نقد إعلام
جناي بولس وعبد القادر حبق

أكثر من مجرد قصة

من «فيكسر» إلى «منتج» كأداة لاستعادة السردية

18 أيلول 2026

هاتف في اليد، صوت خلف الكاميرا

في زمن الحرب والثورة والتظاهرات والظلم، نجد أنفسنا نرفع الكاميرا لنوثّق ونصوّر الأحداث من حولنا. هاتف محمول في أيدينا، وصوت خلف الكاميرا. تحوّلنا، من دون أن نقرّر ذلك، إلى حاملين لقصص وأخبار، وبتنا جميعًا، كلّ من موقعه، نوثّق ما يحدث في بلادنا. أحيانًا، بصفتنا صحافيين أو صحافيين مواطنين، يتحوّل هذا التصوير إلى مادّة تُعرض على شاشات عالمية، جزءاً من تقارير أو أفلام وثائقية، لتصبح معاناتنا موادّ وقصصًا تملأ نشرات الأخبار وتنتشر على مواقع التواصل الاجتماعي. نعتقد، أو نريد أن نعتقد، أنّ ذلك يساهم في إيصال صوتنا، ومن ثمّ في تغيير الرأي العام المجتمعي. وأحيانًا، نسمح لأنفسنا بالحلم بتغيير سياسي.

«عصافير الحرب»

هذا ما آمنّا به واستخدمنا أرشيفًا التقطناه في لحظات لم يكن بإمكاننا فعل شيء سوى التصوير لتوثيق الأحداث. فمن عام 2011 حتّى 2025، كانت الكاميرا طريقتنا، مثلما كانت لكثيرين غيرنا، للتعامل مع الثورات والحروب في لبنان وسوريا. وكانت الكاميرا رفيقتنا في المنفى، ووسيلتنا لتوثيق حياتنا بينما نعيش شعور «ذنب الناجي»، ذلك الشعور الذي يعيشه كلّ مغترب يشاهد بلاده تحترق بالحروب وهو عاجز عن التواجد فيها. قرّرنا جمع هذا الأرشيف، الممتدّ من عام 2011 حتّى اليوم والذي يتضمّن لقطات من لبنان وسوريا، من الثورة اللبنانية والثورة السورية ثم الحرب، ومن سنوات المنفى وحياتنا في بريطانيا، لإحداث تغيير. فحوّلنا حياتنا إلى وثائقي، «عصافير الحرب»، عُرض للمرّة الأولى في مهرجان صندانس 2026 ونال جائزة لجنة التحكيم الخاصّة للتأثير الصحفي. يروي الوثائقي قصّة حبّنا عبر ثلاثة عشر عامًا من الأرشيف الشخصي. سويًا أخرجناه وأنتجناه بتحكّم تحريري كامل منّا، فلم نعرضه أو نطرحه على أي جهة بثّ أو قنوات طوال سنوات الإنتاج الثلاث، وحافظنا على سريّته، وأبقينا فريق العمل صغيرًا، ووجّهنا خطّة التمويل نحو جهات تدعم قضيّتنا ومشروعنا لكي لا تفرض شروطها علينا. فأصبح الوثائقي طريقتنا لإظهار قصّتنا ولنقول أيضًا إنّنا لسنا مجرّد قصّة.

حياتنا موضوعاً للاستهلاك

جاء هذا القرار كردّة فعل على تلاشي السيطرة التحريرية التي يمتلكها أصحاب التجربة المعاشة حينما يتشاركونها مع القنوات أو المنتجين أو غرف الأخبار الأجنبية. فتُحوِّل العملية التحريرية هناك حياتنا إلى مواضيع مستهلكة. وذلك لسببَين متشابكَين. فمن جهة، هناك سياسات تحريرية داخلية تفرضها القناة أو المؤسّسة نفسها، أحيانًا انسجامًا مع سياسة بلدها الخارجية، وأحيانًا خوفًا من مساءلة أو حساسية سياسية. ومن جهة أخرى، هناك مَن يموّل هذه المؤسّسات، وله أجندته الخاصّة التي تنعكس، ولو بشكل غير مباشر، على ما يُقال وما يُحذَف. فتصبح قضايانا وحياتنا تحت مجهر تحكمه هذه السياسات المزدوَجة. فإمّا يتمّ تبرير عمليّات القتل والحروب التي تحصل، وإمّا يأتي خبراء ليحلّلوا ما سيحصل بنا، وكأنّنا موضوع دراسة لا أناس ولا حيوات. أما نحن، الذين نعيش التجارب، فعادّةً نبقى طَي النسيان، لتتحوّل حياتنا وتجاربنا وحتى تصويرنا إلى عناوين عابرة تُنسى مع تغيّر اهتمامات الأخبار إلى موضوع آخر. ما يبقى منّا يُختزَل حين يُنظَر إلينا كأنّنا أدنى مرتبةً، مجرّد «أهل الحرب»، لا أفرادًا لهم تجربة معيشية كاملة تستحق أن تُروى كما هي.

