تعليق ثقافة
خليل الحاج علي

إغلاق مسرح «زقاق»

هل انهار نموذج الإنتاج الثقافي المستقلّ في لبنان؟

27 تموز 2026
من العرض المسرحي «في عين القلب: مشروع الحب». مسرح «زقاق»، 2020. تصوير: ماريان قرطباني.

تبدو الكتابة عن لحظة لبنانية محدّدة، مهمّة شبه مستحيلة. فاللحظة نفسها سرعان ما تتغيّر، والزمن ليس محايدًا، بل جزء أساسي يعيد تشكيل أيّ سياق، بما فيه السياق الصحفي والثقافي. حين أُنجز هذا التحقيق، كان مسرح «زقاق» يستعد للإغلاق في منطقة «الكرنتينا»، بيروت، بعد أكثر من عشر سنوات على افتتاحه. أُعدّت المادة الصحافية لمواكبة اللحظة، لكنّ تجدّد الحرب الإسرائيلية على لبنان مع بداية شهر آذار الفائت، ألغى فعاليات الاختتام، وأرجأ نشر التحقيق.

اليوم، تُعاد قراءة هذه المادة في سياق أكثر تعقيدًا، تشكّل بفعل انتفاضة 17 تشرين، والانهيار الاقتصادي، وجائحة كورونا، وانفجار المرفأ، وحرب عام 2024، ثم جاءت حرب عام 2026 لتضاعف الضغوط على شروط استمرار الحقل الثقافي المستقل في لبنان.

ودّعت المدينة مسرح «زقاق» قبل أشهر، لكنّ هذه النهاية تعيد التذكير بفضاءات ثقافية سبقتها إلى المصير نفسه، مسرح «بابل» عام 2016، وفضاء «مانشن» في زقاق البلاط عام 2023، وغيرهما من الفضاءات التي حاولت بناء مساحات مستقلة للإنتاج والتجريب، فيما تبدو فضاءات أخرى على المحكّ. لذلك، لا يمكن اعتبار ما جرى مجرّد خبر إداري يخصّ فرقة مسرحية بعينها، بل علامة على تحوّل في المشهد الثقافي، ودعوة لإعادة التفكير في البنى التي قامت عليها المساحات الثقافية المستقلة، والبدائل الممكنة لاستمرارها.

على مدار عشرين عامًا، بدا النموذج الذي اعتمدته فرقة «زقاق»، نموذجٍاً يُحتذى به ليس في لبنان وحسب، وإنما في المنطقة العربية، على مستوى الإنتاج والتدريب المسرحيَّيْن والعمل الثقافي. غير أنّ التجربة اصطدمت بعائقٍ بنيوي لا جمالي: التمويل والاستمرارية. وهنا يبرز السؤال، هل كان كافيًا الابتكار الفني والتنظيمي لضمان البقاء في المسرح، أم أنّ دور «المساحات الثقافية البديلة» في سياق الصراعات بات يقتضي إعادة تعريف شروط وجودها، وآلية عملها، واستدامتها المالية، مما يفرض استجابةً جديدةً للمتغيّرات؟ ويزداد هذا السؤال إلحاحًا اليوم، في ظلّ الحرب التي شنّتها إسرائيل على لبنان هذا العام، والتي فاقمت التحديات في الحقل الثقافي المستقل. 

الفضاء البديل كبُنية تحتيّة للفعل

«صحوة»، «خلق الممكن»، «التفكير الجماعي بالمصير»، «الاستمرارية»، وغيرها من المفردات حكمت خطاب أعضاء ومؤسّسي فرقة «زقاق»: جنيد سريّ الدين، لمياء أبي عازار، مايا زبيب، محمد حمدان، وعمر أبي عازار، في حديثهم معنا، لحظة الإقفال. ورغم كثافة هذه المفردات الإيجابية، إلّا أنها تكشف حجم الضغط الإداري الذي يفرض إعادة التفكير بتآكل شروط الإنتاج الثقافي محليًا، وتراجع الدعم دوليًا. آنذاك، كانت فرقة «زقاق» تتعامل مع قرار الإقفال بوصفه فرصة لإعادة التفكير في نموذج عملها، لا إعلانًا لنهاية التجربة. واليوم، يبقى البحث عن أشكال جديدة للاستمرار جزءًا من التحدي الذي يواجه الفرقة التي ما إن تجد آليات جديدة للاستمرار حتى تصطدم بعوائق أكبر. 

