فلسطين موضوع الفرز
يتزايد في الأشهر الأخيرة، بموازاة تراجع التظاهرات الحاشِدة دعماً للحقّ الفلسطيني في تقرير المصير في العواصم والمدن الغربية، حضور فلسطين في المحافل الفنّية والثقافية والرياضية وفي بيانات الكتّاب والموسيقيين والسينمائيين. ويندر أن يمرّ أسبوعٌ من دون أن يتحوّل الموقف من الإبادة الإسرائيلية أو من حرية الفلسطينيين إلى قضيّة فرز وسجال وتغطيّة إعلامية في معظم الدول الغربية مع مقالات ونقاشات، فيها بالطبع الغث والسمين.
فبعد الضجّة التي أحدثها انسحاب إسبانيا وإيرلندا وسلوفينيا من مسابقة «أوروفيزيون» الموسيقية العام الفائت اعتراضاً على مشاركة إسرائيل، أعلنت هولندا بدورها الانسحاب هذا العام، ويُرجَّح أن تنسَحب دولٌ أخرى، بما حوّل ويحوّل النقاشات حول المشاركة أو المقاطعة بسبب جرائم إسرائيل إلى موضوع إعلامي– سياسي أوروبي يغطّي على المسابقة ذاتها ومضمونها.
الأمر نفسه طغى على حفلات لموسيقيين وفرق أوركسترا جرت مقاطعة عروضها أو انسحاب أفراد منها بسبب صمتها عن جرائم إسرائيل أو إقامتها حفلات فيها، بما دفع صالات كثيرة في فرنسا مثلاً إلى إلغاء فاعليات أو تأجيلها خوفاً من التظاهرات والاعتصامات أمامها وتجنّباً لوسم الصالات المعنية بالتطبيع مع الإبادة.
ولا يشذّ ما يجري اليوم مع إد شيران في الولايات المتّحدة عن كل هذا، ليس فقط لأن ماكلمور، فنّان الراب الذي كان يرافقه في جولته الأميركية الكبرى قد مُنع من الاستمرار بسبب مناداته بحرّية فلسطين بعد انتهاء أدائه في الحفلة الأولى، بل لأن معظم من حاول شيران والصالات المتعاقدة معه جذبهم ليحلّوا مكان ماكلمور رفضوا، ولأنّ عدداً من موسيقيي شيران نفسه أعلنوا انسحابهم من جولته، ولأنّ النتائج على وسائل التواصل الاجتماعي جاءت مذهلة، وتعكس موازين القوى الجديدة داخل الجيل الشاب. فمقابل انسحاب أكثر من ربع مليون متابع من صحفة شيران على إنستاغرام، حصل ماكلمور على أكثر من مليون ونصف المليون متابع جديد (خلال 48 ساعة فقط) من باب التأييد والشكر له على مواقفه. وشكّل انضمام فنّانين معروفين إلى الحملة ضد جُبن شيران وتحيّتهم لماكلمور عنصرَ ضغط إضافي على المغنّي الأميركي الشهير، محوّلاً فلسطين إلى مسألة الفرز وموضوع النقاش بين ملايين المهتمّين ومئات الفنانين.
الكتب والبرامج الثقافية
إذا كان عالم الموسيقى هو الأبرز لناحية عدد مَن يتابعون المواقف فيه ويعرّفون الفنّانين اليوم بناء على ما يقولونه في الشأن الفلسطيني، فإنّ عالم الكتب وبرامج الثقافة لا يقلّ ارتباطاً بفلسطين وبما يُقال حول حرب الإبادة الإسرائيلية فيها. وتكفي جولة على مواقع بيع الكتب باللغتين الإنكليزية والفرنسية للوقوف على عدد المطبوعات المُرتبطة بالتاريخ أو الراهن الفلسطيني الصادرة في السنتين الأخيرتين، وعدد الندوات في المكتبات والمسارح والجامعات التي تتناول الشأن الفلسطيني، والتي يتخطّى عددها على الأرجح أعداد مثيلاتها حول قضايا العالم الأُخرى مجتمعة.
ويصل الأمر إلى ذروته في البرامج التلفزيونية الثقافية، التي كلّ ما تناولت فلسطين تسبّبت على مدى أسابيع تليها بنقاشات وسجالات تصل أحياناً حدّ حذف القناة التلفزيونية للحلقة عن موقعها، لتجعل منها الأكثر مشاهدة على المواقع التي سبق أن سجّلتها خشية الحذف، وليصبح تداولها مليونياً، يعيد النظر إلى غزّة والضفّة والقدس، المحجوبة عن التغطية الإخبارية «الماينستريم»، التي لا يجبرها على تناول «العنف» غالباً سوى عدّاد ضحاياه في يوم واحد.
ولعل قضية الممثّلة والكاتبة الفرنسية أديل هاينيل، إحدى مُطلقات حملة «Me Too» في فرنسا، في أبرز برامج الثقافة على القناة الفرنسية الخامسة «المكتبة الكبرى»، قد جسّدت الأمر قبل أسبوع. فبعد أن ندّدت هاينيل بالتواطؤ الفرنسي مع الإبادة الإسرائيلية في غزّة في ختام الحلقة، حذَفَت إدارة التلفزيون الحلقة بأكملها، ليصبح فيديو هاينيل فيها، المنقول إلى مواقع التواصل، الأعلى مشاهدة في تاريخ البرنامج بأسره.