مَن يمتلك الحقّ برواية القصة؟

وهنا نتساءل، هل نحن أصحاب قصّتنا، نسيطر عليها ونرويها كما نريد، أم أنّنا مجرّد مادّة خام تُعاد صياغتها لتخدم أجندة لسنا نحن من يضعها؟

التصوير الذي نملكه، والذي نخاطر أحيانًا بحياتنا لالتقاطه، دليل وذاكرة في آنٍ واحد، وهو، إذا أُحسن التعامل معه، وسيلة بقاء. لذلك لا يجب أن يُترك لجهات تقرّر عنّا كيفية رواية قصّتنا. حقوق الموادّ والأرشفة ليست تفصيلاً تقنيًا، وكذلك السياق التي تظهر فيه هذه اللحظات والتجارب. فعلينا السيطرة على كيفية إنتاج قصصنا وسرديتنا. وهذا يبدأ من طريقة عملنا مع الجهات الإعلامية والإنتاجية الخارجية.

غرف الأخبار تعتمد على الصحافي المحلّي، أو المراسل غير الرسمي، أو ما يسمّونه «الفيكسر»، الذي يعطيهم كل ما يحتاجونه ليصنعوا فيلمًا أو تقارير من دون مشاركة هذا المصدر في القرار. فنرى هذا النمط في تقارير موقّعة من مراسلين دوليين كبار، على حساب أي وجود لكلّ من كان على الأرض. فنصبح نحن، أصحاب القصّة، مصادر لإنتاجات لا نملك حقوقها. وهذه الأوصاف، التي نعيش ونعمل تحتها ليست أوصافًا محايدة، بل ألقاب وظيفية تمحونا بهدوء، وتحدّد من يُنسب إليه العمل، ومن يُدفع له، ومن يُترك وحيدًا حين تشتد المخاطر. وهذا النمط لا يتكرّر في فيلم واحد أو قصّة شخص واحد، بل في المنطقة بأكملها، من فلسطين إلى سوريا إلى لبنان. مَن يحمل الكاميرا في قلب الحدث يُستدعى حين تحتاج غرفة الأخبار إلى «لقطة من الميدان»، ثم يُنسى بمجرد أن تُبَث.

لفهم كيف نصل إلى هذا الموقع، لا بدّ من فهم السلسلة التي تمرّ بها موادنا. حين تُرسل لقطة أو شهادة من جنوب لبنان أو غزّة إلى غرفة أخبار في لندن أو نيويورك، تدخل في سلسلة قرارات لا نراها ولا نشارك فيها. مَن يقرّر أنّ هذه اللقطة «تستحق البث»؟ ومن يحرّرها ويعيد قصّها؟ ومن يوزّعها على منصّات أخرى من دون علمنا أحيانًا؟ نادرًا ما تكون هناك متابعة بعد البث، أو حقّ للرد إن أُسيء تأطير القصّة، أو حتى تحقّق فعلي من صحّة ما استُخدم قبل نشره. وهذا الضعف في السيطرة على القصّة يمتدّ على وضع «الفيكسر» في الميدان. ففي معظم الأحيان، لا يتمّ تقديم ضمانات أمنية أو تدريبات سلامة، أو حتى إمدادات مادّية ومعنويّة كافية للقيام بعملنا على مستوى موازٍ مع الصحافي أو المنتج الأجنبي. فالمسألة، في جوهرها، ليست فقط في من يهتم بمنطقتنا، بل في من يملك الحق والقدرة في روايتها.

