أزمة المرجعيّة والقيادة في العالم الشيعي
21
دقيقة

يواجه العالم الشيعي اليوم أزمتي شرعية متزامنتين، لكل منهما اسم ووجه مختلف، وإن كانتا في جوهرهما اختبارًا لسؤال واحد: من يملك حق القيادة في زمن الغيبة، وعلى أي أساس؟ الأزمة الأولى إيرانية سياسية، تتعلق بخلافة المرشد الأعلى بعد اغتيال علي خامنئي وتنصيب نجله مجتبى بدعم من الحرس الثوري. والثانية نجفية فقهية، تتعلق بمن سيخلف السيد علي السيستاني على رأس المرجعية العليا في النجف. وما يجعل الجمع بين الأزمتين مفيدًا هو أنهما تكشفان، كل من زاويتها، حدود نظريتين متنافستين حول طبيعة السلطة الدينية- السياسية في الإسلام الشيعي: نظرية «ولاية الفقيه المطلقة» التي تختزل الشرعية في شخص الفقيه الحاكم، ونظرية «ولاية الأمّة على نفسها» التي تعيد الشرعية إلى الجماعة السياسية نفسها. 

هذا المقال محاولة لتتبّع هذا الصراع الفكري من جذوره الفقهية القديمة، مرورًا بأبرز تجلياته النجفية واللبنانية والعراقية، وصولًا إلى أزمتي القيادة الراهنتين في طهران والنجف معًا، بشيء من التفصيل التاريخي اللازم لفهم كل محطة من محطاته.

تيّاران تاريخيّان: الانتظار والفعل

لم يكن الفكر السياسي الشيعي المعاصر يومًا كتلة واحدة صماء، بل نتاج صراع طويل بين تيارين. الأول تيار «الانتظار»، الفكر التقليدي الذي ساد لقرون وقام على «التقيّة» وانتظار ظهور الإمام المهدي. فحظر عمليًا إقامة أي دولة كاملة الشرعية قبل ذلك الظهور، وترك السياسة للسلاطين مع الاكتفاء بمراقبتهم أخلاقيًا من بعيد. والثاني تيار «الفعل والولاية» الذي تبلور بشكل جذري مع الإمام الخميني، إذ حوّل المذهب من حالة «الانتظار السلبي» إلى «الثورة والحكم» عبر نظرية ولاية الفقيه المطلقة.

بيد أنّ هذا التحوّل لم يكن انتقالًا خطيًا وحيد الاتجاه من انتظار جامد إلى فعل ثوري واحد. فالتاريخ النجفي يكشف عن مسار ثالث مختلف تمامًا عن الخيارين: ففي مطلع القرن العشرين شارك فقهاء كبار من طينة الميرزا حسين النائيني في الحركة الدستورية الإيرانية (المشروطة، 1905)، منظّرين لمشروعية شعبية دستورية عبر رسالته «تنبيه الأمّة وتنزيه الملّة»- وهي وثيقة تأسيسية للفقه السياسي الشيعي الحديث تدعو إلى حكم لا ينبثق حصرًا من الفقه بل يعترف بالشورى والانتخاب. لم يكن ذلك انتظارًا سلبيًا ولا ولايةً مطلقة، بل صيغة ثالثة: مشاركة سياسية نشطة دون احتكار فقهي للسلطة. هذا الخط الدستوري تواصل عند تلامذة النائيني، محسن الحكيم وأبي القاسم الخوئي، وعند جيل لاحق من علماء النجف اللبنانيين، وعلى رأسهم الشيخ محمد مهدي شمس الدين الذي ستشكّل حالتُه الفكرية محور القسم الرابع من هذا المقال.

ثلاث نظريات فقهيّة لسلطة الدولة في الغيبة

يمكن تلخيص الخلاف الفقهي الشيعي حول طبيعة السلطة في عصر الغيبة بثلاث أطروحات متدرّجة:

ولاية الفقيه المطلقة (الخميني): تقوم على تفويض الفقيه في زمن الغيبة كامل صلاحيات النبي والأئمّة المعصومين، أي دمج تام بين المرجعية الدينية والسلطة التنفيذية. وهي النظرية التي تأسّست عليها الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وأُلغي شرط المرجعية العليا عن الولي الفقيه في تعديلات دستور 1989 توسيعًا لسلطته، كما سنفصّل لاحقًا.

ولاية الفقيه المقيّدة بالأمور الحسبية (الخوئي): أبدى أبو القاسم الخوئي معارضة صريحة لأطروحة الولاية المطلقة حين بدأت تروج في قم. فردّ في كتابه «التنقيح في شرح العروة الوثقى» الروايات المستدل بها عليها بوصفها «قاصرة السند والدلالة»، ولم يُقرّ للفقيه سوى ولاية في موردَيْن اثنين: الفتوى والقضاء، وما زاد على ذلك فمن «الأمور الحسبية» المحدودة كحفظ أموال الغائب واليتيم لا أكثر. جاء تلامذته من بعده، وعلى رأسهم علي السيستاني، بموقف وسط يستعير بعض عناصر أطروحة الخميني دون تبنّيها كليًا: فالولاية عند السيستاني «تثبت في الأمور العامة التي يتوقف عليها حفظ النظام الاجتماعي»، أي أوسع مما أقرّ به الخوئي، لكن أضيق بكثير مما نظّر له الخميني.

ولاية الأمّة على نفسها (النائيني وشمس الدين): وهي الأطروحة الأكثر تطورًا نظريًا بين الثلاث، والتي بلورها الشيخ محمد مهدي شمس الدين بتفصيل فقهي دقيق يستحق وقفة مستقلة، لأنه يمثل أنضج محاولة نجفية للإجابة عن سؤال السلطة دون اللجوء إلى الحسم الإيراني ولا إلى الاكتفاء الخوئي بالحد الأدنى.

جذور استقلال النجف عن قم

لفهم كيف أنتجت النجف هذا الطيف الفقهي الواسع بينما لم تنتج قم إلا نموذجًا واحدًا مهيمنًا، لا بد من العودة إلى تاريخ العلاقة بين الحوزتين. في الأصل لم تكن هناك «مدرستان» بل مدرسة النجف وحدها، الموقع التقليدي لمراجع التقليد الكبار منذ تأسيس حوزتها نحو عام 1056 م. على يد «شيخ الطائفة» أبي جعفر الطوسي. ولم تبرز قم كمركز منافس إلا أيام السيد البروجردي (ت. 1961) الذي اختار البقاء فيها بدل الانتقال إلى النجف حين آلت إليه المرجعية العامة. عادت المرجعية بعده إلى النجف مع محسن الحكيم ثم الخوئي، إلى أن نازعتها قم فعليًا بعد بطش النظام العراقي بعلماء النجف أواخر السبعينيات، بالتزامن مع عودة الخميني إليها وقيام الجمهورية الإسلامية عام 1979.