السينما والمقاطعة و«نازا»
شكّلت المهرجانات السينمائية وصناعة الأفلام ساحة صراع رئيسية تاريخية بين تيارات فكرية مختلفة وحول قضايا اجتماعية وسياسية متنوّعة. ولا مبالغة في القول إنّ فلسطين صارت اليوم أبرز هذه القضايا، ليس فقط لنجاح بعض الأفلام المتناوِلة تاريخها أو حاضرها أو جوانب من قصص أهلها ومن سيَر الضحايا فيها، بل أيضاً للحوارات والصدامات والسجالات التي ترافق الأفلام أو حملات المقاطعة للإسرائيليين، أو حتّى ردود الفعل على الصور والتوثيق ومسائل الهَويّة والمشروعية الأخلاقية.
وبعد أن أثارت أفلام «No other Land» (لباسل عدرا ويوفال أبراهام وحمدان بلّال وراحيل شور) و«ضَع روحك على كفّك وامشِ» (لسبيدى فارسي) أو «صوت هند رجب» (لكوثر بن هنية) ضجّة كبرى عند بثّها وتوزيعها، إن لجهة أخلاقياتها (في حالة تتبّع فارسي ليوميات الصحافية والشاعرة الفلسطينية فاطمة حسونة التي قتلها درون إسرائيلي مع عائلتها بعد أن صدر الإعلان عن عرض الفيلم عنها في مهرجان كان)، أو لجهة منحها الأوسكار للشراكة الفلسطينية الإسرائيلية فيها (في حالة No other land الذي ربما ما كان ليُمنح الجائزة من دون الشراكة المذكورة)، أو لجهة التعويض الغربي عن الموقف السياسي الفاعل بتعاطف وانفعال تجاه مأساة طفلة في فيلم مزج الأصوات الحقيقية بالتمثيل (كما في الاحتفاء بعمل بن هنية)، بعد كل هذا وسواه، تدور منذ عرض «نازا» للاسرائيليين أبراهام وشور نقاشات بعضها عميق، والبعض الآخر تتسبّب به سهولة الأحكام السائدة. ذلك أن الفيلم المذكور، يوثّق للإبادة في غزّة للمرّة الأولى من منظور وشهادات مرتكبيها. فأبراهام وشور، اللذان لا غبار على مواقفهما السياسية المعادية للاحتلال والاستيطان والفصل العنصري المصرّح عنها منذ سنوات سابقة للإبادة، حصلا على ترحيب من الأكثر حفاوة في تاريخ المهرجانات، وظهّرا في فيلمهما عبر مقابلات مع ضبّاط وجنود وعبر وثائق وتصريحات حول «قتل المدنيين» وحول «الأضرار الجانبية» للحرب على «حماس»، كيف قتلت إسرائيل عشرات آلاف الأطفال والنساء والرجال في غزّة عن عمد أو عن قرار بعدم السعي لتجنيبهم تداعيات القصف والحصار والعمليات العسكرية. ولا شكّ أن فيلمهما هذا الذي شاركت في إنتاجه جريدة «غارديان» البريطانية يُعَدّ وثيقة تاريخية وقانونية هامّة لا معنى لأي تشكيك بها. كما لا منفعة من جعل التصفيق لهما محور النقاش والشجار حول «الضمير الغربي» الذي يحتفي خلال وقوع مذبحة، لم يفرض أو لم يسعَ لفرض وقفها، بفيلمٍ عنها. فبالمحصّلة، يوصل فيلمهما رسالته حول مسؤولية الجيش والدولة في إسرائيل عن الإبادة وليس حول مسؤولية المرتكبين الميدانيين لها فحسب. لكنه مشروعٌ بالتأكيد التساؤل عن مدى قابلية المؤسّسات الغربية ووسائل إعلامها الكبرى للتعامل مع الفيلم إياه بنفس الطريقة فيما لو كان مخرجوه فلسطينيين. ومشروع أيضاً النقاش في استغلال الفيلم نفسه من قبل بعض داعمي الإبادة للقول بالتنوّع والديمقراطية في إسرائيل رغم كل شيء، في حين أنّ الجميع يعلم مدى هامشية أبراهام وشور في المجتمع الإسرائيلي حالياً الذي تؤيّد أكثرية ساحقة فيه جميع أشكال العنف ضدّ الفلسطينيين وتنزع عنهم الأنسنة، بما يُبيح القتل والحرق والتعذيب والتجويع الذي يتعرّضون له منذ سنوات.
وثمة الكثير ممّا يُقال أو يُضاف إلى ما ورد، إن في ما خَصّ الجامعات الغربية وطلّابها و«جيل غزة» الناشط داخلها، أو في ما خصّ النقابات وأحزاب اليسار ونقاشاتها وبرامجها، أو في ما يتعلّق بندرة خلوّ مدرّج كرة قدم أوروبي (باستثناء ألمانيا وبعض دول أوروبا الشرقية) من الأعلام الفلسطينية، ومن تحيّة نجوم أحياناً لها (خاصّة في الدوري الإسباني وبين لاعبي بطل العالم 2026). فنحن أمام مشهد عالمي جديد يمكن مع الوقت أن يتخطّى مشهد «حرب فييتنام» ومشهدية التضامن مع الكفاح الجنوب أفريقي ضدّ نظام الأبارتيد (حليف إسرائيل الوثيق وقتها)، وأن يتصاعد في مواجهة تصاعد التوحّش الإسرائيلي وقلّة الحزم الأوروبي (والعربي الرسمي) معه.
وهذا لن يوقف القتل بالتأكيد. لكنه يؤسّس حكماً لتغييرٍ في التعامل مع القتَلة ومريديهم، في المقبل من السنوات.