من «فيكسر» إلى «منتج»

قد يبدو الحل، للوهلة الأولى، مرتبطاً بمسألة شروط التعاقد، مثل تقديم «كريديت» أو أجر عادل أو حق مراجعة قبل النشر. هذه أمور مهمّة لكنها في جوهرها، أعراض لمشكلة أعمق. فالقضية الحقيقية هي في كيفية تحديد رواية قصص فلسطين وسوريا ولبنان للعالم. حين تُختصَر عقود من الألم والصمود والمقاومة إلى «لقطة قوية»، أو قصّة يطغى عليها تقييم المجتمع الأجنبي، فإنّ ما يتمّ التضحية به ليس فقط اسمنا تحت الصورة، بل كيفية تسجيل تاريخنا وروايته. في زمن الاحتلالات وسلب الأراضي ومقتل المجتمعات، معركة السردية تصبح جوهرية. 

من هنا أهمّية التحوّل من «فيكسر» إلى «منتج»، ما يحوّل شروط إنتاج السردية، ليحوّل الصحافيين من وسطاء لوجستيين إلى مؤلّفين مشاركين بقرار الإنتاج، وبالتالي لإعادة السيطرة على طبيعة القصص التي تُروى.

لا تبدأ هذه المعركة من الصفر. فهناك اليوم اتّفاقية نموذجية وضعها تحالف ACOS Alliance بالتعاون مع Frontline Freelance Register ومؤسّسة سمير قصير، ومتوفّرة بنسخة عربية. تأَسّس هذا التحالف نفسه عام 2014 بعد اختطاف وقتل الصحافيَّين المستقلَّين جيمس فولي وستيفن سوتلوف أثناء تغطيتهما للحرب في سوريا، الحرب ذاتها التي كان «حبق» يوثّقها من الداخل. العقد إذًا ليس ورقة إجرائية، بل ثمرة ثمن دفعه صحافيون مستقلّون بحياتهم، ويحدّد بوضوح ما يجب أن يتضمّنه أي اتّفاق قبل أن نوقّعه. فقبل توقيع أي اتفاق، يجب تحديد ستّة أمور بوضوح: 

  1. الكريديت: هل يُكتب اسمنا بصفة «منتج»، أو «فيكسر»؟ وهل يبقى هذا التوثيق موجودًا حتى لو أُعيد توزيع المادة لاحقًا؟
  2. الملكية: هل نبيع حقوقنا بالكامل، أم نمنح ترخيصًا مؤقّتًا فقط؟ ولأي استخدامات، ولأي مدة؟
  3. الدفع: كم المبلغ؟ بأي عملة؟ في أي موعد؟ ومن يدفع تكاليف التحويل؟
  4. إعادة الاستخدام: إذا أُعيد استخدام المادّة أو بيعها لجهة أخرى، هل نُدفَع مرّة ثانية؟
  5. الاستشارة والرد: هل نرى القصّة قبل نشرها؟ وهل لنا حق الرد إذا أُسيء تصويرنا؟
  6. السلامة: مَن يتحمل المسؤولية القانونية إن تعرّضنا للخطر أثناء العمل أو بسببه؟
    هذه ليست شروطًا نخترعها، بل معايير موجودة بالفعل، ويمكن لأي منّا أن يقيس عليها أي عرض عمل قبل أن يوقّع.