هذا الانقسام ليس خلافًا «عربيًا- فارسيًا» قوميًا كما يُشاع، بل خلاف فكري ومنهجي بين إيران سياسية استولت على حوزة قم رغم معارضة كثير من كبار علمائها، وحوزة نجفية ظلّت مستقلة. وقد أسهم في ترسيخ هذا الاستقلال بُعد مالي غالبًا ما يُغفَل: تحوّل «الخُمس» من فريضة دينية فردية إلى مؤسسة مالية مركزية منحت الحوزة استقلالًا كاملًا عن السلطات السياسية، ومكّنتها من بناء شبكاتها الاجتماعية والتعليمية الخاصة بمعزل عن أي دولة. هذا الاستقلال المالي يفسر أيضًا حساسية المرجعية النجفية الشديدة تجاه أي تهديد لقاعدتها الاجتماعية في الوسط والجنوب العراقيين، كما سيتضح في القسم الخامس.

شمس الدين وتفصيل نظرية «ولاية الأمّة على نفسها»

يقدّم مسار الشيخ محمد مهدي شمس الدين الفكري أدق تطبيق نجفي لهذه النظرية الثالثة، ويستحق عرضًا مفصّلًا لكونه يجيب عمليًا عن السؤال الذي تطرحه أزمتا القيادة الراهنتان: كيف تُبنى شرعية سياسية لا تعتمد على تفرُّد فقيه واحد بالسلطة المطلقة، ولا تكتفي بالحد الأدنى من «الأمور الحسبية»؟

ضرورة الدولة أصيلة في الفقه لا زائدة عليه 

يرى شمس الدين أنّ التنظير للدولة ليس بندًا يُضاف إلى الشريعة، بل نتيجة طبيعية لها. فإلغاؤه يعني إلغاء جزء كبير من الشريعة نفسها. ويستدلّ بأن المسلمين الأوائل، رغم كثرة أسئلتهم للنبي عن كل تفاصيل حياتهم، لم يسألوه قط عن أصل فكرة الدولة، لأنهم اعتبروها بديهية تفرضها طبيعتهم كمجتمع سياسي. والتبرير الشرعي لقيامها هو حفظ النظام العام وصون الأمة من الفوضى؛ والدولة الشرعية في عصر الغيبة هي التي تنبع من إرادة حرّة للأمّة. بل يذهب أبعد من ذلك: حتى الدولة «الغصيبة» تجب طاعتها في حدود حفظ النظام العام، أما الدولة المنتخبة بإرادة شعبية حرّة، فيجب التعاون معها. ومفهوم «الحاكم الجائر» نفسه هو خاص في رأيه بعصر الإمامة الظاهرة، ولا معنى له في عصر الغيبة إن كان الحكم قائمًا برضى الناس وبلا استبداد. أما موقفه من الحركات الإسلامية، فحاسم: لا ينصح بالسعي إلى السلطة أصلًا، بل بالتغيير الثقافي من الداخل، مع جواز المشاركة في الحكم لدمج الشيعة في المجتمع العام وتطعيم الجهاز الحكومي بالكفاءات لا عزلهم عنه.

الأمّة مقدّسة، والدولة مؤسّسة وظيفية لا قداسة لها 

في محاضرته «المقدَّس وغير المقدَّس في الدولة»، يفصّل شمس الدين: الدولة بكاملها غير مقدَّسة، فهي مشروع سياسي نسبي وزمني ناتج عن وظائفها التنظيمية لا عن قداسة ذاتية. المقدَّس الوحيد هو «الأمة» بوصفها ما وضعه الشرع، فيما الدولة مجرد مؤسسة من مؤسساتها. ويصف الخطاب الإسلامي المعاصر بأنه «تجريدي» لارتكازه على خلفيات كلامية لم تعد قائمة- نظرية الخلافة عند أهل السنّة ونظرية الإمامة عند الشيعة- وكلتاهما أصيلتان تاريخيًا لكنهما استثنائيتان لا تصلحان أساسًا دائمًا للحكم اليوم؛ فلا بد من الاجتهاد لبناء نظرية سياسية عامة تستفيد من التجارب الإنسانية، تمامًا كما تختار الشعوب غير المسلمة أنظمتها الاقتصادية والسياسية من دون أن يفرض عليها الدين نظام حكم بعينه. وفي نقده الأصولي، فإنّ مركزة السلطة في شخص الخليفة عند أهل السنّة تخالف الأصل الفقهي القاضي بعدم مشروعية تسلط إنسان على إنسان، وتستوجب الفصل بين السلطات. أما عند الشيعة، فإقامة الدولة في الغيبة تقوم على «ولاية الأمّة على نفسها»؛ ودور الفقيه فيها يقتصر على الإفتاء والاستشارة، لا على الحكم ولا على مصدرية الشرعية التي تبقى للأمة وممثليها، إلا في ما تحكمه أحكام الشريعة الصريحة فتؤول لمجامع الفقهاء. من هنا يؤسس شمس الدين لمفهوم «الوطن» والدولة المدنية والمواطنة، معتبرًا الانقسام إلى أوطان متعددة أمرًا مشروعًا فقهيًا وتاريخيًا لا تهويلًا يجب تفاديه؛ فحتى دولة النبي في المدينة لم تكن «دولة عالمية موحدة»، ومقولة «الحكومة العالمية» كلام صالح للشعر لا للفقه. ويشدد على «الأرض» كرُكن أساسي لقيام أي دولة، ويرفض اتهام برنارد لويس بأن الفكر السياسي الإسلامي أغفل هذا العنصر، معيدًا ذلك إلى التباس مفهومَي الأمة والدولة تاريخيًا في تجربة الخلافة الواحدة لا إلى غياب فقهي حقيقي.

من رابطة العقيدة إلى رابطة الوطن 

لم يتبلور مفهوم المواطنة في فكر شمس الدين إلا بعد تأسيس حزب الله عام 1985. فقد كان، في كتابه المبكر «بين الجاهلية والإسلام»، أقرب إلى رؤية إخوانية- قطبية تقدّم الرابطة العقائدية على القومية والوطنية وترفض الغرب باعتباره حضارة مادية كافرة- وهي رؤية شاركه فيها جيل النجف كله تقريبًا (باقر الصدر، باقر الحكيم، فضل الله). التحوّل الحاسم بدأ منتصف الثمانينيات وتبلور في محاضرته بجامعة أكسفورد في كانون الأول 1987، بالتزامن مع لقاءات جمعته بمفكّرين إسلاميين آخرين (الغزالي، القرضاوي، الترابي، الغنوشي) أعادوا جميعًا اكتشاف «صحيفة المدينة» كوثيقة تأسيسية مهملة، استنتج منها شمس الدين وجود مفهومين للأمة: أمة التوحد الديني (يمكن أن تتعدد سياسيًا)، وأمة التوحد في مشروع سياسي واحد (يمكن أن تتنوع دينيًا)، وأن المواطنة لا تلازم الانتماء الديني بالضرورة في المجتمعات متعددة الأديان. من هنا انتقل إلى تأصيل الدولة ذات السيادة والحدود الجغرافية الواضحة، مستشهدًا بترسيم النبي لحدود حرم المدينة، ليخلص إلى أن «دار الإسلام» لا تساوي بالضرورة «دولة الإسلام»، بل تتساوى فقط مع «أمّة الإسلام»، بينما يمكن أن تتعدد الدول داخلها.

