا له في الذاكرة الشعبية هو الأغنيات التي شكلت هوية تلفزيون المستقبل الموسيقية. في هذه الأغنيات، حاول قعبور الاتكاء إلى موروث موسيقي لبناني وعربي، مستخدمًا كلمات بسيطة من محكى الناس في الشوارع، في صيغ بصرية تزاوج بين بيروت الماضي والحاضر عبر شخصيات «فرقة الطرابيش». نجحت الأغنيات وما زالت تستعاد حتى الآن، لكنَّ المفردات ذهبت خارج سياقها الفني ليعاد استخدامها سياسيًا (من «لعيونك» و«يا حبيب الروح» إلى «وحياتك بتمون» إلى «معك»).
في مقابلته مع ماتيلدا فرج الله في برنامج «جريء جدًا» عام 2009، يتحدث قعبور عن الاستسهال في إطلاق الأحكام في البلد، وعن التهم الجاهزة الموجعة، ويطلب التركيز على جوهر المواقف، لا الشباك الذي يطل منه، إن كان إذاعة أو تلفزيون. لا يتوانى قعبور في الردّ على تهمة نقل البندقية من كتف لكتف، وهي تهمة يصفها بالتهريج، ويسأل مطلقيها: يا ريت يقولولي بندقيتهم شو عملوا فيها؟
وهو موقفه نفسه الذي أعلنه في مقابلته مع سحر مندور قبل ذلك بعشرة أعوام في السفير، حين قال: وجدتُ حركة تحرُّر عربية، شعرت بضرورة المشاركة فيها. سقطت حركة التحرر العربية، فأصبح أحمد قعبور هو المجرم! مقابلة مع سحر مندور بعنوان: «من جيل لجيل| أحمد قعبور: «فليشدّ أحدكم على يدي» في عدد السفير الصادر في 27 أيار 1999.
وهو عندما يُسأَل عن «المستقبل» في مقابلته مع فرج الله، يجيب:
ولادنا إلهم مستقبل. إلهم مشروع وأحلام، والأحلام مش ملك حدن. والمستقبل مش ملك حدن. والمقاومة مش ملك حدن. أنا قبل هاي بسنتين تلاتة كنت عامل لإذاعة صوت الشعب جينغل: «صوتك مش صدى جايي من المدى / صوتك صوت الشعب ومتلّي الفضا» لمين هاي؟ إنو برسم الرفيق خالد حدادة؟ ولا إنو «لعيونك» برسم الشيخ سعد الحريري؟ المهم قيمة العمل الفنية والإنسانية. شو بيبقى. (..) ما حدا إله حق يحتكر الحق والشعار. (..) وهاي الغنية فاتت ع كل البيوت. (...) المزاج اللبناني جاهز للتصنيف. الأغنية مش هيك. الأغنية بتعيش بقدر ما بتحمل بطياتها وبجوهرها عناصر إنسانية أولاً وفنية تانيًا وجمالية تالتًا. إذا أنا عامل غنية برسم علتان وساقطة فنيًا، مين بيحكي عنها؟ (..) قلت يا حبيب الروح، روح شوف مستقبلك. «يا حبيب الروح» يعني هيدا الخضرجي اللي بشوفه تحت بيتنا. عم قول (يا حبيب الروح) لحفيدي، عم قول ليللي رايح جايي عالبلكون عم يدرس للبريفيه. عم قول ليللي تهمَّش بالحرب.
في مقابلته مع سحر مندور في السفير يشرح: لا بد من التمييز بين مستويَيْ إنتاج: المستوى الشخصي الذي يمكن أن يتقاطع مع خط المؤسسة كـ«صوتك» التي ألفتها لـ«صوت الشعب»، والمستوى الذي يخلق المشكلة مع المؤسسة، ولا يتقاطع فيه التوجه مع رأس المال، لأنني «شغيل عند العالم». المقابلة نفسها مع سحر مندور في عدد السفير الصادر في 27 أيار 1999.
ويعود لمناقشة أغنية «البلد ماشي» التي أثارت كتابات نقدية في الصحف: أنا أتمنى أن يكون البلد ماشي، ولكن، لم يكلف أحد نفسه عناء مراقبة الفيلم المصور الخاص بالأغنية، وهو في الواقع، فيلم لا يروق لمنتجيه إذ إنه يقدم خمسة صيادين عاطلين عن العمل، ممّا يفتح حوارًا بين النص المباشر والصورة التي تعبّر عن... العكس! المقابلة نفسها مع سحر مندور في عدد السفير الصادر في 27 أيار 1999.
