تعليق الحرب الأهلية
كريستيل خضر

الذكرى الخمسون لمجزرة تلّ الزعتر

«مهزومو التاريخ» وعدالة الحاضر

13 آب 2026

ذكرى مجزرة

أسّست رابطة جمعيّات الصليب الأحمر مخيّم تلّ الزعتر عام 1949 على قطعة أرض مساحتها خمسة كيلوميترات مربّعة تابعة لملكية خاصّة استُخدمت خلال الحرب العالمية الثانية كمعسكر للجيش البريطاني. سكنه حينها ألفا لاجئ فلسطيني هجّرتهم الميليشيات الصهيونية من قرى سهل الحولة وبلدة الخالصة وجوار صفد ويافا وحيفا، ووصل عدد سكّانه عام 1975 إلى حوالي ثلاثين ألف نسمة من لاجئين فلسطينيين من مخيّمات أخرى وعمّال سوريين من حوران والجولان وعوائل لبنانيّة جنوبيّة. استقطب المخيّم هذا العدد من السكان بسبب المصانع التي شيّدت حوله للاستفادة من اليد العاملة الرخيصة، على غرار ما كان يحدث في حزام الفقر المحيط في أحياء المسلخ والكرنتينا والنبعة. لبنان الخمسينيات والستينيات الذي لا يزال البعض يتباهى باقتناع ساذج بازدهار اقتصاده، هو بالحقيقة موصوم بدماء فقراء لم يملكوا حتّى الحقّ بالعمل. 

اختفى المخيّم بعد سبعة وعشرين عامًا من تأسيسه ليصبح أرضًا بورًا مطوّقة بالمصانع، يمرّ بمحاذاتها يوميًا آلاف السائقين الداخلين إلى بيروت من الجهة الشرقية. 

تعود الذكرى الخمسون لمجزرة تلّ الزعتر إلى يومياتنا المهزومة تحت وطأة الطائرات المسيّرة الإسرائيلية فوق بيروت وضاحيتها الجنوبيّة، وفي ظل التنكيل بأهل الجنوب وأرضهم والإبادة الجماعية الجارية أمام أعيننا في غزّة. بعيدًا عن التعاطف المجرّد من أي مضمون سياسي، فاستذكار أهالي تلّ الزعتر، الأحياء منهم والأموات، هو دينٌ علينا، ومدخل لترميم ماضٍ ما زال يُكتب في سلسلة الكوارث التي تحلّ بنا وبهم. ولأنّنا لم نواجه ركام أمسنا، أصبحنا محكومين بركام يتساقط يوميًا فوق رؤوسنا. نحن نذكرهم وهم يذكرون أمواتهم، هم الناجين من المجزرة، من يسمّيهم والتر بنيامين في أطروحته «مهزومي التاريخ» الذين عصفت بهم «رياح التقدّم» إلى مستقبل بلا رحمة. 

هذا المستقبل ليس إلّا الحاضر الذي نسكنه معًا. 

مجازر برعايات دوليّة

الجريمة موثّقة في لاوعينا الجماعي، أيًّا كان انتماؤنا السياسي أو الطائفي، أو انتماء أهالينا الذين عايشوا المجزرة. فيكفي أن يُلفظ اسم «تلّ الزعتر» حتّى نستعيد قصّة أو اسمًا أو حادثة وقعت خلال الحصار، رواها لنا إمّا شخص من سكّان الأحياء المحاذية له، أي الدكوانة وسنّ الفيل والمنصوريّة أو شخص يعرف شخصًا يعرف شخصًا آخر كان من سكّان المخيّم، وكأنّ أهالي تلّ الزعتر أنفسهم لم يعودوا موجودين إلّا عبر هذه السلسلة من الحكايات الشفهية التي تغيّبهم عن هول مأساتهم وتسلب لنا حقّنا بمعرفة تاريخنا.