الآن، تعيد فرقة «زقاق» تأطير هذه المفاهيم، ويحاول أعضاؤها تحويل «الخبر الحزين»، بحسب ما يقولون لنا، إلى فرصة جديدة تستجيب للتحوّلات الراهنة. لكن لا يبدو الخطاب الحالي للفرقة تفاؤليًا، بقدر ما هو محاولة لاحتواء الخسارة، وتحويلها إلى فرصة لإعادة تركيب «المنظومة» بدل إعلان نهايتها.

منذ تأسيسها عام 2006، في أعقاب «حرب تموز»، تموضعت فرقة «زقاق» في قلب التحوّلات والصراعات السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي كان يشهدها لبنان. وقد اعتمدت الفرقة آلية عمل أفقية وتشاركية تتقاطع مع ما يصفه الفرنسي باتريس بافي بـ«نموذج الإنتاج الجماعي»، وهو نموذج برز في سبعينيات القرن العشرين ويتيح إبداع الفرد داخل المجموعة، ويعيد اكتشاف الجانب التعاوني للعمل المسرحي.  باتريس بافي، «معجم المسرح»، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2015: ص. 152.

من شقة في شارع في فرن الشباك، عام 2008، تحوّلت إلى مركزِ عملٍ، ومساحةٍ للإنتاج، وصالة صغيرة للعرض، ومكان لإقامة ورش عمل لفنانين/ات محليين وعالميين. كان لدينا هاجسُ إيجادِ مساحة فعلية، أي فضاء يحتضن عملنا ويكون مقرّاً دائماً لنا، يقول العضو المؤسس والمخرج والممثل المسرحي جنيد سرّي الدين، في حديثه معنا.  

في ذلك الوقت، كان أعضاء الفرقة متخرجين من «معهد الفنون الجميلة» في «الجامعة اللبنانية»، قسم المسرح، وبدأوا يتقاسمون الإيجار مع أستاذة التمثيل الراحلة سهام ناصر. تزامنًا مع مرحلة التأسيس (2006- 2007)، كان لبنان يعيش تداعيات الحرب الإسرائيلية آنذاك، فوجد أعضاء الفرقة أهمية لدور الفن في  الدعم النفسي- الاجتماعي. يشير سريّ الدين إلى أن مشروع «زقاق» ارتبط بفكرة إنشاء مساحة لخلقٍ مسرحي، على علاقة مباشرة بالعناصر الاجتماعية والسياسية، وبالإشكاليات المرتبطة بالعيش كأفراد وكجماعة.  

من عرض «Stop Calling Beirut»، مسرح «زقاق»، 2025. تصوير: رندة ميرزا. 

هكذا ظلّ العمل لسنوات متتالية قائماً على إنتاج العروض في المسارح، وتقديم الورش في الفضاءات، وصولًا إلى عام 2016 الذي شكل علامة فارقة، حيث قررت الفرقة المسرحية استئجار مكان أوسع من الشقة في «فرن الشباك»، ووقع الاختيار على فضاء رحب على أطراف حي «الكرنتينا» في مدينة بيروت، تحديدًا المفرق الذي يؤدي إلى منطقة «الدورة»، حيث قرر أعضاء فرقة «زقاق»، قبل عشر سنوات، استئجار مبنى مهجور، وتحويله إلى فضاء مسرحي مستقل، جانبي، هامشي، حظي فيما بعد باهتمام محلّي وعالمي.