موقف أحمد قعبور في الدفاع عن أعماله الفنية، واستقلاليتها عن السياق والتعليقات المرحلية، لا يمنعه من إعلان موقفه السياسي الداعم لرفيق الحريري لعروبته، ودعمه للمقاومة، ومشاريع التنمية التي حققها. في المقابلة نفسها مع ماتيلدا فرج الله في 2009.
هذا الموقف لم يثنِ قعبور عن اتخاذ مواقف سياسية مفترقة أو متقاطعة مع مواقف التلفزيون. ففي العام 1995، في ظل ترؤس رفيق الحريري للحكومة، سيشارك مع 34 فناناً في توقيع بيان يعارض تعديل المادة 49 من الدستور للتمديد لرئيس الجمهورية آنذاك الياس الهراوي، ويدعو لانتخابات ديموقراطية. بين الموقّعين على البيان زياد الرحباني وربيع مروة وجلال خوري وبول مطر وريمون جبارة ورفيق علي أحمد... وفي العام 2005، سيؤيد 14 آذار كحركة استقلالية من دون أن ينزلق إلى مواقف عنصرية انتشرت شعبيًا وسياسيًا حينها، بل وضع الحدث ضمن سياق التحرر العربي من الاستبداد، معتمدًا موقف صديقه سمير قصير الذي كتب إنَّ ربيع العرب حينما يزهر في بيروت، إنّما يعلن أوان الورد في دمشق. أما في العام 2011، فسيؤِّيد الثورات العربية، من المبدأ نفسه. وفي العام 2016، سيلتحق مرشحًا في لائحة «بيروت مدينتي» في الانتخابات البلدية قبالة «لائحة البيارتة» التي دعمها تيار المستقبل. وفي العام 2019، سيكون مع المتظاهرين في ساحات بيروت والمناطق كجزء من انتفاضة 17 تشرين.
عن بيروت التي صنعها
لكن كيف صنع قعبور بيروته؟
رغم بنائه على تجربته الغنائية مع عبيدو باشا في الثمانينيات في أغانٍ مثل «ردّوا المراكب» ألبوم «نحنا الناس» (1995). التي كتبها بنفسه، و«يا حرش بيروت» ألبوم «نحنا الناس» (1995). (كتبها عبيدو باشا)، «يا بيروت/ وبيلبقلك» صدرت الأغنية ضمن ألبوم «بدي غني للناس» (2009) وأعاد قعبور إصدارها ضمن ألبوم «رمضانيات» (2011). (كتبها عبد الغني طليس)، فإنَّ السمة العامة لأغنيات قعبور في التسعينيات وما بعدها تركِّز على عالم المدينة اليومي، بشعرية فائفة وكلام بسيط ولطف عارم في المعنى.
في ألبومه «نحنا الناس» (1995)، يستعين بالشاعر محمد العبدالله الذي نظم له أغنية «شو بعاد» عن البلاد المحترقة، في ثلاث أغنيات تركِّز على اليومي. في «شفت العصافير» مجرد تحديق في حركة العصافير التي لا تترك المدينة، وفي «لو» يركِّز شعر العبدالله على الناس الذين ينهمكون في عملهم اليومي من دون أن يفارقهم الشعور بانعدام اليقين. أما في الأغنية الأشهر «نحنا الناس»، فإنَّ قعبور يستعيد مع العبدالله فكرة أنَّ المدينة يملكها سكانها حتى يصيروا مجازًا لفصولها المتعاقبة: شوارع المدينة مش لحدا/ شوارع المدينة لكل الناس/ رصيف البحر مش لحدا/ رصيف البحر لكل الناس/ نحنا الناس/ نحنا شجر الشوارع/ نحنا الربيع/ نحنا الصيف/ نحنا الشتي/ ونحنا الخريف.
وهي الشوارع نفسها التي سيذكرها قعبور في أغنيته «ناديني ولا تناديني» التي تحدث عنها في مقابلاته منذ الثمانينيات وضمّها لاحقًا لألبومه «لما تغيبي» (2019). في الأغنية إنذار عن الخوف الذي يعيش سكان المدينة على إيقاعه من دون التصريح به: بشوارع المدينة/ في ناس مغمضين/ ما بيمشوا إلا دغري/ أوادم مساكين/ بشوارع المدينة في ناس وخيفانين/ بيخافوا حتى يقولوا يا عمي خيفانين/ بشوارع المدينة في مدينة عم تموت/ ما بتشبه أي مدينة/ وما بتشبهك بيروت.