ولعلّ أبرز ما يغيَّب من هذا التاريخ أنّ اسم مخيّم تلّ الزعتر يرتبط أيضًا بمقتلة باص عين الرمّانة، التي أشعلت الحرب الأهلية. إذ أنّ ركّاب الباص كانوا من سكّان المخيم، فلسطينيين ولبنانيين، في طريق عودتهم إليه من احتفال للجبهة الشعبية. فأصبح المخيّم بعدها الذريعة والهدف في آن. وكان موقعه عشيّة اندلاع الحرب، أشبه بجسم غريب مزروع في غير مكانه مع تحوّله لبؤرة نزاعات مع الأحياء المجاورة، بفعل توسّع القدرات العسكرية للفصائل فيه. ومع تصاعد الخطاب التحريضي اليميني ضدّ الوجود الفلسطيني، تضاعف الضرر المنسوب إلى تلّ الزعتر، فبات يُنظر إليه في محيطه المسيحي كمعسكر لا كمخيّم لاجئين. وحين يتحوّل المخيّم في الخطاب السائد إلى معسكر يصبح كلّ من فيه هدفًا مشروعًا. وبهذه الطريقة، جُرّد آلاف المدنيين الفلسطينيين والسوريين واللبنانيين، الذين كانوا يعيشون أصلاً تحت خطّ الفقر، من إنسانيّتهم، بذريعة «تطهير» بيروت الشرقية من أيّ وجود فلسطيني. فالفقر الذي جمعهم تحت أكواخ الصفيح والمجارير المفتوحة على السماء هو نفسه ما جعلهم قابلين للتضحية بهم دون كلفة سياسية تُذكر. وينطبق الأمر نفسه على أهالي مخيّم جسر الباشا الذي سقط قبل أسابيع من تلّ الزعتر، والذي لم يشفع لهم انتماؤهم للطوائف المسيحية من نيل المصير نفسه. 

تُرك أهالي تلّ الزعتر عرضة للتجويع والعطش، خلال اثنين وخميس يومًا من الحصار بينما تتفاوض القوى المتنازعة على مصيرهم. وبالتالي يكون حصار مخيّم تلّ الزعتر ومجزرته امتدادًا للعنف الاستعماري الاسرائيلي. فصحيح أنّ من نفّذ الحصار هي ميليشيات حزبَي الكتائب والأحرار وتنظيم حرّاس الأرز، بحجّة القضاء على «سلاح متفلّت» خارج أيادي الدولة والادّعاء أنّ المخيّم خالٍ من المدنيين، مدجّج بالسلاح والأنفاق، إلّا أنّ من سهّل الحصار ووفّر له الغطاء الحربي هو الجيش السوري من جهة، بموافقة إسرائيلية أميركية، وحضور ضبّاط إسرائيليين ميدانيًا يوم المجزرة، من جهة أخرى. 

كسر الحصار

رافق حصار المخيّم عنفٌ آخر هو التعتيم الإعلاميّ. فقد مُنع الصحافيّون من دخول المخيّم المحاصر (ولكنّهم دُعوا إليه في 13 آب يوم إعلان «النصر»)، رغم أنّ الصحافة العالمية كانت تدرك حجم الجرائم المرتكبة ضدّ المدنيين منذ مجزرة الكرنتينا في بداية العام. لكنّ هذا لم يمنع بعض الأصوات من التنديد بالحصار، وقد أتت في مجملها من الحركات الأممية اليسارية حول العالم. ففي 16 حزيران 1976، أعلنت جريدة الحزب الشيوعي «لومانيتيه» موقفها الداعم للثورة الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية. وفي 9 تموز، وجّه كلّ من الحزب الشيوعي الإيطالي واتحاد نقابات العمّال الإيطالي، إلى جانب الحزب الاشتراكي الفرنسي (بقيادة فرانسوا ميتران آنذاك) والحزب الشيوعي الفرنسي، انتقادًا رسميًا للحكومة الفرنسية، بسبب سماحها لرئيس حزب الكتائب بشير الجميّل بشراء مروحيات وأسلحة فرنسية. ثمّ في 13 تموز، صدر بيان عن لجنة النساء السوفياتيّات، جاء فيه: آلاف الفلسطينيين واللبنانيين يُقتَلون ويُجرَحون نتيجة قصف مخيّمات جسر الباشا وتلّ الزعتر ومناطق أخرى. ومن الواضح أنّ الهدف هو إبادة الشعب الفلسطيني: نساء، رجالًا، شيوخًا، وأطفالًا. ومن البارز أيضًا أنّ مجلس الكنائس العالمي وقف مع سكّان المخيّم، إذ أطلق في بداية أيّام الحصار، نداءً عاجلًا لإخلاء الجرحى منه.