الدولة المدنية

يعرّف شمس الدين الدولة المدنية بأنها دولة «بلا دين»، تمنع تداخل الديني بالسياسي في الحكم، ويطبًّق ذلك مباشرة على لبنان: فإذا كان للدولة اللبنانية دين واحد، لصارت 18 مذهبًا يطالب كل منها بحصته، وربما 30 طائفة. لذلك يعارض بوضوح أيّ مسعى لأسلمة لبنان أو نصرَنَته، بل يطالب حركة أمل نفسها بالخروج من طابعها الشيعي الحصري في تمثيل الدولة. ويميّز بين مستويين: «مجتمع أهلي» متنوع دينيًا ومذهبيًا له كامل الحرية في ممارسة شعائره دون أي تدخل سياسي، و«مجتمع سياسي» واحد لا دين له يوحّد المواطنين في شأنهم العام. والدولة المدنية عنده لا تلغي التنوّع الأهلي، بل تحصر الدين في نطاقه الخاص وتُخرجه من آلية توزيع السلطة- وهو موقف يراه متوافقًا لا متناقضًا مع الشريعة، ما دام قد بُني على اجتهاد يفرّق بين نصوص العبادات الثابتة ونصوص التنظيم الاجتماعي المتغيرة بتغير الزمان والمجتمع.

الاختبار الأول: النجف في مواجهة الشيوعيّة والقوميّة

إذا كانت نظرية «ولاية الأمّة على نفسها» هي الذروة النظرية لاستقلال النجف، فإنّ أوّل اختبار عملي كبير لهذا الاستقلال جاء من اتجاه مختلف تمامًا: المد الشيوعي في الخمسينيات. فقد تأثر جيل الشباب من طلاب الحوزة بالمدّ اليساري والقومي في تلك الحقبة، وجاء تأسيس «حزب الدعوة الإسلامية» استجابةً لمواجهة الشيوعية والحداثة الفكرية التي كانت تجتاح المجتمعات العربية آنذاك.

غير أن هذه المواجهة لم تكن معركة نظيفة بين معسكرين متمايزين. فالمفارقة اللافتة أن النجف التي شكّلت الحصن العقائدي الأول ضد «الخطر الأحمر»- حين أصدر محسن الحكيم في شباط 1960 فتواه الشهيرة معتبرًا الانتماء إلى الحزب الشيوعي «كفرًا وإلحادًا»، وانضمّ إليه في ذلك الخوئي وعبد الهادي الشيرازي ومحمود الشاهرودي وغيرهم- هي نفسها التي أنجبت حسين أحمد الرضي (سلام عادل)، سكرتير الحزب الشيوعي العراقي، الذي وُلد فيها عام 1924 وقادها حتى استشهاده تحت التعذيب عام 1963. فالفجوة الاجتماعية والاقتصادية الحادّة في الوسط والجنوب، حيث أبقى نظام الملكية الزراعية القائم على الشيخ والسركال والفلاح غالبية الفلاحين الشيعة في فقر وتبعية شبه إقطاعية، جعلت خطاب العدالة الاجتماعية الشيوعي أكثر إقناعًا لهم أحيانًا من خطاب ديني تقليدي كان لا يزال أسير تحالفاته مع كبار الملاك. وهذا يعني أن نشأة حزب الدعوة لم تكن مجرد ردة فعل فقهية على «الإلحاد»، بل كانت أيضًا محاولة من التيار الديني الشاب لاستعادة الشارع الشعبي نفسه الذي كان الشيوعيون ينافسونهم عليه، عبر تقديم بديل «إسلامي» حداثي بلغة الحزب والتنظيم لا بلغة الفتوى وحدها. لم يكن الصراع، إذن، بين «الشيعة» و«الشيوعية» كهويتين متقابلتين، بل صراعًا داخل المجتمع الشيعي نفسه بين مشروعين يتنافسان على تمثيل الفقراء والمهمّشين.

الاختبار الثاني: لبنان بين الصدر وشمس الدين وحزب الله

انتقلت المعركة على تمثيل الشيعة، بعد النجف والعراق، إلى الساحة اللبنانية، لكن هذه المرة بين نموذجين ينتميان كلاهما إلى المرجعية الدينية نفسها لا بينها وبين خصم علماني. فقد مثّل الإمام موسى الصدر ثم الشيخ محمد مهدي شمس الدين نهج الاندماج الكامل في الدولة اللبنانية التعددية بوصفها إطار المواطنة لا عائقًا أمامها- وهو النهج الذي فصّلناه أعلاه في تطور شمس الدين نحو «الدولة المدنية». في المقابل، التحق حزب الله بمرجعية «ولاية الفقيه» المتمركزة في طهران لا في النجف ولا حتى في قم بمعناها الحوزوي المستقل، محدثًا قطيعة تاريخية مع نهج الصدر وشمس الدين، لأن مبدأ التبعية لولي فقيه خارجي يتناقض مع الوطنية والاجتماع المدني والسياسي بحد ذاته، بصرف النظر عن قوة إيران أو ضعفها الظرفي.

يدور اليوم نقاش حادّ في الأوساط اللبنانية حول ما إذا كان تراجع النفوذ الإيراني مدخلًا لتعافي لبنان أم فراغًا يُخلّ بتوازناته الداخلية. يرى أنصار «التعافي» أنّ احتكار حزب الله لقرار الحرب والسلم منذ عقود عطّل بناء دولة ذات سيادة كاملة، وأن ضعف الغطاء الإيراني يفتح فرصة نادرة لتطبيق «حصر السلاح بيد الدولة»، وربما لإصلاح مؤسسي واقتصادي أوسع مرتبط باستعادة الثقة الدولية والاستثمارات. ويرى أنصار «الفراغ»، في المقابل، أن حزب الله ليس مجرد أداة إيرانية بل قوة اجتماعية وسياسية عميقة الجذور في بيئتها الطائفية، وأنّ تفكك نفوذه المفاجئ دون بديل سياسي-اقتصادي واضح قد يُنتج فراغًا أمنيًا أو طائفيًا، خصوصًا في ظل الضغط الإسرائيلي المستمر وغياب اتفاق سياسي داخلي شامل حول شكل الدولة بعد «السلاح».