في ألبوم «صوتن عالي» (2002) الصادر بعد تحرير الجنوب، والذي أفرد قعبور فيه مساحة وازنة لأغاني التحرير، تضمّن الألبوم أغنية «قانا» التي كتبها طلال حيدر، واستعادة لـ«والله وطلعناهم برة» من مسرحية «بنسيون الست نعيمة» التي كتبها قعبور بالتشارك مع أسامة العارف، و«صوتن عالي» التي كتبها زاهي وهبي. تمتدّ بيروت لتصير بلدًا كاملًا، هي المناطق المشرفة عليها لحظة الصباح والتي لا تخجل من إحساسها الإيماني والروحي البسيط (صبحك صباحك يا فتّاح/ ناس البلد يا ربي مناح/ إمي وأبي ربّوا الولد/ (كبر الولد)/ قالوا البلد حلو البلد... بالصبحيات).
بلد في مدينة ومدينة في بلد. وهو البلد نفسه الذي سيصله قعبور بالناس في أغنيته الجميلة «حبيبي» صدرت في ألبوم «صوتن عالي» (2002)، لكنَّها عرضت أيضًا ضمن سلسلسة أغنيات تلفزيون المستقيل. (أصل الرقص قلوب الناس/ وأصل المغنى صوات الناس/ وأصل الفن وجوه الناس/ نحنا ناس... أحلى ناس/ حبيبي ناس، والناس حبيبي/ والناس للناس... يا حبيبي)، أو في «موشح البلد» صدرت في ألبوم «صوتن عالي» (2002). الذي يدعو فيه الناس للغناء للبلد (غنوله ادعوله ما تنسوه/ يا ناس قوموا حيّوه).
هذه النظرة التحتية لبيروت والرائية لناسها، لا تنزلق إلى حنين يعطِّل العبور للمستقبل، ولا تصير هوية مناطقية سياسية ضيقة، بل هي المكان الذي يحوي كل الوافدين من المناطق الأخرى واللاجئين والناس الذين يلتقيهم قعبور في الشوارع. في أغنيته «شو بدك» صدرت للمرة الأولى في العام 2002 كفيديو كليب علي تلفزيون المستقبل بصوت عباس شاهين، قبل أن يعيد قعبور تضمينها في ألبوم «بدي غني للناس» (2009). تتسع بيروت للجميع عندما تقدر، وعندما تضيق تتحول إلى «بوسة على الخد»، أما عندما يضيعها ساكنها وتاركها فـ«دغري بتلاقيها حدّك».
وبيروت قعبور مكان لا ينسى علاقته التاريخية بالقضية الفلسطينية وبالوافدين إليها والمستقرين والعابرين فيها من مناطق الأطراف. ولهؤلاء الناس سيعيد كتابة وغناء أغنية ميشال برجيه: بدي غني للناس/ يللي ما عندهم وناس (..) وبدي غني لبلاد / أهلها صاروا بغير بلاد، ويهديها إلى صديقه الشهيد سمير قصير، الذي اشترك معه في حب بيروت وسوريا وفلسطين. Michel Berger - Chanter pour ceux qui sont loin de chez eux
إنها بيروت التي تتسع لعتابه، لكنه عتاب ممزوج بالحب والأمل الدافق، كما في أغنيته الأخيرة «أنا ما عندي مينا»، وكما في في إحدى أغنياته المكتوبة التي كتبها بعد انفجار مرفأ بيروت والتي لم تصدر مغناة بعد:
ومنسأل يا بيروت/ وينك دخلك شو صار؟/ ليش حصانك مربوط؟/ قومي نكفي المشوار/ إنت بمرمى إيدينا/ ومِنْنَادي يا بيروت/ يا بيوتك تبقى من أحلى بيوت/ يا شطوطك وينيي يا بيروت/ يا خير الصيادين صنوبر حوله محبين/ والهيئة صرلو سنين على قمرك ناوي الحوت/ منقلك يا بيروت/ يا إم وأحلى ست/ طير الحرية إن طار على كتفك بدو يحط/ ومِنْنَادي يا بيروت قوليلي وين الشط/ مش سامع فقش الموج مين اللي شال وحط/ ومنسأل بيروت…
وبيروت الغنائية عند قعبور تتّصل بالماضي، وترنو إلى المستقبل. في العام 2011، سيُصدر ألبومًا كاملًا يعيد فيه غناء أغنيات لعمر الزعني كانت قد انتشرت في المجال العام بين العامَيْن 1920 و1950 برؤية تلحينية وتوزيعية جديدة. ألبوم «أحمد قعبور يغني عمر الزعني»، الذي صدر في العام 2011. وكان قعبور قد أعلن عن اهتمامه وإعجابه بإرث الزعني الغنائي في مقابلاته الصحافية منذ الثمانينيات. لكنَّ استعادة عمر الزعني لا تمنع قعبور من الرد عليه في أغنية «بيروت زهرة» (2016) التي يبدأها بالتصريح «مش رح قول يا ضيعانك يا بيروت» في استرجاع لجملة الزعني في أغنيته الشهيرة. أعاد قعبور إصدار الأغنية في ألبومه «لما تغيبي» (2019). تُوجّه أغنية قعبور هذه، التحية لفنانين بيروتيين، أو تركوا أثرًا في العالم الفني والثقافي لبيروت خاصةً والبلد عامةً، وتفرد تحية غنائية خاصة لتوفيق الباشا عبر استعادة أغنيته لسعاد محمد «أجمل سلام».