الفضاء الجديد، بكل تجهيزاته، لم يكن مألوفًا للغاية في بيروت، درج ضيّق فيه «منافض» للدخان، صالة للعرض، غرفة للقراءات المسرحية والاجتماعات، صالة للرقص والتدريب، «بار» للقهوة والكحول، وشرفة واسعة فيها نباتات خضراء. انصهر «زقاق» مع المدينة، وسرعان ما تحوّل المسرح إلى مساحة آمنة للتجريب، والتركيب، والتفاعل المسرحي. 

انطلق مسرح «زقاق»، في الكرنتينا، عام 2016، وبات يقيم على مدار السنوات اللاحقة، ورش العمل للأطفال، والكبار، والنساء وللفنانين/ات المحترفين وغير المحترفين. أُطلق مهرجان «أرصفة زقاق»، الذي يجمع فنانين/ات محليين ودوليين ضمن برنامج عروض ولقاءات وتبادل خبرات. وتفرّعت عن هذه التجربة مجموعة برامج تدريبية متخصصة، منها «الجيل زاد» الموجّه إلى الفئات الناشئة، و«شرفات زقاق» الذي يقدّم جلسات تدريبية تهدف إلى توسيع مساحات التفكير والعمل الفني. كذلك أُطلق «كواليس زقاق»، وهو برنامج لإعداد مدرّبي المسرح حول تقنيات تصميم وقيادة ورش الإبداع الجماعي والدمج، إلى جانب «ورشة الخلق كفعل» المعنية بالمسرح العلاجي.

لم تنقطع الفرقة عن الإنتاج المسرحي. وصار مسرح «زقاق» مختبرًا متاحًا لها، مما زاد إنتاج المسرحيات والعروض التي تتناول ثيمات كالحب، والموت، والحرب، والجنس، والعنف، بلا أيّ محرّمات. عروض أداء، ورقص، وجسد، وتفاعل حي، لقاءات، ندوات، توقيع كتب، حفلات سهرٍ، وغيرها من الفعاليات الثقافية والفنية، أسست لمشروع مسرح «زقاق». ولا ننسى أنّها ساهمت في تكريس أسماء فنانيين/ت جدد. 

من العرض المسرحي «ثلاث آيات في الوحدة» 2025، مسرح «المدينة». المصدر: Postray  

حافظ مشروع المسرح/ الفضاء على استدامته لعقد من الزمن، حتى 2026، حتى أتى قرار الإغلاق. هل نريد أن نبقى عشر سنوات أخرى في المكان نفسه؟ سأل الأعضاء أنفسهم، وكان الجواب قاطعًا، لا. شعر أعضاء الفرقة بحتمية اتخاذ خطوة جديدة. متطلبات تشغيلية يومية من كهرباء، ومياه، وصيانة، وفواتير بالجملة. السنوات الماضية كانت مرهقة بالنسبة إلى أعضاء الفرقة، في بيئة لا يوجد فيها دعم كافٍ، ولا يحقق الفن مردوداً يغطي تكاليفه، تقول العضو المؤسس والمخرجة وصانعة المسرح مايا زبيب. 

راكمت فرقة «زقاق» رأس مال ثقافياً ورمزياً، وحاولت أن توازيه بحدّ أدنى من الاستقرار الاقتصادي، إلى أن بدأت الهوّة تتسع بين الاثنين، وقد نتج عنها قرار إقفال مسرح «زقاق» الذي لم يكن مجرد إقفال لمساحة ما، بل، بحسب وصف باتريس بافي، مساساً ببنيّة حيّة لكثير من الاختيارات الجمالية والفكرية التي تُسهم في عملية تشكيل وإظهار المعنى.   المرجع السابق. ص. 213 و219.

انطلاقًا من ذلك، يبدو السؤال ملحًا عن خسارة مسرح «زقاق»، كفضاء ثقافي مستقل، كان ينتج معنىً للمدينة بقدر ما كان ينتج عروضًا فوق الخشبة. يقول سريّ الدين لا نستبعد احتمال وجود فضاء جديد، لكننا لا نبحث حالياً عن مساحة بديلة بشكل مباشر. ما نعمل عليه هو إعادة رسم العلاقة بين الفرقة وبرامجها، بطريقة تواكب حاجات اللحظة وتشبهنا اليوم، وتشبهنا أيضاً بعد سنة من الآن. 

