نقد ثورة تشرين
سونيلا موباي

دفاعاً عن الشتيمة

3 تشرين الثاني 2019

من يعرفني يعرف أنّي لم أولد في رحم اللغة العربية بل دخلتها ثقافةً ولغةً من التخوم حتى داخلتني. لذا اعذروني عمّا قد يبدو لكم «محنًا» لغويًا نحن بغنى عنه الآن. لكنّي أعتقد أنه «محن» بالغ الأهميّة على المدى الأبعد من الغليان الذي نعيشه في هذه اللحظة، سواء أكنا متواجدين على أرض الحدث أم متابعين له من بعيد. إذ يبدو لي على الصعيد اللغوي أنّ هناك إيجابيّتَيْن يمكنهما الانبثاق من هذه الانتفاضة:

أوّلاً، ستزال عن اللهجة اللبنانية تداعيات «السنوبية» والفذلكة والاستعلاء التي لطالما سرتْ في أذهان الناس في باقي العالم العربي. وبالتالي، ستستعيد اللهجة اللبنانية مكانتها الطبيعية بين سائر لهجات بلاد الشام.

ثانياً، سوف تنتشر في الفضاء العام كل اللهجات «المهمّشة» الموجودة في لبنان، كلهجة الجنوب، وطرابلس/ عكار، وبعلبك (التي أعشقها دون غيرها) لتزعزع مركزية اللهجة البيروتيّة النمطيّة «البيضاء»، وتنال الاحترام فلا تعود تُستعمل فقط بهدف السخرية أو الهضمنة كما اعتدنا مع اللهجة الجنوبية أو اللهجة الحمصية في السياق السوري، أو الصعيدية في مصر، أو اللهجة «الفلاحية» في فلسطين.

ثالثاً، سوف يقوى الأمل في أن يُعمَّم إبداع اللبنانيين ومهارتهم في السباب والشتائم، خاصّة تلك التي تتموضع «تحت الزنّار»، على باقي العالم العربي، وذلك كي تخفّ النزعة الفكتوريّة الطاغية على الكلام في المساحات العامّة والمجالس «المحترمة». فتلك الفكتوريّة دخلت إلى العامية منذ عصر النهضة بفعل تأثير نخبة المثقّفين الآخذة بالتشكّل آنذاك، والتي ساهمت في إعادة صياغة اللغة العربيّة الفصحى، متأثّرين بدورهم بالنزعة الطهرانية التي حملها معهم المرسلون المسيحيّون الوافدون إلى بلاد الشام (لا يسمح لنا ضيق المساحة هنا بالخوض أكثر في هذه الأسباب). وسيتمّ ذلك رغم أنف الإعلام المضطرّ إلى تغطية التظاهرات والاعتصامات بثًا مباشرًا، فيعجز عن حجب الكلام المرصّع بالشتائم التي تبدو وكأنها نهلت من المحسّنات البديعيّة عند أبي تمّام أو ابن المعتزّ. وخير دليل على هذا العجز «المُعجِز» هتاف «هيلا هيلا هو» الذي لم تقدر القنوات حتى على محاولة حجبه.

إذًا نعم، سيتقوّض الكلام المحترم والمهذّب! وللتذكير، فإنّ ألفاظاً تُعتبَر نابيةً للغاية اليوم بالإجماع، مثل أير ونيك، هي عربيّة أصيلة وفصيحة، يمكن العثور عليها في أمّهات المعاجم القديمة كلسان والعرب وغيرها، لكنّها تختفي فجأة من المعاجم المعاصرة! لماذا يا ترى؟

طبعًا يجب ألا نتجاهل الذكورية الكامنة في أكثريّة الشتائم. غير أنّ مقاربة الصوابية السياسية هنا قد تنقلب رجعيّة، إذ إنّ قلّة حياء السباب وإكثار اللبنانيين منه يوصمهم ولهجة/اتهم بوصمة سلبيّة، كونه كلامًا خارجا عمّا يُعدّ لائقًا. أمّا أنا، فأرى في هذا الخروج الكثير من إبداع لطالما ظلّ محجوبًا عن التجلّي في اللهجات الأخرى (مع الإقرار بوجوده!) بسبب تلك النزعة الفكتورية السالفة الذكر والسائدة في قاعات التدريس والإذاعات والمنصّات العامّة.

وهذا ما أتوخّى تغيّره عبر السخرية اللاذعة من الذل بفعل «عاميّة تشرين» التي عمّمت تلك السخرية ونشرتها. وعلى إثر احتلال العامّيات المناطقيّة مساحتها المستحقّة في الفضاءات العامّة، فإنّها ستستحضر معها إلى المتن الشتائمي شتائمها الطرفيّة (والطريفة) فتُشنّف آذاننا ومخزون إبداعنا الشفهي بقوّة الشتيمة الزحلاوية المقذعة والخلّاقة على سبيل المثال (لا الحصر!).

نترك القول الفيصل والأخير في ما يخصّ لباقة تداول الشتيمة لعلّامتنا الكبير أبو عثمان الجاحظ الذي قال في إحدى رسائله: وبعض من يُظهر النسك والتقشُّف إذا ذُكر الحِرّ [الكسّ] والأير والنَّيك وتقزَّز وانقبض [...] فإنّما هو رجلٌ ليس معه من المعرفة والكرم، والنُّبل والوقار، إلاَّ بقدر هذا التصنُّع.

آخر الأخبار

مواد إضافيّة
حدث اليوم - الثلاثاء 27 تشرين الأول 2026
27-10-2026
أخبار
حدث اليوم - الثلاثاء 27 تشرين الأول 2026
الأردن يقصف مدنيّين سوريّين ثمّ يبرّر ويتهرّب
27-10-2026
أخبار
الأردن يقصف مدنيّين سوريّين ثمّ يبرّر ويتهرّب
البالون دور يبتسم لـ«الكينغ هاري»
27-10-2026
أخبار
البالون دور يبتسم لـ«الكينغ هاري»
4 سيناريوهات مُرجَّحة للانتخابات الإسرائيلية
27-10-2026
تقرير
4 سيناريوهات مُرجَّحة للانتخابات الإسرائيلية
السيسي ينتقم من «مدى مصر»: بدعة «الترخيص» حيلةً لقمع الصحافيين
27-10-2026
تقرير
السيسي ينتقم من «مدى مصر»: بدعة «الترخيص» حيلةً لقمع الصحافيين
لا أغلبية والعرب ليسوا «بيضة القبّان»: المشهد يوم الانتخابات الإسرائيلية
27-10-2026
تقرير
لا أغلبية والعرب ليسوا «بيضة القبّان»: المشهد يوم الانتخابات الإسرائيلية