والراجح أن موقف حزب الله الحالي لا يعكس حفاظًا على القوة بقدر ما يعني سعيه للبحث عن مخرج يعرف أنه لن يأتي إلا من طهران التي أصبحت تتحكّم في قراره تمامًا بعد اغتيال أمينه العام السابق حسن نصر الله. فالجنوب اللبناني كله لم يعد كما كان، وإسرائيل ذاهبة إلى ما وراء الليطاني، لكن الحزب لن يسلم سلاحه ولن يستسلم، ويراهن على توفير مخرج للتنازل عبر إيران التي لا يُعرف إلى أيّ حد يمكنها الوقوف خلفه. أما النظام الإيراني نفسه بعد رحيل خامنئي، فقد بنى بقاءه على عوامل عديدة لم تعد قائمة اليوم، أبرزها شخصية «الولي الفقيه» الكاريزمية التي لا تتوافر لخلفه مجتبى خامنئي الذي يحمل أفكارًا لا تتفق مع المؤسسات المدنية ولا حتى الدينية في إيران، ناهيك عن أن مبدأ ولاية الفقيه يتناقض مع الوطنية والقومية والاجتماع المدني والسياسي، وقد أحدث قطيعة داخل الوضع الشيعي اللبناني مع نهج الإمام موسى الصدر والشيخ شمس الدين. فالتبعية لولاية الفقيه معضلة بنيوية للسيادة اللبنانية بحد ذاتها، بصرف النظر عن قوة إيران أو ضعفها الظرفي- أي أن التحرر من هذه التبعية شرط ضروري لأيّ تعافٍ، لا أن الفراغ الناتج عنه خطر يوازيه.

الاختبار الثالث: تراجع النفوذ الإيراني في العراق وسوريا

العراق 

يشهد العراق تحوّلًا لافتًا يصفه أغلب المحللين المتخصصين بـ«تراجع النفوذ الإيراني» أكثر منه «إعادة صياغة استراتيجية» مدروسة من طهران- أي أنّ ما يحدث يبدو استجابة اضطرارية لواقع جديد أكثر منه خطة استباقية. المؤشر الأبرز هو انسحاب فصائل من هيكل الحشد الشعبي نفسه: في 27 أيار 2026، أعلن مقتدى الصدر انفصال «سرايا السلام» التابعة له عن التيار الوطني الشيعي والتحاقها بالدولة المسؤولة عن التشكيلات العسكرية، مؤكدًا أن أجنحتها المدنية ستكون بلا سلاح ولا مقرات. والأهم أن هذا لم يقتصر على تيار الصدر المعروف بمسافته التقليدية عن طهران: «عصائب أهل الحق» بقيادة قيس الخزعلي، وهي من أبرز فصائل «الإطار التنسيقي» المقرّب من إيران والذي يملك الكتلة البرلمانية الأكبر، أعلنت هي الأخرى دعمها لحصر السلاح بيد الدولة وتأييد فصل هيئة الحشد عن الأطر السياسية والحزبية، مبرّرةً ذلك بأنه استجابة لدعوات المرجعية الدينية العليا. في المقابل، تبرز «حركة النجباء» و«كتائب حزب الله»- وهما مدرجتان على لوائح العقوبات والإرهاب الأميركية- كفصيلَيْن رافضَيْن لنزع السلاح، ما يعني أنّ طهران لا تزال تحتفظ بذراع صلبة أكثر ولاءً حتى لو خسرت الغطاء الأوسع للحشد.

تبدو استراتيجية طهران لإدارة هذا التراجع أقرب إلى «احتواء الخسارة» منها إلى «إعادة البناء»، وذلك عبر: تفادي المواجهة المباشرة مع الدولة العراقية، إذ من غير المرجح أن تفرض بغداد نزعًا شاملًا للسلاح خشية اقتتال داخلي شيعي؛ والاستثمار في الشرعية المؤسسية بدل السلاح، إذ منح البرلمان الثقة في 14 أيار 2026 لحكومة جديدة تعهد رئيسها بجعل حصر السلاح أولوية أساسية، ما يعكس محاولة الفصائل الموالية لإيران التموضع كقوة سياسية- برلمانية شرعية بدل قوة مسلحة موازية؛ والاستفادة الاقتصادية من العراق كمنفذ مالي للالتفاف على العقوبات؛ ومضاعفة أهمية العراق تعويضًا عن خسائر أخرى في المحور (سقوط الأسد، تراجع حزب الله)، ما يجعله الساحة الأخيرة التي يصعب على طهران التفريط بها كليًا، حتى لو اضطرّت لتحويل نفوذها من عسكري مباشر إلى سياسي- اقتصادي غير مباشر.

سوريا

تحولت العلاقة بين طهران ودمشق الجديدة من «تحالف استراتيجي» إلى ما يشبه «قطيعة معلنة مع محاولات تسلّل جزئية»، وهذا واضح من حدّة الخطاب المتبادل ومن الأدوات البديلة التي تلجأ إليها إيران بعد فقدانها الورقة الرسمية. فالرئيس السوري أحمد الشرع نفسه وصف إيران بأنها كانت «رأس حربة» في الصراع الذي قاده نظام الأسد ضد الشعب السوري، مؤكدًا أن سوريا «دفعت ضريبة تدخّل حزب الله». وعلى المستوى الرسمي، حذّر وزير الخارجية أسعد الشيباني إيران من «بثّ الفوضى» في سوريا، داعيًا إيّاها لاحترام إرادة الشعب السوري وسيادة البلاد- وهو ردّ مباشر على تصريحات وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي الذي حذّر في كانون الأول 2024 من «التسرّع في الحكم على الوضع» في تصريح فُهم كتهديد مبطّن. ورغم هذا التصعيد، حاولت طهران فتح قناة رسمية بتعيين الدبلوماسي محمد رضا رؤوف شيباني ممثلًا خاصًا لها في سوريا بعد شهر واحد فقط من سقوط الأسد، لكنّ هذه المحاولة لم تُقابَل بالترحيب نفسه الذي حظيت به موسكو التي أقامت اتصالات سريعة مع الشرع وأرسلت وفدًا رفيع المستوى.

تحاول إيران، وقد خسرت نفوذها الرسمي المباشر، تعويضه عبر أدوات «اللادولة»: استغلال محاولات تنظيم داعش استعادة نشاطه لضرب قدرات الدولة السورية الجديدة، والاستفادة من علاقتها التاريخية الجيدة بحزب العمال الكردستاني في جبال قنديل لموازنة النفوذ التركي المتصاعد، وتنسيق أمني مع فلول نظام الأسد الفارّين إلى لبنان والعراق عبر غرف عمليات مشتركة مع حزب الله والميليشيات العراقية. غير أنّ هذا النفوذ البديل يصطدم بمعضلات كبرى: بروز تركيا كقوة مهيمنة بديلة في سوريا وعلاقتها الوثيقة بالشرع (استقبال أردوغان له في قمة الناتو بأنقرة في تموز 2026)؛ والانفتاح الأميركي المتزايد على دمشق، إذ أعلن ترامب خلال لقائه بالشرع على هامش القمة رفع عقوبات إضافية عن سوريا، ملمِّحًا إلى أنّ دمشق ستساعده في «ملف حزب الله»؛ وانشغال القيادة الإيرانية الجديدة بأولويات داخلية أكثر إلحاحًا (إعادة بناء الردع العسكري، الاحتجاجات الداخلية، المفاوضات النووية)، ما يجعل الاستثمار الاستراتيجي الكبير في «استعادة سوريا» ترفًا لا تملكه طهران حاليًا. الأرجح أنّ مقاربة إيران تجاه سوريا لن تكون استعادة نفوذ مباشر (خيار أُغلق عمليًا)، بل «إدارة خسارة» تحدّ من الأضرار عبر أدوات غير رسمية بدل السعي لعلاقة دبلوماسية ندّية مع دمشق التي تبدو أقرب لمحور تركي- أميركي مناهض صراحةً للنفوذ الإيراني السابق.