ومن ضمن الفنانين الذين تحييهم الأغنية محمد شامل، صانع الأعمال الدرامية في ذاكرة التلفزيون والإذاعة، وأشهرها «الدنيا هيك». وعلى إرث «الدنيا هيك» نفسه، يتكئ عمل قعبور التلفزيوني الدرامي الشهير «حلونجي يا اسماعيل» (1996-1998) الذي كتبه مشتركًا مع فائق حميصي ومثَّل الدورين الرئيسيين فيه عايدة صبرا وعباس شاهين. «حلونجي يا اسماعيل» هو مثال عن توسُّع صناعة بيروت عند قعبور من الأغنية إلى الدراما. يُعلي المسلسل من مكانة اللكنة البيروتية ولا يخجل بها أو يجعلها موضوع تندّر، بعكس المعروف في المسلسلات والبرامج اللبنانية. أما الشخصيات، فهي من الطبقة الوسطى وما دونها (الحلونجي وزوجة العم الداعمة، والفران الذي يقول كلمات قليلة، والرجل العجوز الذي لا يترك غرفته بينما نداءه وطلباته لا تتوقف). ويستعيد قعبور بعضاً من شخصيات فرقة الطرابيش من سلسلة أغاني «لعيونك». أما مدخل المسلسل وخروجه، فأغنية قعبورية «درامية» بقيت في الذاكرة. تذكِّر الأغنية أيضًا بمقدمة مسلسل «الدنيا هيك» الموسيقية التي لحنها توفيق الباشا التي تقدَّم فيها شخصيات المسلسل وعنوانه. عند عرضه، جذب المسلسل الكبار والصغار، وشكَّل ظاهرة رمضانية بيروتية امتدَّت على موسمين رمضانيَّيْن. امتد عرض المسلسل على موسمين (موسم رمضان 1996، وموسم رمضان 1998) بإخراج من نزار رمضان للجزء الأول وأسد فولادكار للجزء الثاني.
عالمه السحري مع الأطفال
لا يمكن تجاهل تجربة قعبور الغزيرة كمَّا في مسرح الأطفال. فما بدأه مع فرقة السنابل وغازي مكداشي، سيواصله في التسعينيات مع فائق حميصي والفرقة اللبنانية للدمى (إشراف: طارق شومان)، المعروف من أعمال قعبور مع الفرقة اللبنانية للدمى: مسرحيات «الطنبوري لابس… حافي» (1992)، «شو صار بكفر منخار؟» (1993)، و«نملة عالسطر» (1994). ومسرح الدمى اللبناني (إشراف: كريم دكروب). المعروف من أعمال قعبور مع مسرح الدمي اللبناني: مسرحيات «شتي يا دنيا صيصان» (1996)، «يللا ينام مرجان» (1997)، «كراكيب» (2004)، «ألف وردة ووردة» (2005)، «بيتك يا ستي» (2006)، «يا قمر ضوي عالناس» (2015)، «فراس العطاس» (2020).
