تحقيقات واستدعاءات وتوقيفات
جلسة تحقيق جديدة أمام مخفر برج حمود. هذه المرّة بشأن فيديو لشخصٍ يعذّب جروًا في الدورة، واتّهام لغِنى نحفاوي بتحريض ناشطين عليه. قبل ذلك، كان هناك توقيف لنحفاوي لبضع ساعات في مخفر بعبدا، بعد رفضها حذف فيديو يوثّق إساءة شيخٍ للحيوانات، عبر ربط كلب بسيارته وجرّه في الطرقات. ومن قبلها، كانت هناك شكوى قدح وذمّ بحقّ نحفاوي من قبل رئيس بلدية صوفر بعد تعليقها على منشورٍ للبلدية عن مصير كلابٍ «اختفت» أو تعرّضت لسوء معاملة. ومن قبلها، كان هناك استدعاء من قبل مكتب مكافحة جرائم المعلوماتية بعد كشفِ نحفاوي عددًا من الجرائم البيئية التي ارتكبها صاحب مطعم في بحمدون، ومن بينها «صلب» غزالة أمام العامّة. ومن قبلها…
الجرائم التي تفضحها غِنى ليست جرائم بيئية أو استغلالاً مفرطاً للحيوانات، أي جرائم قد تعود ببعض المنفعة لمرتكبيها. هي عنف مجاني وتعذيب مريض وقسوة مفرطة. هي جرائم من الصعب تبريرها أو تفسيرها. ورغم ذلك، غِنى هي التي تُجَرّ إلى المخافر.
متحف القسوة
لا أعرف غِنى ولا قصتها الخاصة التي قادتها لتكريس حياتها دفاعًا عن البيئة والحيوانات. أعرف فقط صفحتها على الإنستغرام، والتي هي أقرب إلى متحف للقسوة الإنسانية، أو كتالوج بصري لشتّى أنواع التعذيب التي ابتكرها الإنسان ضد الحيوانات، من سحل كلب إلى صلب غزالة أو وضع حمار في صندوق أو ضرب قطة حتى الموت. الصفحة مرآة صريحة لطريقة تعايشنا مع العالم الحيواني الذي يحيط بنا، مرآة تفضح قدرتنا على التلذّذ بالتعذيب وفرض العنف المجاني على الأضعف والمفاخرة بدور الجلاد. هذا العنف ليس نتيجة اضطراب عقلي أو ميول فرد. هو نتيجة مباشرة لطبيعة مجتمعاتنا التي لا تقوم على تراتبية بين الإنسان والحيوان وحسب، بل على محو الحيوان من عالم الحواس، حتى يفقد حقه بألّا يُعذَّب.
في وجه هذه القسوة، هناك عناد غِنى التي لا تقاوم الترهيب والتهديد وحسب، بل المللَ أيضاً. عناد لا يملّ من فضح أي جريمة، مهما كانت بسيطة، وعناد لا يستسلم أمام فظاعة العنف ومنهجيّته. القسوة لا تواجَه بحملات التوعية أو بالحوار مع المرتكب. تواجَه بعناد، عناد غِنى.
صوتُ مَن لا صوتَ لهم (حرفيًّا)
غِنى هي التي تُطلب إلى التحقيق اليوم، لكنّها ليست الوحيدة ضمن شبكة الأفراد والجمعيات والملاجئ التي تحاول، قدر الممكن، الدفاع عن العالم الحيواني في وجه اعتداءات الإنسان ومجتمعه، والحروب، والعنف المجاني. ربّما كانت أشهرهم منى الخليل التي استشهدت جراء القصف الإسرائيلية على محمية السلاحف قرب مدينة صور. لكنّ الشهرة ليست ميزة هؤلاء المدافعين، من أصحاب ملاجئ للكلاب المبعدين خارج المدن، إلى مئات الأفراد الذي يطعمون القطط بعد غياب الشمس، وصولًا إلى المدافعين عن حقوقهم، والذين غالبًا ما ينتهون بالتحقيق. هم جيش ظلّ، باتوا صوت من لا صوت لهم.
هم لا يدافعون عن الحيوانات، كنوع من الرفاهية المدنية في بلد ينهار تحت وطأة الحروب والأزمات. إنّهم يدافعون عنّا من خلال البحث عن علاقة أخرى مع محيطنا الطبيعي، علاقة أقل استغلالية وتدميرية، علاقة أكثر تواضعًا ونعومة. وهي ليست علاقة تنقذ بعض الكائنات من عنفنا المجاني فحسب، بل قد تشكّل المدخل لإعادة ابتكار علاقة بيننا، أقلّ قسوة من تلك التي نعيش في ظلّها. غِنى في التحقيق لمطالبتها بعلاقة أكثر نعومةً مع العالم. في وجهها، مجتمع يطالب بحقّه بالتعذيب والتنكيل والإساءة.