أزمة الشرعيّة في طهران

1. تآكل النخبة الإيرانية

لم يكن البحث عن خليفة للمرشد الأعلى علي خامنئي وليد لحظة واحدة، بل جاء بعد سلسلة طويلة من الخسائر أفرغت النخبة الإيرانية تدريجيًا من أسماء كانت تُطرح تاريخيًا كمرشحين محتملين لأدوار قياديّة عليا. توفّي الرئيس الأسبق هاشمي رفسنجاني في 8 كانون الثاني 2017 في وفاة مفاجئة لا تزال ابنته تشكّك في ملابساتها. ثم توفّي رئيس القضاء الأسبق محمود هاشمي الشهرودي في 24 كانون الأول 2018، وكان قد ترك حوزة النجف والتحق بالعمل السياسي في طهران لدرجة جعلت اسمه يُطرح بقوة لخلافة المرشد. وفي 3 كانون الثاني 2020، قُتل الجنرال قاسم سليماني، قائد فيلق القدس، في ضربة أميركية قرب مطار بغداد، فحُرم النظام من أكثر قادته نفوذًا وشعبية على الإطلاق. ثم جاءت الضربة الأعنف حين قُضي على الرئيس إبراهيم رئيسي الذي كان يوصف على نطاق واسع بأنه أحد أبرز المرشحين لخلافة خامنئي، ومعه وزير خارجيته حسين أمير عبد اللهيان، في تحطم المروحية الرئاسية في 19 أيار 2024. هذا التآكل المنظم في طبقة القادة الكبار مهّد لسيناريو «الفراغ الكارثي» الذي تحقق فعليًا حين استُهدف مركز القيادة نفسه وقُتل خامنئي في ضربات 28 شباط 2026، في خضمّ ما عُرف بحرب الاثني عشر يومًا بين إيران من جهة، وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى.

2. اتّساع الهوّة بين مصدرَي الشرعية

لفهم حجم المأزق الذي واجهته الجمهورية الإسلامية بعد هذا الاغتيال، لا بدّ من العودة إلى بنية الشرعية في النظام الإيراني نفسه. فثمّة مصدران للشرعية فيه: الأول هو السيادة الشعبية عبر الانتخابات («ولاية الشعب/ الأمّة»)، بما أنّ إيران «جمهورية» بحسب الدستور. والثاني هو «ولاية الفقيه» أي المرشد الأعلى، بوصف نظام الحكم «إسلاميًا» و«شيعيًا» يرتكز على مفهومي الإمامة وولاية الفقيه. تختص السيادة الشعبية بمؤسسات منتخبة مباشرة هي مجلس خبراء القيادة، ورئاسة الجمهورية، ومجلس الشورى الإسلامي؛ بينما يتبع لولاية الفقيه مجلس صيانة الدستور ومجمع تشخيص مصلحة النظام.

كان الإمام الخميني قادرًا على الموازنة بين هذين المصدرين بفضل شعبيته الكاسحة وكاريزميته، لكن الهوة بين الشرعيّتين اتّسعت تدريجيًا، خصوصًا منذ الحركة الإصلاحية عام 2009. ومع ذلك، ظلّ قادة النظام، على اختلاف تياراتهم الإصلاحية والمحافظة، متفقين على اعتبار سقوط النظام نفسه خطّاً أحمر: فالرئيس الإصلاحي الأسبق محمد خاتمي حذّر من أن زوال النظام «بكل نواقصه وعيوبه» سيجعل مصير إيران «أشد مرارة»، بينما دعا الناقد البارز لولاية الفقيه محسن كديور، رغم معارضته الجذرية للنظام، إلى وحدة الشعب والدولة في مواجهة العدوان الخارجي.

عزّز هذا الاصطفاف الداخلي منذ انتخابات 2009 صعود نظام شبه عسكري يقوده الحرس الثوري وذراعه البسيج، حتى أصبح الحرس صاحب اليد العليا اقتصاديًا وأمنيًا وسياسيًا، لا العسكرية وحدها. وقد استخدم خامنئي هذا التوازن بذكاء بعد إفراط الرئيس أحمدي نجاد في التطرّف زمن إدارة أوباما، فعمل على تحجيمه لصالح جناح براغماتي أصولي (لاريجاني، محسن رضائي، قاليباف)، محافظًا على لعبة توازن دائمة بين البراغماتيين في الرئاسة (خاتمي، رفسنجاني، روحاني، بزشكيان) والمتشددين حين تستدعي الحاجة (نجاد، رئيسي).

3. أزمة المرشحين قبل الحرب

قبيل حرب 2026، انحصرت المنافسة على خلافة خامنئي بين عدد من كبار المراجع في قم (أحمد جنتي، جوادي آملي، ناصر مكارم الشيرازي، موسى شبيري الزنجاني، الوحيد الخراساني) بعد وفاة محمد تقي مصباح يزدي (2021) ومحمد إمام كاشاني (2024). غير أنّ جميعهم كانوا في أعمار تتراوح بين 95 و105 سنة، بما يجعل خلافتهم أقرب لتكرار تجربة الاتحاد السوفياتي بعد وفاة بريجنيف، حين تعاقب على السلطة أندروبوف (1982-1984) ثم تشيرنينكو (1984-1985) قبل وصول غورباتشوف الذي أطلق سياسات الانفتاح والإصلاح ثمّ أشرف على تفكك الاتحاد. أما الأصغر سنّاً، فكانوا يعانون نواقص جوهرية: آية الله صادق آملي لاريجاني متّهَم هو وأسرته بالفساد، والرئيس الأسبق حسن روحاني يُؤخذ عليه عجزه عن معالجة الأزمة الاقتصادية وإفراطه في الرهان على الاتفاق النووي، فضلًا عن معارضة خامنئي والمؤسسة المحافظة له. وكان خامنئي نفسه يتحفظ عن توريث ابنه مجتبى خشية ردة الفعل الشعبية والنخبوية على «الخلافة العائلية»، تمامًا كما قلّلت هذه الحساسية نفسها من فرص حفيد الخميني، السيد حسن، الذي رفض مجلس صيانة الدستور مؤهلاته عند ترشحه عام 2016.

