تعليق مونديال 2026
زياد ماجد

أسوأ ظرف لكأس عالم 

«ومع ذلك فهي تدور»

9 حزيران 2026

تنطلق في 11 حزيران في المكسيك مسابقة كأس العالم لكرة القدم، في نسختها الثالثة والعشرين، بعد 96 عاماً من انطلاق النسخة الأولى في الأوروغواي العام 1930 (علماً أن نسختين أُلغيتا في العامين 1942 و1946 بسبب الحرب العالمية الثانية).

وتستضيف دول أميركا الشمالية الثلاث المسابقة المقبلة، وهي الأوسع لجهة عدد المنتخبات، إذ ارتفع العدد من 32 منتخباً وطنياً الى 48، وبالتالي لجهة عدد المباريات التي صارت 104 بعد أن كانت 64. كما أنها الأوسع لجهة عدد الملاعب التي ستحتضن المباريات في مدن الولايات المتحدة (11 ملعباً) وكندا (ملعبان) والمكسيك (3 ملاعب).

وإذ ادّعت الفيفا (الاتحاد الدولي للّعبة) أن رفع عدد المنتخبات هدفه زيادة تمثيل القارات وتشجيع انتشار اللعبة الأكثر شعبية في العالم، فإن الواضح أن الهدف اقتصاديٌ وإعلامي وانتخابي داخلي، وهو سيؤثّر بلا شك على مستوى المسابقة، نظراً للتفاوت الكبير في الإمكانيات بين عدد من المنتخبات التي ستتواجه في الدور الأول.

كأس ترامب وإنفانتينو

يمكن القول إن المسابقةَ هذه تجري في لحظة يشهد فيها العالم حروباً لم يسبق أن عرف ما يماثلها توحّشاً منذ عقود. وهي حروب تنخرط الولايات المتحدة، الدولة التي سيُقام فيها ثلثا المباريات (78 مباراة)، في العديد منها مباشرةً أو عبر التسليح أو العمليات الخاصة. وعلاقتها السياسية والاقتصادية مضطربة مع شريكتيها في التنظيم، كندا والمكسيك (تُقام 13 مباراة في كلّ منهما)، ومتوتّرة مع معظم الدول الأوروبية المشاركة. وستكون على الأرجح الدولة الأولى المستضيفة في تاريخ كؤوس العالم التي تمتنع عن منح تأشيرات دخول لآلاف المشجّعين، ولعشرات الأفراد من الأجهزة الفنية والتدريبية والصحافية المرافقة لـ15 منتخباً آسيوياً وأفريقياً وأميركياً جنوبياً. ومن المتوقّع أن تضع العوائق أمام إقامة البعثة الإيرانية وتنقّلاتها، في ظلّ حربها على طهران التي لن تنتهي تبعاتها، حتى لو وقّع الطرفان اتفاقاً قبل انطلاق «المونديال».

ويُعوّل رئيس الفيفا جياني إنفانتينو، المقرّب شخصياً من دونالد ترامب والمانح إياه قبل أشهر جائزة عجائبية اسمها «جائزة السلام»، على كأس العالم 2026 لمراكمة أرباح طائلة للفيفا، بسبب حجم الأموال التي سيدرّها النقل التلفزيوني والإعلانات حول العالم وأنشطة الرعاية في كل من البلدان الثلاثة. وهو وافق على بيع بطاقات باهظة الثمن، خاصة في عدد من الملاعب الأميركية، بحجّة أن الأسعار مرتفعة أصلاً هناك خلال الأحداث الرياضية الكبرى. ونتحدّث هنا عن أسعار تتجاوز رسمياً 2500 دولار للبطاقة الواحدة وتصل في السوق السوداء إلى بضعة آلاف (وأحياناً الى عشرات الآلاف). ولم تعرض الفيفا سوى أعداد قليلة منها بأسعار تتجاوز الـ100 دولار، في تسعيرات تجعل المدرّجات حكراً على طبقات اجتماعية ميسورة أو ثريّة. وإنفانتينو، المقيم بين سويسرا وقطر والولايات المتحدة، يُعوّل أيضاً على إرضاء الاتحادات القارية عبر توسيع أعداد المنتخبات المشاركة منها، بهدف تأكيد إعادة انتخابه لولاية رابعة العام 2027، علماً أنه على رأس الفيفا منذ العام 2016. وسبق له أن استبعد روسيا من جميع المسابقات بسبب هجومها على أوكرانيا العام 2022، لكنه رفض استبعاد إسرائيل من أي مسابقة، رغم حرب الإبادة في غزة، بحجة رفض إقحام السياسة في الرياضة. 

