تعليق القضاء
سامر فرنجية

عن معضلة تُدعى «المواطن عبدالله الساعي»

24 كانون الثاني 2022

احتجز المواطن عبدالله الساعي عدداً من موظفي مصرف «بنك بيروت والبلاد العربية» في جب جنين، ولم يفرج عنهم إلّا بعدما تسلّم وديعته. سلّم المودع نفسه للقوى الأمنية، بعدما أعطى المبلغ المالي لأحد أفراد عائلته. 

العنف كوسيلة

لم تكن المرّة الأولى التي يلجأ فيها المواطنون إلى أساليب «خارجة عن القانون» لاسترجاع حقهم المنهوب. ففي ظلّ الانهيار الراهن، قد لا يكون هناك بديل لتلك الأساليب إلّا نوع آخر من العنف، أي الانتحار. لذلك تعاطف كثيرون مع فِعل المواطن عبدالله الساعي الذي لم يبقَ له خيار إلّا استعمال العنف لاسترجاع حقوقه من مصارف لم تتوقّف منذ سنوات عن سرقة الودائع. 

لكنّ اللجوء إلى أساليب «خارجة عن القانون»، كالعنف مثلًا، له نقّاده في بلد شهد على حرب أهلية، جراء انهيار دولته، ويعيش مرحلة انهيار مؤسّساتيّ اليوم. وقد شهدنا على تلك السجالات خلال ثورة تشرين وجولات العنف الليليّة، أو خلال حراك الـ2015، وبعد كل حادثة عنفية يقوم بها مواطن لاسترجاع حق أو تأمين بعض من مقوّمات الحياة. 

ففي بلد يتهاوى على حافة الحروب الأهلية، لا يشكّل العنف، مهما كان عادلًا، إلّا انزلاقًا نحو الاقتتال الأهلي والعنف المعمّم. هذا هو درس الحرب الأهلية، بحسب رجال القانون والمؤسسات. 


المشكلة في المواطن 

من ركائز السياسة التنويريّة، اليسارية منها والليبرالية، أنّ المشكلة تكمن في الاسم وليس في الصفة. فما يخيفهم في عبارة «المواطن عبدالله الساعي» هو الاسم، عبدالله الساعي، الذي يشير إلى المحدّد الطائفي أو العائلي أو الحزبي أو المناطقي أو مجرّد الشخصي. فـالمواطن المرجو هو مواطن مجهول، لا يُعرّف إلّا بصفته القانونية، تحت رعاية الدولة. أمّا باقي تعريفاته، فلا ينتج إقحامها بالسياسة إلا اقتتالاً طائفياً أو انقساماً مناطقياً أو ثأراً عائلياً. 

لكنّ ما بات واضحًا اليوم أنّ المشكلة هي في الصفة، في عبارة «المواطن» وما تتضمّنه من مفاهيم أخرى كالقانون وحُكمه، أو الدولة واحتكارها للعنف، أو الأخلاق العامة. فعبدالله الساعي لم يخرج عن القانون لاسترجاع حقه من خصم، بل خرج عن القانون لأنّ خصمه بات القانون. فهو، كما نحن، يواجه دولة مع أجهزتها القضائية والأمنية، ويواجه مصارف وجمعيتها، ويواجه أخلاقًا عامة واحترامية مؤسساتية. 

فما نتعرّض له هو كمٌّ مهول من العنف البنيوي، أدواته ليست حفنة من الفاسدين أو بضعة أحزاب خارجة عن المؤسسات أو بعض اللصوص. أدوات هذا النظام وعنفه البنيوي هي مؤسسات محترمة، وقضاء وقانون، كما هي مصرف مركزي وتعاميمه، ودولة وأجهزتها.

في وجه هذا العنف البنيوي ومؤسّساته، لم تعد صفة «المواطن» ضمانة التغيير، بل أصبحت تعريفاً عن ضحية.


الانتخابات النيابية  

«المواطن عبدالله الساعي» معضلة سياسية في وجه قوى الاعتراض والثورة التي تتهيأ لخوض الانتخابات القادمة. فما واجهه «المواطن عبدالله الساعي» ستواجهه تلك القوى بعد انتهاء الانتخابات، أي انسداد إمكانيات التغيير من داخل المؤسسات. ومع تزايد العنف البنيوي، ستصبح شعارات كالقضاء أو الدولة أو الاعتراض المدني خارجة عن سياق الواقع في أحسن الأحوال، ومتواطئة مع هذا العنف، في أسوأ الأوضاع. 

«المواطن عبدالله الساعي» معضلة لمن يريد مقاومة هذا النظام وعنفه البنيوي، معضلة تعلن استحالة التغيير من داخل المؤسسات وضرورة البحث عن أساليب «خارجة عن القانون» لمواجهة النظام وقانونه.

آخر الأخبار

مواد إضافيّة
حدث اليوم - الخميس 15 تشرين الأول 2026
15-10-2026
أخبار
حدث اليوم - الخميس 15 تشرين الأول 2026
جيش الاحتلال في زوطر الشرقية: شاحنات تموين وذخيرة ووقود
بعد 21 عاماً من المقاومة عودة المستوطنات إلى جنين
15-10-2026
تقرير
بعد 21 عاماً من المقاومة عودة المستوطنات إلى جنين
مختارات من الصحافة الإسرائيلية 15/10/2026
سالي رووني محظورة في المملكة المتّحدة لدعمها «بالستاين أكشن»
15-10-2026
أخبار
سالي رووني محظورة في المملكة المتّحدة لدعمها «بالستاين أكشن»
اعتقال جزّار بانياس علي كيالي المسؤول عن مقتل 459 مدنياً