في العام 1992، سيشارك في تلحين عمل الفرقة اللبنانية للدمى «الطنبوري لابس... حافي» التي أخرجها فائق حميصي ووضع السينوغرافيا وإخراج الدمى لها كريم دكروب. «الطنبوري...» هو عمل الفرقة اللبنانية للدمى الثالث بإشراف طارق شومان في الطنبوري، القصة مستوحاة من إيمائية الدكتور فاروق سعد الهزلية «صعود مداس الطنبوري وسقوطه». بعد الاعتماد على قصص عالمية في المسرحيتين الأوليين (حكاية سندريلا في «ملك الحكايات»، وحكاية بينوكيو في «بينوكيو خالو») والتعاون فيهما مع فنانين من مسرح «كراسنادار» الروسي.
يتحول قعبور في عمله الغنائي في مسرح الأطفال. ينساق صوته في مسارات تفرضها الحاجة الفنية المسرحية. في «الطنبوري..»، ينقلب صوته لصوت الخياط العجوز مكوك، أو يتقمص أصوات «سبابيط» السلطان المصابة بالزكام. في «شو صار بكفر منخار؟» (1993) للفرقة اللبنانية للدمي، يحوِّل صوته لصوت الست نفنافة العجوزة بلكنتها البيروتية التي تشكو اختفاء أنف ابنها، ولصوت الشامبليون الذي يعشق لعبة الباسكت بول.
هذه الاستعارات الصوتية تأتي من قلب دراما المسرحيات، بل إنها غالبًا ما توفِّر الايقاع الموسيقي للحركة والإخراج على المسرح. فقعبور فاهم تمامًا لموقع الأغنية في المسرح أولًا، ومسرح الأطفال ثانيًا.
في مقابلة مع عبيدو باشا في السفير، يوافق مؤسس مسرح الدمى اللبناني كريم دكروب على ملاحظة باشا أنَّ الأغنية في «مسرح الدمى اللبناني» ذات حضور قوي مكثف، وتتخطى النص في أوقات كثيرة. ويحيل دكروب قوة هذا الحضور إلى حضور أحمد قعبور نفسه، الذي يعتمد عليه كثيرًا في مسرحه. يذكر دكروب بتجربة فرقة السنابل في المسرح الغنائي التي كانت ملهمةً له منذ صغره، ويجزم أنه لولا وجود أحمد قعبور لكان من الممكن أن تتخذ أعمالنا وجهة أخرى أو مسارًا آخر. عدد السفير الصادر في 10 حزيران 1998.
تجربة قعبور التلحينية في مسرح الأطفال مطواعة. فهو لا يلتزم بأسلوب واحد في التلحين من أغنية لأخرى وحتى داخل الأغنية نفسها. بل يأخد بالاعتبار الموضوع القصصي، وطريقة محكى الشخصية وموقع الأغنية في المسرحية ودورها في التحضير للعقدة، أو في دفع القصة أو في عرضها للذروة الدرامية. المقدمة الموسيقية لـ«شو صار بكفر منخار؟» تشكِّل ركيزة أساسية لمزاج المسرحية الموسيقي والقصصي. أما «بيوت بيوت»، فلحن يوحي في بدايته بزحام المدينة قبل أن ينقلب في مسار تطريبي (في مقطع «شبابيكا عالعالي آه..»)، وينتهي بتسلط المشهد الدرامي على اللحن مع رمي سطل الزبالة الأول بالتوازي مع التدخلات الكلامية لقعبور. انقلاب شبيه ولكن معاكس يحدث في أغنية «سرقوا صباط السلطان» في «الطنبوري..»، حيث تبدأ الأغنية بمسار تلحيني يرتكز على طارئية الحدث (سرقة الصباط) قبل أن يريِّح قعبور اللحن بمسار شرقي في المقطع النادب «سرقوا صباط السلطان يا حرام يا حرام»، قبل أن يكرر من جديد بداية اللحن. في الأغنية الرئيسية يمسرحية «كله من الزيبق» (1994) لفائق حميصي، يبدأ قعبور الأغنية بمزاج موسيقي يحيل إلى الوحدة والأسى التي تعاني منها الشخصية قبل أن يريِّح اللحن من جديد بمقطع من قلب قاموسه اللحني المعروف هو «كل الناس والناس هني الناس/ حلوين الناس/ بس..»، وبعد الـ«بس..» هذه، ينقلب اللحن كليًا ليواكب مأساة الشخصية التي يلقى باللوم عليها عن كل شيء حدث. أما الأغنية العجيبة لأم عيون في «كله من الزيبق» (1994) لفائق حميصي، فتوفِّر الدخلة الملائمة للشخصية الشريرة أم عيون ولا يمكن تصوُّر الشخصية المسرحية من دونها.