ووسط كلّ هذه الأصوات المندّدة، علا صوت المراسل الحربي السويدي أندش هاسلبوم الذي قلب المعطيات الصحفية حين سافر من ستوكهولم إلى بيروت على حسابه الخاص، بعدما قرأ خبرًا صغيرًا عن ممرضة سويدية مصابة داخل مخيّم تلّ الزعتر. الممرضة هي الأمميّة إيفا ستول، والتي كانت معروفة بالمخيّم باسم «سميرة»، وقد تطوّعت في مستوصف الجبهة الشعبية عام 1974 بمبادرة من الحزب الشيوعي الماركسي اللينيني الثوري السويدي، الذي كان يرسل أطبّاء وممرّضين متطوّعين إلى مخيّمَي عين الحلوة وتلّ الزعتر منذ أواخر الستينيات. إيفا أُصيبت في ساقها وذراعها، التي بُترت لاحقًا، حين سقطت قذيفة أودت بحياة زوجها يوسف حمد، مدير المعدّات الطبية في المخيّم، فيما كانت هي حاملًا في شهرها السادس وخسرت جنينها بعد أسابيع من وقوع الحادثة. استطاع أندش هاسلبوم بعد جهدٍ جهيد أن يتواصل معها لاسلكيًا من مكتب الجبهة الشعبية في منطقة الجامعة العربية، رغم أنّ القائمين عليه رفضوا في البداية السماح له بالاتصال بالممرضة عبر اللاسلكي بحجّة أنّ المخيّم محاصر وأنّ البطاريات مخصّصة فقط للعمليات العسكرية. وحين تمكّن أخيرًا من التحدّث معها، وكتابة مقاله ونَشرِه باللغة السويدية أوّلاً، تُرجم المقال وأعيد نشره في عدد من الصحف العالمية والمحليّة. وبذلك تكون إيفا ستول هي أوّل مدنيّة من داخل المخيّم المحاصر تتحدّث للصحافة، وبحسب شهادتها، بدأت أخبار تلّ الزعتر، بعد المقابلة، تذاع عبر أثير إذاعتي راديو مونتي كارلو وإذاعة لندن. وحين سمع الأهالي عبر الراديو أنّ العالم بدأ يعرف ماذا حلّ بهم، بدأوا يطلبون منها أن تروي ما يحدث: خلّيكي عايشة، كرمال تخبري، إنت بيصدّقوكي، نحنا ما حدا بيصدّقنا. 

ولا شكّ أنّ رئيس بعثة الصليب الأحمر الدولي في لبنان، السويسري جان هفلغر، لعب دورًا مفصليًا في إنقاذ أرواح المدنيين. فقد استطاعت بعثة الصليب الأحمر الدولي أن تدخل المخيّم للمرة الأولى في 23 تمّوز- أيّ بعد اثنين وثلاثين يومًا من الحصار- وحين خرجت البعثة أمام الكاميرات المتسمّرة على مدخل المخيّم، كان السؤال الأوّل من الصحافيين: هل الجرحى بالعشرات؟ أجاب هوفلغر بالنفي. مئات إذًا؟ فكان الجواب: الجرحى بالألوف. وبدأت عملية الإجلاء في 3 آب ودامت حتّى 6 آب وكان من المفترض يومها أن يسود وقف شامل لاطلاق النار على كلّ الأراضي اللبنانية، لكن حصل العكس تمامًا إثر إطلاق النار على بعثة الصليب الأحمر الدولي واستهداف القنّاصة الجرحى منقولين على الحمّالات بالرصاص الحيّ وعلى المدنيين المتجمهرين حول شاحنات الإجلاء. وبحسب الباحث محمّد داوود علي، في كتابه «مخيم تلّ الزعتر. وقائع المجزرة المنسية»، طلب الصليب الأحمر من القيادة الفلسطينية في 8 آب إجلاء جميع سكّان المخيم، لكن قبول القيادة الفلسطينية علنًا بمثل هذا الخيار لم يكن ممكنًا لاعتبارات تتعلق بالحسابات السياسية (...) وإعلان القبول بالحلّ الانساني– بعد خوض معركة عسكرية بالغة الشراسة– اعترافًا بالهزيمة أمام الخصم. وفي أرشيف الصليب الأحمر الدولي في جنيف وثائق محظورة عن الجمهور قبل مرور 50 عامًا على إصدارها، وفي حالة إجلاء جرحى تلّ الزعتر ثمّ بقيّة سكان المخيم يوم استسلامهم للميليشيات المسيحية (أي يوم المجزرة)، مدّدت اللجنة صلاحية الحظر تسعة أعوام أخرى، أي حتّى عام 2035، وهو ما يفسح المجال للتكهّن بأهمية، وربّما خطورة وحساسية، محتواها.