نموذج العمل الثقافي: بين الثابت والمتغيّر

لا يبدو الشكل المستقبلي لنموذج عمل الفرقة مكتملًا حتى الآن. فالنموذج النهائي كان لا يزال قيد الاختبار والتحضير، عند الإعلان عن إقفال المسرح. وهو أمر يبدو مشروعًا في عالم يتبدّل بهذه السرعة، حيث لم يعد ممكنًا تقديم أجوبة جاهزة. أصلًا، كيف يمكن تحديد شكل الفن في صيغته الحالية ضمن عالم متحرّك وهشّ ومفتوح على الاحتمالات العسكرية والسياسية والتحولات الاقتصادية التي شهدها لبنان لاحقًا، ولا سيما الحرب وتفاقُم الأزمات الاقتصادية والسياسية. 

البحث لا يزال قائمًا عن منظومة عمل أكثر استدامة وأكثر «إيكولوجية». ورغم صعوبة قرار إقفال المسرح، فقد شكّل، بحسب زبيب، لحظة صحوة وحماسة لخلق ممكن جديد. وكانت النقاشات تدور حول أشكال تعاون أوسع مع مؤسسات وأفراد وفنانين، أو إنتاجات مختلفة، أو طرق جديدة لتوظيف الموارد، بما يجعل الاستدامة أقل هشاشة أمام التحولات السياسية الكبرى وأكثر ارتباطًا بالشبكات المحلية والعلاقات القائمة. كما كان التوجّه نحو اختبار أشكال مختلفة من الحضور، ربما في أماكن أصغر، وربما بإمكانات أقل كلفة، وأقل استهلاكًا للموارد. أضف إلى ذلك أنه خلال العقدين الأخيرين، استطاع أعضاء «زقاق» خلق أرضية ومجتمع فنيين، وهو ما تؤكد مايا زبيب أن الفرقة لن تتخلى عنه. وكان التوجه يتمثل في تطوير النموذج وتوسيعه، بهدف الوصول إلى سياقات مختلفة وجمهور أوسع.

وسط هذا المناخ، لا تتعامل فرقة «زقاق» مع ما يحدث بوصفه أزمة بقاء، بل بوصفه سؤالاً عن الشكل. بالنسبة إليهم، لا يكمن الخطر في تقلّص الموارد وحده، بل في ثبات نموذج عمل الفرقة المسرحي. «فالنموذج الذي لا يتبدّل، يتحوّل إلى عبء على نفسه»، يقول جنيد سريّ الدين. 

من عرض «الجوكر»، 2017، مسرح «زقاق»، تصوير: رندة ميرزا. 

انهيار التمويل، انهيار الاستدامة؟  

منذ إنجاز هذا التحقيق، لم يبقَ المشهد الثقافي على حاله. فالحرب الإسرائيلية التي تجدّدت على لبنان عام 2026 أضافت ضغطًا جديدًا على مؤسسات وفضاءات ثقافية كانت تواجه أصلًا تراجع التمويل، وانكماش الموارد، وصعوبة الاستمرار، ما جعل البحث عن نماذج أكثر مرونة واستدامة مسألة تتجاوز تجربة «زقاق»، لتطال الحقل الثقافي المستقل بأكمله.

ففي بيئة تتآكل فيها شروط الاستمرار، ومع تراجع الدعم العام للفنون حتى في دول كانت تُقدَّم بوصفها نماذج راسخة للسياسات الثقافية، يتجاوز السؤال حالة مسرح «زقاق» ليصبح أوسع: كيف يمكن للعمل الثقافي أن يظل حيّاً من دون أن يتحوّل إلى عبء مؤسساتي ثقيل، أو إلى نشاط هامشي ينتظر منحة عابرة؟ هذا الواقع لا يخصّ الفرقة وحدها، بل يندرج ضمن مشهد عالمي أوسع، «حيث تعاني مبادرات وفرق ومسارح كثيرة في مختلف دول العالم من الظروف نفسها. وبالتالي، من الطبيعي أن يتعثر النموذج الثقافي في هذه المرحلة»، يقول سرّي الدين.