التدريب والسلامة

نحتاج إلى تدريب سلامة حقيقي، ومعدّات حماية، ودعم نفسي، لا أن نُترك لتدبير أمرنا وحدنا في الميدان. معظم مَن يُقدّم هذا التدريب هي مؤسّسات تُعنى بحريّة الصحافة، تُموَّل غالبًا من جهات دولية داعمة لحقوق الصحافيين، لا من الحكومات أو الشركات الإعلامية التي تستفيد من عملنا. وهذا تحديدًا ما يجعل هذه الموارد موثوقة نسبيًا. فتمويلها مرتبط برسالة حماية الصحافيين، لا بأجندة تحريرية أو تجارية. والكثير ممّا نحتاجه موجود بالفعل، وغالبًا مجّانًا، وفي بيروت تحديدًا. مؤسّسة سمير قصير ومنظّمة SKeyes تقدّمان دورة سلامة مجّانية مدّتها أربعة أيام، بالعربية والإنجليزية، بالشراكة مع ACOS Alliance وGulf Centre for Human Rights وRory Peck Trust، تغطّي الإسعافات الأوّلية، والأمن الرقمي، والسلامة النفسية، مع أولوية للصحافيين المستقلّين. كما يوفّر المركز الإقليمي لحريّة الصحافة التابع لمنظّمة «مراسلون بلا حدود» في بيروت معدّات حماية شخصية وحقائب إسعافات أولية وبطاريات طاقة شمسية، إضافةً إلى دعم نفسي وتدريب على الأمن السيبراني والحماية القانونية. وهناك أيضًا مِنح طوارئ وكورسات تدريب من Rory Peck Trust لمن يمرّ بأزمة أو يحتاج إلى تدريب لا يقدر على تحمّل تكلفته. فالمشكلة إذًا ليست في غياب هذه الموارد، بل في أنّ العرض موجود ولا يصل: كثيرون لا يعرفون أنّها موجودة أصلًا. 

الأرشفة: كيف نحمي ما وثّقناه

نحتاج، أخيرًا، إلى أن نتحكّم بمصير ما نوثّقه بعد أن ننتهي من تصويره، لا أن يضيع في هاتف أو يُنسى في حاسوب. وهنا تحديدًا تصبح الأرشفة نفسها أداةَ مقاومة، لا مجرّد أرشيف. دليل «الفيديو كدليل» الذي أصدرته منظّمة WITNESS وُلد من تجربة سوريا، من لقطات الغوطة عام 2013، حين وثّق ناشطون آثار هجوم كيميائي على مدنيين. لكن تلك اللقطات، رغم قسوتها، لم تكن كافية قانونيًا لإثبات مَن يتحمّل المسؤولية. ومنذ ذلك الحين، بات هناك ساعات لتوثيق الحرب على سوريا على يوتيوب، تفوق ساعات الحرب نفسها، لكنّها لا زالت عاجزة عن الوصول إلى قاعة محكمة. وهذا يعود لفقدان المعرفة في كيفية التقاط اللقطة بالشكل الذي يحفظ قيمتها كدليل. هناك أيضًا «بروتوكول بيركلي» الخاص بالتحقيقات الرقمية مفتوحة المصدر، وتطبيقات مثل ProofMode التي توثّق أصالة اللقطة لحظة التقاطها، وكلها أدوات تجعل موادنا قابلة للاستخدام أمام المحاكم وهيئات المساءلة، لا أن تبقى مجرّد لقطة عابرة في نشرة أخبار.


استعادة ملكيّة سرديّة هذه المنطقة ليست مطلبًا فرديًا، ولا مطلب صحافي واحد أو صانع أفلام واحد. إنّها مطلب جماعي، يخصّ كل من رفع كاميرا ولا يزال يرفعها يومًا ليوثّق ما لا يريد العالم أن يراه، أو ما يريد العالم أن يراه على طريقته وحسب. تبدأ هذه الاستعادة برفض الشروط التي بموجبها تتحوّل تجربتنا المعيشة وذاكرتنا وحياتنا، إلى مادّة يُعاد تشكيلها في غرفة تحرير أخرى. نحن لسنا مجرّد قصّة تُروى، بل أصحاب القصّة، وحان الوقت لأن نرويها.

آخر الأخبار

مواد إضافيّة
تلّة علي الطاهر: قبل وبعد 1,100 طنّ من المتفجّرات
18-09-2026
تقرير
تلّة علي الطاهر: قبل وبعد 1,100 طنّ من المتفجّرات
نقد

أكثر من مجرد قصة

جناي بولس وعبد القادر حبق
محكمة أميركية تدين سمير عثمان الشيخ: السجن 60 عاماً لجلّاد سجن عدرا
نتنياهو يستثمر عمليّة البيجر في سباقه الانتخابي
تعليق

من الموسيقى إلى السينما ودور النشر والجامعات الغربية

زياد ماجد
حدث اليوم - الخميس 17 أيلول 2026
17-09-2026
أخبار
حدث اليوم - الخميس 17 أيلول 2026