4. الحرب واغتيال خامنئي وتنصيب مجتبى

أمام خطر التفكك تحت وطأة القصف الصاروخي الأميركي-الإسرائيلي، وبعد اغتيال خامنئي في 28 شباط 2026، بادر مجلس الخبراء في خطوة استثنائية إلى انتخاب السيد مجتبى خامنئي (مواليد 1969) مرشدًا أعلى جديدًا، بدعم واضح من الحرس الثوري الذي بات اللاعب الأقوى خلف واجهة مدنية براغماتية يمثلها بزشكيان وعراقجي. تجاوز هذا التعيين كل المحاذير التقليدية: النفور من فكرة «الخلافة العائلية» في بلد أسقط نظامًا ملكيًا، والطعن الديني في مؤهلات مجتبى الفقهية لعدم بلوغه رتبة آية الله العظمى، وعدم شغله أي منصب عام صريح، وتفضيله إدارة خيوط السلطة سريًا من مكتب والده.

سرعان ما أحاط بالتنصيب غموض استراتيجي كثيف ترفض طهران تبديده؛ إذ أشارت تسريبات غير مؤكدة إلى احتمال تعرّض مجتبى أو محيطه الأمني لاستهداف خلال موجة الضربات، وتتعمد طهران إبقاء هذا الغموض كأداة حرب نفسية وحماية لرأس الهرم، ما ترك منصب الولي الفقيه اليوم محاطًا بأسئلة وجودية حول مصيره الفعلي.

5. المعضلة الدستوريّة

كرّس صعود مجتبى، بالتوازي مع ممارسة «قيادة جماعية» فعلية لمهامّها الميدانية، واقعًا سياسيًا يتجاوز الأطر التقليدية لدستور 1979 وتعديلات 1989. فبعد وفاة الخميني، عُدِّلت المواد 5 و107 و109 من الدستور: حُذِف شرط المرجعية الدينية عن منصب الولي الفقيه، ووُسّعت صلاحياته إلى «ولاية مطلقة»، ودُمجت رئاسة الوزراء برئاسة الجمهورية.

ففي الدستور الأول (24 تشرين الأول 1979)، نصّت المادة الخامسة على أن ولاية الأمر وإمامة الأمة «بيد الفقيه العادل المتقي البصير بأمور العصر… ممن أقرت له أكثرية الأمة وقبلته قائدًا لها»، وفي حالة عدم إحراز أي فقيه لهذه الأكثرية «فإن القائد أو مجلس القيادة المكون من الفقهاء الحائزين على الشروط المذكورة يتولون هذه المسؤولية». أما في التعديل (28 تموز 1989)، فاكتفت المادة الخامسة بأن ولاية الأمر بيد «الفقيه العادل المتقي البصير بأمور العصر… وفقًا للمادة 107»، محذوفًا منها شرط «إقرار أكثرية الأمة». وفي المادة 107، نصّ دستور 1979 على أن الفقيه الحائز على «إقرار واعتراف الشعب بأكثريته الساحقة» تكون له ولاية الأمر، وإلا فإن الخبراء المنتخبين «يعيّنون ثلاثة أو خمسة مراجع» ليكونوا «مجلس القيادة»؛ بينما نص تعديل 1989 على أن الخبراء يدرسون ويتشاورون بشأن الفقهاء الجامعين للشروط، ومتى ما شخّصوا فردًا منهم- سواء بالأعلمية أو بتأييد الرأي العام أو بصفة بارزة من صفات المادة 109- «انتخبوه للقيادة»، وإلا «ينتخبون أحدهم ويعلنونه قائدًا». أما المادة 109، فاشترطت في دستور 1979 «الصلاحية العلمية والتقوى اللازمتين للإفتاء والمرجعية»، بينما اكتفى تعديل 1989 بـ«الكفاءة العلمية اللازمة للإفتاء في مختلف أبواب الفقه»، مع تفضيل من يملك «رؤية فقهية وسياسية أقوى» عند تعدّد المرشّحين.

إسقاط هذه المواد على واقع 2026 يكشف عن معضلة مزدوجة: فمن جهة، أثار ترشيح مجتبى نقاشًا واسعًا حول مدى انطباق شرط «الكفاءة العلمية للإفتاء» عليه، كما أنّ غيابه عن الفضاء العام يتناقض مع اشتراط «تأييد الرأي العام» الوارد في المادة 107. ومن جهة أخرى، ألغى دستور 1989 صراحةً صيغة «مجلس القيادة الجماعي» وحصر السلطة في فرد واحد، إلا أنّ واقع الغموض العسكري بعد اغتيال خامنئي فرض عمليًا نمطًا من القيادة الجماعية غير الرسمية موزَّعة بين الرئاسة والحرس الثوري والسلطة القضائية ومكتب المرشد، بلا سند دستوري صريح. اختار النظام بذلك «البقاء السياسي» على حساب «الجمود الدستوري»، فبات الدستور في حالة تعطيل وظيفي فعلي لصالح قرارات مجلس القيادة المشترك.

6. سابقة 1989: كيف انتقلت القيادة إلى علي خامنئي

هذه ليست المرة الأولى التي تواجه فيها الجمهورية الإسلامية معضلة الخلافة بلا مرشح يملك المؤهلات الكاملة. ففي الأيام الأولى للثورة كانت أسماء كبيرة تحظى بثقة الخميني وبشعبية واسعة، لكن حرب منظمة مجاهدي خلق على النظام الوليد أطاحت بعدد كبير منها: رئيس الجمهورية محمد علي رجائي ورئيس الوزراء محمد جواد باهنر اغتيلا في تفجير مكتب رئاسة الوزراء عام 1981، ورئيس السلطة القضائية محمد بهشتي وسبعون من كوادر الثورة قضوا في تفجير مقر الحزب الجمهوري الإسلامي في العام نفسه، إضافة إلى اغتيال آية الله مرتضى مطهري على يد جماعة فرقان، ووفاة إمام جمعة طهران آية الله محمود طالقاني. كما تحطمت في 29 أيلول 1981 طائرة عسكرية أودت بحياة كبار القادة العسكريين: رئيس أركان الجيش، ووزير الدفاع وقائد القوات الجوية، وقائم مقام الحرس الثوري، وقائد الحرس في خرمشهر.

أدى هذا الفراغ إلى تعيين الخميني الشيخ حسين علي منتظري نائبًا له وخليفة معلنًا، ولُقّب يومها بـ«ثمرة حياة الإمام». غير أن منتظري، الذي فقد ابنه محمد في تفجير مقر الحزب الجمهوري، ظلّ محاطًا بجناح متشدّد كان يمثّله صهره هادي هاشمي وشقيقه مهدي هاشمي، مسؤول قسم حركات التحرر في الحرس الثوري. وتحول مهدي هاشمي، الذي أوصى خامنئي نفسه بتعيينه في الحرس، إلى بؤرة صراع بين الحزب الجمهوري ومكتب منتظري، انتهى باعتقاله ثم إعدامه، وسط اتهامات وجّهها منتظري لاحقًا لوزير الاستخبارات محمد ري شهري بأنه سعى إلى «إيغال صدر الإمام» ضد نائبه عبر تقارير يومية عن كل اتصالات مكتبه.

