قضية الأسبوع سجون
ميغافون ㅤ

تشويه العفو وطَعن التيّار به

متاجرة بالجيش وابتزاز بالسجناء

26 أيلول 2026

الموت المجّاني

في 12 آب 2026، أُقرّ قانون العفو العام بعد طول مماطلة وسجالات وتأجيل.
في 4 أيلول 2026، وقّع رئيس الجمهورية على القانون.
وفي 10 أيلول 2026، قرّر المجلس الدستوري وقف مفعوله، بعدما طعن نوّاب التيار الوطني الحر بالقانون.
في انتظار قرار المجلس الدستوري حول الطعن، بعد أسبوعين، عاد موضوع العفو العام إلى خانة التأجيل. قد يكون الوقت متوفّرًا، خارج السجن. لكن وراء جدرانه، يقاس الوقت بالموت. فمنذ إقرار القانون في مجلس النواب، توفّي خمسة مساجين بسبب ظروف السجن الرديئة؛ ومنذ قرار تعليق القانون، نُقِل ستّة سجناء إلى المستشفى بعد تدهور أوضاعهم الصحّية، نتيجة إضرابهم عن الطعام, اعتراضاً على الطعن. ويُضاف ذلك إلى «اكتشاف»، مصادفةً، انتشار مرض السلّ داخل الزنازين، بما يعكس الوضع الفعلي خلف القضبان، والإهمال المُنزَل على هذه الفئة.
لا يبدو اليوم أنَّ أحداً يُدافع عن وضع السجون، بل العكس ثمّة شبه إجماع سياسي بأنّ السجناء يعانون من ظلمٍ بات عمره عقود. وهذا ما يزيد من قسوة المشهد. أمام هذا الإجماع، لا تقدّم الطبقة السياسية سوى التأجيل والتلاعب والابتزاز، وكأنّها تقول للمساجين مظلوميّتكم لا وزن لها، وموتكم رخيص لا يستحقّ حتّى عناء تدبير إداري يسرّع المحاكمات.

ابتزاز جبران باسيل

جاء الطعن من قبل التيّار الوطني الحرّ، وبالتحديد زعيمه الباحث عن دورٍ له، كزعيمٍ لمعارضة غير موجودة إلّا في مخياله، بعدما حكمت هذه الجهة لبنان لسنوات، كانت من الأقسى على البلاد.

في مداخلة مصوّرة مع موسيقى دراماتيكية تحيط بكلامه، ذهب باسيل إلى ملعبه المفضّل، ملعب التخويف الشعبوي. هو يتحدّث برسم «كل عيلة، كل أم، كل ولد، كل طالب مدرسة»، مهدّدين اليوم، حسب كلامه، بإطلاق سراح 5,800 serial killers، كما سمّى نزلاء السجون، رغم أنّهم بغالبيّتهم ما زالوا ينتظرون محاكمتهم. في خفايا هذا التزوير لطبيعة السجناء، يحاول التيّار كسب بعضاً من شعبيّته المفقودة، من خلال «شيطنة» فئة جديدة، بعدما كان الرأس الحربي في شيطنة الطوائف الأخرى، بعد شيطنة اللاجئين السوريين، وانضمامه لماماً إلى حملات شيطنة الفلسطينيين أو حتّى مجتمع الميم-عين، والانتفاضة.

ها هو التيار الوطني الحرّ يجد فئةً أكثر تهميشًا بعد، لخوض معاركه الوهمية على ظهرها.

يتّفق كثر على أنّ قانون العفو العام تشوبه شوائب لا تُعدّ ولا تُحصى، ممّا عرضته «ميغافون» في افتتاحيات سابقة وما قدّمته المفكّرة القانونية بتاريخ 4 أيلول 2026، وصولاً إلى اعتراضات من مقالب سياسية أخرى. نص القانون هجين، ومع ذلك، لبّ المسألة ليس هنا. المشكلة أنّ ما يحرّك حملة التيار الوطني الحرّ ضدّ القانون، هو حسابات سياسية شعبوية ضيّقة، لا تهدف إلى إحقاق عدالة ما بقدر ما تبحث عن ترميم شعبية حزب ينهار، على حساب السجناء والحقّ العام على حدّ سواء.