التوثيق في خضمّ الفاجعة

وتبقى الوثيقة الأهمّ المتاحة بين أيدينا اليوم هي «يوميّات طبيب في تلّ الزعتر»، للفلسطيني الدكتور يوسف العراقي، مدير الهلال الأحمر في مخيّم تلّ الزعتر، الذي دوّن يومياته على كلّ شيء كان بحوزته. وفي إصراره على الكتابة والتوثيق في خضمّ الفاجعة، ما يتجاوز مجرّد التسجيل التاريخي، ليصبح فعل مقاومة بحدّ ذاته: من صراخ المصابين بالغرغرينا، إلى أصوات الرشّاش احتفالاً بالسنة الجديدة، إلى أقراص العدس المجروش، إلى طوابير المياه وشهيداتها، إلى فنجان القهوة الوحيد الذي شربه في كلّ أيّام الحصار في عزاء، إلى علبة سجائر وجدها في سترته وكانت منسيّة منذ ما قبل الحصار، إلى سيجارة أخرى قدّمها له جان هفليغر في أوّل دخولٍ لبعثة الصليب الأحمر، التي كانت ممنوعة من إيصال أيّ نوع من المساعدات، حتّى قنينة مياه، إلى سيّارة أبونا بولس والراهبة ماجدة اللذَين كانا ينتقلان بين مخيّمَي تلّ الزعتر وجسر الباشا لتهريب المساعدات، إلى بكاء رجل يحمل ابنته الميتة لأنّها كانت تلعب أمام المنزل دون أن تدرك أن القنّاص يراها، إلى أصوات الهاون التي بدأت تُسمَع عند دخول الجيش السوري إلى لبنان، إلى تصفية ممرّضاته وممرّضيه يوم المجزرة أمام أعينه، إلى التحقيق الذي أجراه معه أمين الجميّل، إلى نجاته من الموت صدفةً...

لم يكن الطبيب الفلسطيني يُقيّم أيّ حدث بوصفه «مهمًّا بما يكفي» ليُسجَّل، أو «تافهًا» بحيث يُهمَل، بل سجّل كلّ شيء، لأنّه أدرك بغريزة الناجي أنّ التفاصيل الصغيرة هي أوّل ما يُطمس ويُنسى، كما طُمست ألفا حياة سقطت يوم المجزرة وحده، وجُرِّف المخيّم في الساعات الأولى لليوم التالي، لتصبح مجزرة تلّ الزعتر مجزرة بلا جثث.

نحن اليوم، ورثة هذه الحكاية، مؤتمنون على يومياتنا ويوميّات أرضنا المنكوبة. نسجّلها كفعل المقاومة الوحيد المتبقي بين يدينا، نرويها بتفاصيلها، لأنّ لا شيء ممّا يحدث لنا يُعتبر خسارة حتميّة للأجيال القادمة، حتّى لو عجزنا أحيانًا عن قراءة حاضرنا بكامله.

لذا نستدعي اليوم، تلّ الزعتر عاصمة الفقراء، عسانا نكفّ عن إنكار تاريخنا ونسكن حاضرنا بعدل.

آخر الأخبار

مواد إضافيّة
تعليق

الذكرى الخمسون لمجزرة تلّ الزعتر

كريستيل خضر
حدث اليوم - الأربعاء 12 آب 2026
12-08-2026
أخبار
حدث اليوم - الأربعاء 12 آب 2026
مختارات من الصحافة الإسرائيلية 12/8/2026
إسرائيل فعلت هذا
البرلمان أقرّ تعديلات «هيكلة المصارف»
دانون: الضفّة حقّنا التوراتي والتاريخي