تعمّق الصدام مع فضيحة «إيران-كونترا»، إذ كان منتظري يمثل جناح «تصدير الثورة»، وكان مكتبه، بحسب رواية نجله سعيد الصادرة لاحقًا في كتاب «نقد الذات»، مصدر تسريب خبر زيارة مستشار الأمن القومي الأميركي روبرت ماكفارلين السرية إلى طهران، وهو ما فجّر أزمة داخلية حادّة اتّهم فيها منتظري رفسنجاني بالكذب عليه وبإرسال ضمانات سرية للأميركيين حول الإفراج عن الرهائن في لبنان والحد من تصدير الثورة. أما القضية الأخطر، فكانت موقف منتظري المعلن من حملة إعدامات السجناء السياسيين عام 1988، إذ وجّه للخميني رسالتَيْن احتجاجيّتَيْن، فردّ عليه الخميني عبر نجله أحمد بأنه يتحمل شخصيًا «مسؤولية شرعية» عن فتوى الإعدامات. أدّى هذا الصدام إلى عزل منتظري من منصب نائب الولي الفقيه في 25 آذار 1989، ليموت لاحقًا قيد الإقامة الجبرية، ممنوعًا من الظهور العلني.

في اليوم التالي لوفاة الخميني، اجتمع مجلس الخبراء صباح 4 حزيران 1989 وأدار هاشمي رفسنجاني الجلسة، رغم أنه لم يكن رئيسًا للمجلس، ورشّح علي خامنئي لخلافة المرشد. طُرح بدايةً خيار «مجلس قيادة» من ثلاثة أو خمسة بدلًا من مرشد فرد، تنفيذًا لوصية الخميني ونص الدستور القائم، لكنّ الاقتراح سقط بحصوله على 23 صوتًا فقط من 68 حاضرًا. ورغم اعتراضات فقهية جدية على أهلية خامنئي، الذي لم يكن حتى آية الله، ورغم أن خامنئي نفسه طلب الاعتذار عن المنصب في تسجيلات كُشف عنها لاحقًا واصفًا ترشيحه بـ«الإشكالي من الناحية الفقهية»، نال خامنئي 60 صوتًا من 74 حاضرًا، على أن يكون تعيينه مؤقتًا إلى حين تعديل الدستور. وبعد الاستفتاء على التعديلات في 28 تموز 1989، ثبّت مجلس الخبراء خامنئي مرشدًا دائمًا في 6 آب من العام نفسه بأغلبية 60 صوتًا من 64.

المفارقة أن السابقتين- تنصيب منتظري ثمّ الإطاحة به، وتنصيب خامنئي بعده رغم نقص مؤهلاته - ترسمان نمطًا يتكرر اليوم مع مجتبى: حسم الصراع على السلطة سياسيًا وأمنيًا أولًا، ثم البحث عن غطاء فقهي ودستوري لاحق له.

7. الخلفية الفكرية لمجتبى وغياب أيّ تقارب مع النجف

يظلّ السؤال قائمًا: هل يمثّل صعود مجتبى امتدادًا لنهج والده المتشدّد، أم قد يقترب من مدرسة النجف الهادئة التي يمثلها السيستاني؟ المؤشرات المتاحة ترجّح بوضوح امتداد نهج الأب لا التقارب مع النجف. فنظرية «ولاية الفقيه المطلقة» التي بلورها الخميني تقوم، كما فُصّل أعلاه، على دمج تامّ بين المرجعية الدينية والسلطة التنفيذية؛ في مقابل ذلك تمثّل مدرسة النجف بقيادة السيستاني التيار «الهادئ» الذي يرى دور المرجعية استشاريًا وأخلاقيًا لا سلطويًا مباشرًا.

تتلمذ مجتبى على يد محمد تقي مصباح يزدي، الموصوف بأنه مهندس الأصولية الجديدة في إيران وأبرز منظّري الولاية المطلقة، وصاحب عداء أيديولوجي عميق للولايات المتحدة بوصفها «الاستكبار العالمي». ويُنظر إلى يزدي بأنه العقل الخفي وراء صعود جيل محافظ يمتدّ من أحمدي نجاد إلى مجتبى خامنئي؛ أي أن مجتبى لم يُبنَ فكريًا على تراث النجف الهادئ، بل على أشد تفسيرات الولاية المطلقة تشدّدًا داخل المعسكر الأصولي نفسه. وتعزّز طريقة وصوله إلى المنصب هذا الاستنتاج: وصفت وكالات أنباء دولية تعيينه بأنه تكريس لهيمنة الأجنحة الأكثر تشدّدًا، مشيرةً إلى إشرافه المباشر على الموجات الصاروخية الأخيرة عبر نفوذه الواسع في الشبكات الأمنية والمالية المرتبطة بوالده.

ثمة أسباب بنيوية تستبعد أي تقارب محتمل مع النجف: فمجلس خبراء القيادة الذي اختار مجتبى يتكون بالكامل من رجال دين مؤمنين أصلًا بمبدأ الولاية المطلقة كشرط دستوري للترشح، أي أنّ المؤسسة التي أنتجته هي نفسها حارسة العقيدة الخمينية لا وسيط محايد. كما أن التنافس التاريخي بين قم والنجف على «مركز الثقل الشيعي العالمي» يجعل أي تقارب فكري نحو خط السيستاني تقويضًا للأساس الذي تقوم عليه شرعية النظام الإيراني بأكمله. وأخيرًا، فإن السياق الأمني الراهن- حرب حديثة، اغتيال الأب، احتجاجات داخلية- يدفع المؤسسة نحو التماسك حول الرواية التأسيسية بدل أي مراجعة فكرية قد تُقرأ كضعف إضافي. الاحتمال الأقرب إذن أن يكون مجتبى أكثر التصاقًا بالبعد الأمني- العسكري للمنصب، نظرًا لعلاقته الوثيقة بالحرس الثوري، مقارنةً بالبعد المرجعي- الفقهي الذي مثّله والده جزئيًا بحكم مكانته الحوزوية الأقدم.

بهذا المعنى، فإن أزمة خلافة خامنئي ليست مجرد أزمة شخص أو عائلة، بل كشف عملي لحدود نظرية «الولاية المطلقة» ذاتها حين تُجرَّد من الكاريزما الشخصية وتعتمد فقط على القوة الأمنية والتوريث- وهو بالضبط ما تتفاداه، من حيث المبدأ، الأطروحتان النجفيّتان (ولاية الخوئي المقيدة، وولاية الأمّة على نفسها عند النائيني وشمس الدين)، اللتان لا تراهنان أصلًا على كاريزما فرد واحد بل على معايير فقهية وشعبية أوسع.