يكتب فائق حميصي عن إسهامات قعبور في مسرح الأطفال: كان يمكن أن تضع بين يديه كلمات جامدة فيعيدها لك عالمًا سحريًا. ستاتوس كتبه فائق حميصي على حسابه على فايسبوك بعد وفاة قعبور. فالمستمع لأغنيات قعبور المسرحية للأطفال لا يمكنه إلا أن يلاحظ شغف قعبور بهذا العالم وهو شغف لا يخفيه، بل يرمي مفتاحه في واحدة من أجمل أغنياته التي كتبها: كل الأطفال أمرا، كلهم ملوك/ كل الأطفال شعرا، لما يحكوك/ وأحلى من العالم، بيرسموا العالم/ وع قلب عالمهم بتفوت، وما بيسألوك/ مع إنن أمرا وشعرا وملوك. أعاد قعبور توزيع الأغنية وتضمينها في ألبومه «لما تغيبي» (2019) بعد ظهورها الأول في ألبوم «نحنا الناس» (1995).
من أقصى الحزن إلى أقصى الفرح
بقي قعبور يغني أغانيه الأولى في حفلاته الأخيرة، أحيانًا بتوزيعها القديم، وأحيانًا يعيد طرحها بتوزيعات جديدة في ألبومات لاحقة. لم يتنكر لها، لكنه لم يستخدمها في مسرى الحنين. كان يتعامل معها كضرورة فنية وسياسية في زمن المحاولات الجديدة القديمة لتصفية القضية الفلسطينية التي لم يتوقف التزامه بها، رغم الاستقطاب اللبناني حولها، واستتباعاتهما الطائفية والجماعاتية. وهو إذ كان يفعل ذلك لم يكن يخجل من التنبيه لضرورة توضيب البيت الفلسطيني، والضرورة الملحة دائمًا للديموقراطية في البلدان العربية.
لم يفارق قعبور فلسطينه، ولا بيروته، ولا بلاده العربية التي ودّها أن تتحرَّر لتُحرِّر. كان يموضع الخاص دائمًا داخل العام، من يد لينا التي سقطت إلى عيني الحاجة فطوم أمه التي تنتظر الداخل من الباب بعيد الاجتياح الإسرائيلي. فعل ذلك بلطف الجار للجار، والمُحبّ للناس الذي يعيش بينهم، وبتجربة الذي عبر من النكسة إلى الاجتياح إلى المقاومة الوطنية إلى زمن السلم الأهلي بتحريره ومعاركه الداخلية واغتيالاته. فعل ذلك واعيًا بتكرار تحول الانتصارات إلى هزائم ومشاريع داخلية ضيقة، تحوُّلٌ دائمًا ما أحزنه، ولم يمكن له إلا تجاوزه الدائم للعبور نحو المستقبل، فكما قال لمحمد سويد عند إطلاق شريطه الغنائي «حب»: (...) ليس بالإمكان معرفة نشوة الانتصار ما لم تصل إلى قلب الهزيمة. الفرح لا يأتي إلا من أقصى الحزن، وبالتالي فالأغنية لا تولد خارج هذا الإحساس.
بانتظار صدور أغاني قعبور الأخيرة، يخسر الأطفال صانع مخيال طفولتهم بالموسيقى، ويحنُّ الكبار منهم إلى عوالمهم الأولى عندما جلسوا ينتظرون فتح الستارة في المسرح. يفتقد الرفاق القدامى رفيقًا لم يجمِّل الواقع ولم يتنكَّر للخيبات والهزائم بل حاول تجاوزها دائمًا نحو المستقبل بنظرة واقعية للسياق السياسي المرحلي وللتاريخ اللبناني القريب والبعيد في آن، من دون أن يساوم في قيم الحرية والديموقراطية. برحيل قعبور، تخسر فلسطين فنانها الذي لم يطأها بقدميه، ويتذكر جبل عامل لقعبور أغنية «اسمه جبل عامل» التي كتبها عصام العبدالله وصدرت في ألبومه «لما تغيبي» (2019). المفرَّغ عنوةً من الحياة فنانًا لم يبتلعه الاستقطاب اللبناني الضيق في «بلد الفرص الضائعة». العبارة لقعبور نفسه في أكثر من مقابلة.
وعلى أنغام أغنياته، تكمل بيروته في مقارعة التنّين في خليجها.