لذلك، يبدو السؤال عن سبل تمويل الثقافة، واستراتيجيات التمويل التي تحقق استدامةً، مشروعًا. يؤكد العضو المؤسس لفرقة «زقاق» محمد حمدان، أنه عادةً ما تعتمد المؤسسات الثقافية على ثلاث ركائز أساسية للاستدامة: 

  • الإيرادات الذاتية، وهي العائدات الناتجة عن الجمهور، مثل بيع التذاكر، وتأجير المساحات للفنانين، وتنظيم مهرجانات وحفلات وأنشطة مختلفة تدرّ دخلاً معيناً.
  • الدعم الرسمي (العام)، وهو ركيزة أساسية في دول كثيرة، خصوصاً في أوروبا مثل فرنسا، حيث يُعتبر تمويل الثقافة جزءاً من السياسة العامة، وعنصرًا فاعلًا في العجلة الاقتصادية.
  • الدعم الخاص، سواء عبر مؤسسات مانحة، أو رعاة، أو نظام تبرعات (Patrons)، كما في الولايات المتحدة، حيث يرتكز ذلك غالبًا على نظام ضريبي محفّز يشجع الأفراد والشركات على دعم الثقافة. 

في لبنان، لا يتوفر أي من هذه الركائز. ويشير حمدان إلى أن تشغيل مسرح «زقاق» جاء ضمن سياق علاقات وشراكات، تحديدًا مع مؤسسة «دروسوس» السويسرية، التي لم تكن مجرد علاقة تمويل، بل شراكة حقيقية مبنية على تقاطع قيَمي. دعمت المؤسسة المسرح على مدى عقد من الزمن، وكان تمويلها يشكل أكثر من نصف الميزانية السنوية تقريباً، وشكل إحدى أبرز  ركائز الاستدامة للفرقة، بالإضافة إلى إيرادات أخرى من الفعاليات التي كانت تُقام في المسرح.  

شكّلت حفلات الدي جي في مسرح «زقاق»، وخصوصاً أمسيات Put On Your Red Shoes مع اللهلوبة ولاري، مساحة آمنة للرقص، ومورد دخل إضافيًا. المصدر: Postray. 

تؤكد أرقام الفرقة، أنه في عام 2019 وصلت الإيرادات الذاتية (تذاكر، تأجير، أنشطة) إلى حوالى 20% من الموازنة العامّة. كان الطموح زيادة هذه النسبة، لكن جاءت الانهيارات المتتالية: الأزمة الاقتصادية، كوفيد، انفجار المرفأ، حرب الإبادة الإسرائيلية، وكلها عطّلت هذا المسار. كذلك، تغيّرت سياسات بعض الجهات المانحة دوليًا بعد جائحة كورونا، والحرب في أوكرانيا، وحرب الإبادة على غزة ولبنان عقب السابع من أكتوبر. بعض المؤسسات أوقفت دعمها للمنطقة، وبعضها غيّر أولوياته الاستراتيجية. لم يتوقف مسرح «زقاق» بالكامل، لكن في حالات عدة لم يُجدّد الدعم أو لم يتم تمديده. كل هذه العوامل أوصلت الفرقة إلى لحظة إعادة التفكير ليس من زاوية الاستدامة المالية، بل من زاوية الممارسة نفسها وعلاقتها بالمحيط. 

تحدّيات الحقل الثقافي الراهن  

يُغلق معلم ثقافي آخر في بيروت. ويبقى في المدينة عدد آخر من المسارح والفضاءات المستقلّة التي لا تزال تعمل. غير أنّ المسألة لا تُقاس بالعدد المتبقي، بل بما تكشفه هذه اللحظة عن موقع «الفضاءات البديلة». 

خلال ورشة مسرحية في مسرح «زقاق» مع مجموعة من الفنانين/ات. تصوير: Postray. 