أزمة الشرعيّة في النجف: ما بعد السيستاني

تواجه النجف اليوم اختبارها الخاص، وإن كان من طبيعة مختلفة تمامًا. فوفاة الشيخ إسحاق الفياض في 4 حزيران 2026، أحد مراجعها الأربعة الكبار، أضافت طبقة تعقيد إضافية في توقيت حساس إقليميًا، بعد أشهر قليلة من اغتيال خامنئي وما أحدثه من تصدع في مركزية «ولاية الفقيه» كنظرية حكم. فوفاة الفياض اختبار لقدرة النجف على ترميم أطراف بنيتها المرجعية، أما غياب السيستاني المرتقب، فسيكون اختبارًا لمركز البنية ذاتها: هل تستطيع الحوزة إنتاج مرجعية جامعة تملأ الفراغ، أم يتحول غيابه إلى فرصة لإعادة تشكيل المجال الشيعي العراقي وفق خرائط نفوذ جديدة، تشمل فصائل ولائية أو تمويلًا سياسيًا أو حتى محاولات تدخل من طهران؟

من أبرز الأسماء المتداولة: محمد رضا السيستاني، نجل المرجع الراحل، الأوفر حظًا من حيث التأثير والقدرات الفقهية والنفوذ الاجتماعي، لكنّ حوزة النجف تحظر تقليديًا توريث المنصب من الأب إلى الابن، وقد أعلن هو نفسه عدم رغبته في خلافة والده لهذا السبب تحديدًا، وإن كانت بعض القراءات ترى أنّ هذا العائق قد «يذوب» لاحقًا بحكم الضرورة. ورياض الحكيم، نجل محمد سعيد الحكيم الراحل، من عائلة حوزوية كبرى لكنه لا يحمل بنفسه رتبة الاجتهاد المرجعي التي كانت لوالده. والشيخ محمد باقر الإيرواني، الذي طُرح سابقًا كمرشح «مريح» لبعض الأطراف الإقليمية (وُصف بأنه خيار مقبول لدول الخليج تحديدًا). والسيد علي السبزواري، نجل عبد الأعلى السبزواري الذي خلف الخوئي لفترة قصيرة قبل وفاته عام 1993.

وتُطرح ثلاثة سيناريوهات أوسع بصرف النظر عن الأسماء: الأول بروز مرجعية فردية جامعة تحظى بإجماع حوزوي وشعبي واسع، تعيد إنتاج نموذج السيستاني نفسه، وهو السيناريو الأكثر استقرارًا لكن الأصعب تحقّقًا نظرًا لضخامة الفراغ الذي سيتركه. والثاني عودة النجف لنمط تاريخي أقدم من «مراجع متعددين متوازيين» كما كان الحال قبل هيمنة السيستاني الطويلة، ما قد يُضعف قدرة الحوزة على لعب دور سياسي موحّد كما فعلت في لحظات مفصلية (كتابة الدستور العراقي، فتوى الجهاد الكفائي 2014). والثالث، الأكثر إثارة للقلق إقليميًا، محاولات اختراق أو منافسة من «نجف موازية» مدعومة من طهران، عبر فصائل ولائية أو تمويل سياسي، لدفع مرجع أقرب إلى نموذج ولاية الفقيه ليحلّ محلّ النموذج المستقل التقليدي- وهو بالضبط السيناريو الذي يهدّد جوهر ما ميّز النجف عبر تاريخها كله، من النائيني إلى الخوئي وشمس الدين والسيستاني: قدرتها على إنتاج شرعية سياسية لا ترتهن لمركز سلطة واحد خارج عنها.

فالنجف كانت تاريخيًا الثقل المضاد لنموذج «قم- طهران» داخل العالم الشيعي، وأيّ تراجع في استقلاليتها، حتى في ظل إيران أضعف عسكريًا لكنها لا تزال تملك أدوات نفوذ مالية وميليشيوية في العراق، قد يعني أن طهران تسعى لتعويض خسارتها العسكرية والسياسية باختراق رمزي- ديني في المرجعية ذاتها. ولهذا يُنظر إلى ملف «ما بعد السيستاني» كملف استراتيجي إقليمي لا كشأن ديني داخلي محض.

أزمتان تتقاطعان، ونهاية عصرَيْن

تلتقي أزمتا القيادة في طهران والنجف اليوم عند سؤال واحد: هل يمكن أن تستمر الشرعية الدينية- السياسية في الاعتماد على تفرُّد فرد واحد (فقيهًا كان أم وليًا مطلقًا)، أم أن مستقبل التمثيل الشيعي سيميل أكثر نحو نماذج أكثر توزعًا للسلطة، سواء عبر تعدد المرجعيات في النجف، أو عبر أطروحات «ولاية الأمة على نفسها» التي بلورها النائيني وفصّلها شمس الدين؟ فمن مفارقة النجف والشيوعية، إلى قطيعة الصدر وشمس الدين مع حزب الله، إلى تراجع النفوذ الإيراني في العراق وسوريا، إلى هشاشة الشرعية التي وَرِثها مجتبى خامنئي بلا كاريزما أبيه: تتكرر في كل محطة الحقيقة نفسها، وهي أن النماذج القائمة على تفرد السلطة، مهما بدت حاسمة في لحظتها، تصطدم عاجلًا أم آجلًا بحدود اعتمادها على شخص بعينه؛ بينما يظل التراث النجفي الأكثر تعدديةً- من دستورية النائيني إلى مدنية شمس الدين- هو الخيار الأقدر على الاستمرار متى تجاوز لحظته التاريخية الأولى إلى أفق أرحب من «ولاية الأمة على نفسها».

أزمة المرجعيّة والقيادة في العالم الشيعي

اخترنا لك

تحليل

هل يسير العراق نحو بناء الدولة؟

سعود المولى
تحليل

حرب تموز 2006

سعود المولى
ماذا يعني انتخاب مجتبى خامنئي؟
09-03-2026
تقرير
ماذا يعني انتخاب مجتبى خامنئي؟
كيف اغتالت إسرائيل خامنئي؟
03-03-2026
تقرير
كيف اغتالت إسرائيل خامنئي؟
إيران تُعلن اغتيال خامنئي: مرحلة انتقالية تقودها لجنة ثلاثية ووعود بالانتقام

آخر الأخبار

مواد إضافيّة
جلسة تحقيق غداً حملة ترهيب جديدة على الناشطة غنى نحفاوي
إسرائيل تحرق أحراجاً بين جزّين والبقاع الغربي
أزمة المرجعيّة والقيادة في العالم الشيعي
دراسة

أزمة المرجعيّة والقيادة في العالم الشيعي

سعود المولى
قيل هذا الأسبوع: 2- 8 آب
حدث اليوم - السبت 8 آب 2026
زياد الرحباني: حوار في سنويّته الأولى مع المخرج اللبناني محمد سويد
08-08-2026
حديث
زياد الرحباني: حوار في سنويّته الأولى مع المخرج اللبناني محمد سويد