ويُخشى أن تشهد مسابقة الكأس هذا العام حملات للشرطة وأجهزة «آيس» على التجمّعات في الولايات المتحدة التي تضمّ مهاجرين وسيّاحاً، عادةً ما يجوبون الشوارع والحانات المحيطة بالملاعب في كرنفالات ملوّنة احتفالاً بمنتخبات بلادهم، بهدف اعتقالهم وترحيلهم إن تبيّن أنهم «غير شرعيّين» أو حاملو إقاماتٍ مؤقّتة تَأخّر تجديدُها. وتُحذّر منظمات حقوق إنسان أميركية ودولية من خطورة أن تتحوّل مناسبة بهجة واحتفاء بالرياضة والتنوّع والثقافات، إلى مناسبة تعبئة لشرطة الهجرة ولحملات العنصرية والشعارات القومية النابذة لقيم التسامح والانفتاح، بما يُشوّه الحدث الكوني الأبرز على مدى شهر كامل.

وقد برزت في العديد من الأوساط الحقوقية العالمية دعوات لمقاطعة الكأس لهذه الأسباب، ولمنع استفادة ترامب وإنفانتينو منها، خاصة أنه يُتوقّع أن يحضر ترامب مباريات منتخب بلاده، والمباراة النهائية التي قد يسلّم فيها شخصياً الكأس للمنتخب الفائز. وسبق أن فعل ذلك بعد نهائي كأس العالم للأندية الذي أقيم في الولايات المتحدة الصيف الماضي، وألزم لاعبي نادي تشلسي الإنكليزي بالاحتفال وأخذ الصور الرسمية بصحبته، وهو ما أثار يومها سخط عدد منهم، عبّروا عن غيظهم من بقائه معهم حتى آخر لحظة. 

البيئة والمسافات والصمت الأوروبي

يُضاف إلى كل ما ذُكر من عناصر غير رياضية عنصرٌ آخر هو عنصر البيئة المسكوت عنه من قبل الهيئات التي سبق أن أثارته العام 2022 خلال كأس العالم في قطر. ذلك أن ما أُخذ على التنظيم وقتها كان أمر استغلال العمّال الأجانب، وهو مُحقّ، وأمر التلويث أو الانتهاك البيئي بسبب التكييف في الملاعب والفنادق ووسائل النقل، وهو مبالغ به إذ صدر عن جهات لا تُثير مثلاً أمر تدفئة مياه عشرات آلاف المسابح المغلقة في أوروبا وأميركا الشمالية خلال فصلَي الخريف والشتاء، هذا إن لم نتحدّث عن التكييف اليومي لجميع المنشآت الرياضية في الربيع والصيف الأميركيين. واليوم، تستعدّ ثلاثة بلدان شاسعة الحجم (تفوق مجتمعةً حجم قطر بـ1830 مرة) لاستقبال عشرات آلاف الأشخاص ممّن سينضمّون لمئات الآلاف الآخرين. وسيسافر كثر منهم بالطائرات من مدينة إلى أخرى، وسيستخدمون الفنادق والسيارات ومرافق الاستراحات، بما يزيد بأضعاف من بعث ثاني أوكسيد الكاربون ويفاقم التلويث الخطير للبيئة.


مع كلّ ذلك، لا يغيّر ما ورد في حقيقة أن مليارات البشر ينتظرون انطلاق كأس العالم مساء الخميس في 11 حزيران في مباراةٍ ستجمع المكسيك وجنوب أفريقيا. ولا شكّ أن أنظارهم ستتّجه الى ملاعب أميركا الشمالية على مدى خمسة أسابيع. فكُرة القدم، رغم سوء أحوال البلدان وسوء قادتها واتحاداتها حيث تُقام أحياناً مسابقاتها، «تظلّ تدور»، ومثلها الأرض (على ما قال غاليلي يوماً) والأيام والأماني والخيبات الصغرى والكبرى.

آخر الأخبار

مواد إضافيّة
سموتريش ممنوع من دخول فرنسا
العنصريّة الأميركيّة تغزو المونديال
09-06-2026
تقرير
العنصريّة الأميركيّة تغزو المونديال
لماذا علّقت محكمة الجنايات الدولية مهامّ كريم خان؟
09-06-2026
تقرير
لماذا علّقت محكمة الجنايات الدولية مهامّ كريم خان؟
$69,200,000,000 أنفقتها أميركا على الأسلحة النووية في 2025
حصيلة محدثة في لبنان: 3,666 شهيداً، 11,321 جريحاً
بعد حملة مقاطعة، انسحاب مخرج إسرائيلي من مهرجان السينما في مارسيليا