ما يحرّك جبران باسيل اليوم هو استمراريّته السياسية، والتي تدفعه إلى حدّ المتاجرة بالمؤسّسة العسكرية ووضعها في وجه القانون، لإعادة إنتاج منظومة «الحرب على الإرهاب» في نكهتها المُمانِعة، والتي كانت السبب الأساسي لمشكلة الإسلاميين في السجون. 

ابتزاز نظام الفساد

هناك اعتراضات مشروعة على نص قانون العفو العام، اعتراضات في صيغة هذا القانون ومنطقه الشمولي، واعتراضات على مسار هذا القانون الذي أدخل ضمن نطاقه جرائم مالية وبيئية كان من المفترض أن تكون مستثناة منه. هنا يتّضح ابتزاز النظام لهذه القضية، ابتزازٌ تلطّى خلف أزمة السجون واللا-عدالة في ممارسات النظام القضائي، لتبييض صفحته القضائية. فكأنّ النظام وضع مجتمعه أمام ابتزاز جديد: إمّا استمرار حالة الموت البطيء لفئة من الشعب، أو تبييض صفحة جميع الجرائم التي ارتُكبت في العقود الأخيرة. وما يزيد هذا الوضع سوءًا هو أنّ قانون العفو العام لا يمسّ بأسباب هذا الاكتظاظ، ما سيؤدّي حتميًا إلى إعادة طرح المشكلة ذاتها بعد بضعة سنوات، ربّما مع الابتزاز ذاته لتبييض صفحات مُجرمي الطبقة الحاكمة المستقبليين وإعفائهم من الجرائم التي سوف يرتكبونها حينها.

السجناء أوّلًا

أمّا بعد؛ بعد خبث الطبقة الحاكمة تجاه القانون وبعد عراقيل باسيل وبعد الاعتراضات المحقّة على الصيغة الأخيرة للقانون، لا بدّ من العودة إلى أصل الموضوع وما أدّى إلى طرح قانون العفو العام: أزمة السجون. والأدقّ أنّها ليست «أزمة» بل جريمة مستمرّة، يستغلّها الجميع من أجل تمرير مكاسبهم الفئوية.

بين الاقتراح الأوّل لقانون العفو العام والنتيجة النهائية، يتجسّد ابتزاز النظام اللبناني الذي قرّر مقايضة حل لهذه الجريمة مع طَي صفحاته السوداء جميعًا. يمكن تلخيص الأنظمة بواقع سجونها، وواقع السجون اليوم الوجه الحقيقي للنظام اللبناني، هذا النظام الذي ينتج رهائن ليبتزّ المجتمع بهم، والذي لا يمانع بإطالة أمد جرائمه ريثما ينتهي البزار السياسي حول استغلالها. ولكن الأهم، هذا النظام الذي ينظر إلى سجناء يتوفّون يوميًا كورقة ضغط في حساباتٍ ضيّقة. 

لا بدّ من العودة إلى أصل الموضوع، إلى أزمة السجون، وإصدار عفو خاص بهم بأسرع وقت، لتحريرهم، ليس فقط من عملية الخطف المنظّمة التي تُدعى النظام القضائي اللبناني، بل أيضًا من بزار السياسيين القاتل.

آخر الأخبار

مواد إضافيّة
جمعية درب عكار توثّق أوّل «خُلد حقيقي» في لبنان
قضية الأسبوع

تشويه العفو وطَعن التيّار به

– ميغافون ㅤ
حدث اليوم - الجمعة 25 أيلول 2026
مارسيل غانم: الذكورية نفسها، مرّة أخرى
25-09-2026
تقرير
مارسيل غانم: الذكورية نفسها، مرّة أخرى
حرب نتنياهو ضدّ الجميع
25-09-2026
تقرير
حرب نتنياهو ضدّ الجميع
ما علاقة ابن المدعي العام المالي السابق بقضية «V Investment»؟