 

منذ سنوات، تواجه المساحات الثقافية المستقلة في لبنان تقلّصًا متزايدًا في مصادر الدعم، مع تراجع المنح الدولية، وغياب سياسات ثقافية عامة، وصعوبة تحويل الإنتاج الفني إلى نموذج اقتصادي قادر على تأمين استدامته. في المقابل، تستمرّ أشكال الإنتاج الثقافي الأكثر ارتباطًا بمنطق السوق، بما تملكه من قدرة أكبر على الوصول إلى الجمهور وتحقيق العائدات، وتفرض حضورها داخل المشهد الثقافي. 

يمكن قراءة هذا التحوّل من خلال مفهوم «الحقل الثقافي» عند عالم الاجتماع الفرنسي بيار بورديو . فالحقل، بحسب بورديو، ليس فضاءً متجانسًا، بل مجال تتنافس داخله مواقع مختلفة على تعريف الفن المشروع وشروط شرعيّته. ويقوم هذا التنافس على توتّر دائم بين إنتاج يسعى إلى قدر أكبر من الاستقلالية، وإنتاج آخر أكثر التصاقًا بمنطق السوق والسلطة. بيار بورديو، «قواعد الفن»، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 2013،  ص. 177. وفي هذا السياق، لا تبدو أزمة «زقاق» حالة استثنائية، بل تعبير عن تحوّلات أوسع تطال بنية الحقل الثقافي نفسه.

وإذا كان عضو فرقة «زقاق»، محمد حمدان، يشير إلى أن الدعم الثقافي في المنطقة يتجه غالبًا إلى القطاعات ذات الحضور الأوسع أو الـMainstream كالموسيقى والسينما، فإن السؤال لا يقتصر على تقلّص التمويل، بل يمتد إلى قدرة الفضاءات المسرحية المستقلة على إعادة بناء نموذجها الاقتصادي والتنظيمي، من دون أن تفقد استقلاليتها أو دورها الثقافي. 

هذا الصراع الدائم حول تعريف شروط الانتماء الحقيقي إلى الحقل الثقافي، هو ما يعيد صياغة حدوده وفق منطق داخلي غير مُعلن يحكم المجال، أو ما يُطلق عليه بورديو «الناموس». وهكذا، يبقى التوتر قائمًا بين النوعين الفنيين، ويشكل لحظة تفاوض جديدة على من يحتل الموقع ويكرّس شرعيته داخل الحقل الثقافي. المرجع السابق، ص. 301-302. وهذا ما يزيد أيضًا من تحديات الفن المستقل الذي يتطلّع لتحقيق إيرادات أكثر استدامة، من خلال الشراكات، أو شباك التذاكر، أو الإيرادات من خلال ورش العمل أو إنتاج العروض...

هنا يكفّ إغلاق مسرح «زقاق» عن كونه خاتمة، ليصبح اختبارًا لمدى قدرة الفاعلين على إعادة صياغة شروط انتمائهم إلى المجال. وفي هذا المعنى، لا يُغلق المسرح بوصفه فضاءً فحسب، بل بوصفه موقعًا في معركة على تعريف ما هو الفن المشروع داخل الحقل الثقافي والمسرحي على وجه الخصوص. وهنا يأتي السؤال: من سيملك القدرة على إعادة تحديد حدود الحقل الثقافي/المسرحي في المرحلة المقبلة؟ 

آخر الأخبار

مواد إضافيّة
حدث اليوم - الإثنين 27  تموز 2026
27-07-2026
أخبار
حدث اليوم - الإثنين 27  تموز 2026
كايتي بيري توبّخ البيت الأبيض
27-07-2026
أخبار
كايتي بيري توبّخ البيت الأبيض
تظاهرات لإسقاط حكومة «الوحدة الوطنية» في ليبيا
119,000 هكتار التهمتها النيران في فرنسا وإسبانيا بغضون 5 أيام من الحرائق. 
25 صحافياً ومصوّراً ضحيّة «الجزيرة» في غزّة
27-07-2026
أخبار
25 صحافياً ومصوّراً ضحيّة «الجزيرة» في غزّة
مختارات من الصحافة الإسرائيلية 27/7/2026