مقدّمة
ماذا نقول الآن؟ وماذا نصنع، بينما تنشغل أيدينا بحمل الموتى؟ ماذا بعد أن نشهد، وكيف لا يُعمينا الدخان؟ ها وقد انشقّ الأفق، كيف ننفذ فيه؟ وماذا نقول قبل أن تحملنا الأقدار إلى جهة الموتى؟ وكيف نعود الآن، أو بعد حين، إلى أماكن غادرت أزمانها؟ بأي كلام وبأي أشكال؟ لعلّ الذي سنصنعه قادمًا، لا بد إلا أن ينسلخ عما نصنعه الآن، في وقتنا هذا، كما تنسلخ الجبال عن الجبال.
إن أعمال التوثيق والأرشفة والتفكيك والبحث والسرد إلخ... لا تقدر إلا أن تُرينا، أي أن تستحضر المكان، أي أن تجلب هذا الحاضر، من أماكنه القصية تلك، إلى أمام عيوننا. إنها ترينا هذا الحاضر إذ غشّاه الرماد، إنها تُشهِدنا، وترينا الجبال إذ أُغلقت على المدى. إنها، حتى بعد التفكّر، إذا لم يرتدّ الطرف (وذلك قد يحتاج ألف سنة من أيامنا)، ستجلب الأماكن من ماضيها إلى حاضرها، أو العكس، كلّ في مكانه ومسافته المرسومة له في زمن العوام هذا، لكنها لن تلحق بذاك بالأفق الذي فُتح. إنها لن تمزّق هذا الأفق، لن تنفذ منه، حسبها أن تراه، مشتعلًا، فقط.
«وإن يومًا عند ربّك كألف سنة مما تعدّون».
كيف تختفي الجبال؟ وكيف تُزيح من مكانها؟ وما الذي يدفع بالدم نحو الحقول؟ صابغًا السماء بحمرة رهيبة؟
إذا أدرنا الطرف، إلى ناحية الجنوب، مدركين أنه هناك، في الجهة التي خلف الرأس، في ذلك المدى الذي لا يدركه البصر إذ يدير المرء عنقه، فلعلّنا سنتنبه، الآن، أخيرًا، لثنائية الزمن هذه، بين زماننا هذا الذي نعدّه يومًا بيوم، البطيء- المميت، مثل الانتظار- وبين زمن الألف سنة، المنحدر صاخبًا كالنهر، أو الزمنين يجريان على ضفتين لا يلتقيان، ولنسمِّهما زمن العوام وزمن الرب، أو الزمن العادي وزمن الغيب.
لعلّنا، إذا ولينا الطرف، سننتبه، الآن، أخيرًا، أنّ الجنوب قد دخل في زمن الألف عام.
هكذا تشي الأماكن بأزمنتها، كما تشي بعض الوجوه بموت أصحابها (إنهم عندما كانوا ينظرون وجه الحسين، كانوا يرون موته، وكأنما كان وجهه، فاتحة للنار في خرائب الجسد، وكأنما كان وجهه، الجميل، فاتحة في الزمن) أي أنهم عندما رأوا وجه الحسين، في صغره، كانوا يرون صورة حتفه، تلك الصورة التي تخترق الزمن، كما تخترق الرماح الجسد الممدود على صهوة الجواد بينما يشتعل الأفق البعيد.
وبمثل هذا، تنتقل الأشياء والأماكن من أزمانها، أي أنها «تدخل» الزمن، تخرج من زمن العوام هذا، وتدخل في زمن الألف عام، وذلك ما لا رجوع فيه، وإنّ ما يدخل الزمن، وما ينتقل من الزمن العادي إلى زمن الغيب (الجنوب الآن، وجه الحسين آنذاك) لا يعود على صورته، أو لا يخرج، ولو بعد يوم (بألف سنة) على مادّته، أي على هيئته قبل أن يدخل الزمن، أي على هيئته التي عرفناها أو نعرفها في زماننا هذا. إنّ تلك الأشياء والأماكن قد تعود، كلّها أو أجزاء منها (في أعوام ينفتح فيها الأفق) لكن إن عادت، فلا بد أن يكون تغيّرًا ماديًّا قد حلّ بها، أي أنها ستعود بلغتها، وأشكالها تلك التي اتخذتها في زمن الغيب الذي غادرت إليه، أي أن الجنوب لن يعود على هيئته التي نعرفها (وفي مثل ذلك، يظهر وجه الحسين، عائدًا من الزمن على صورة وجه مرفوع على رمح).
ربما عندما ننتبه ناحية الجنوب، ندرك أن ذلك الأفق قد انفتح، وأن الجنوب الذي نعرفه حاضرًا (أي في حاضره، أي موجودٌ في زمانه ومقبضٌ عليه كأنهما لا ينفلتان) قد غيّر زمانه إلى أزمنة لا نعرفها، وأنه، قد انسلخ، كما تنسلخ صورتان شفافتان عن بعضهما، أن يدًا عملاقة قسمت المدى، وسلخت صورة الجبال عن الجبال، فألقت بالجنوب في الزمن الآخر، وأبقت ما هو الآن في زماننا، رماديًا بعد أن انسلخت ألوانه عنه ذاهبة إلى الغيب. وكذلك البيوت، والموتى، وكل الوجوه الجميلة، والباقون حتى، كذلك هم كلهم دخلوا أو لمّا يدخلون الغيب.
هكذا صار الجنوب الذي بقي في حاضرنا هذا، وإذا ما نجح الواحد منا أن يدير عنقه، فإنه سيرى هناك، جنوباً لا يُرى إلّا عبر حُجبٍ من دخان، وسيرى جبالاً لا تُرى إلا وهي يفور منها دم وردي، ومدى لا يُرى إلا وهو ينسلّ منه الرماد. وكلما ابتعد ذاك الجنوب في زمن الغيب، كلّما اقترب الجنوب هذا، الذي نراه، وكلّما غشّى دخانه العيون.
هي إذًا جبال فقدت ألوانها، ومدىً ينغلق على القرى، وقرى تنغلق على الدخان، وإننا إذ ننظر في وجوه قتلانا الجميلة واحدًا واحدًا، لا ننسى منهم أحدًا، نعرف من قتلهم، ولا نعبر إلى شيء إلا ونحن نحمل أجسادهم الكثيرة تلك فوق ظهورنا، وإذ نحصي بيوتنا التي مزّقتها ريح بلون الورد، ندرك أنها كلها، وجوه وأجساد وبيوت عبرت إلى زمن الغيب، وحُمِّلنَاها كل يوم (كل يوم بألف سنة) إلى أن تُكوى ضلوعنا، أو أن نَلحَقها إلى الغيب. وكذلك العَودُ، عودٌ سيكون إلى جنوب لن يكون حاضرًا في زمانه. جنوب قُضي عليه أن يخرج من زمانه («فلمَّا جاءت قيل أَهكذا عرشُك قالت كأنَّهُ هُو»).
ولكن، كيف نُعيد الموتى، بدل أن نحصيهم عدداً؟
ماذا نصنع إذًا، وكيف يتبدى ذلك المطلق الممتدّ، الهارب الداخل في أوقاتٍ لا نفقهها، كيف يتبدّى في صُنعنا، بينما تنشغل أيدينا بحمل الموتى؟ وكيف لا تأخذنا الرياح؟ كيف يرتدّ الطرف، ذاهبًا نحو الأشياء تلك في أزمنتها، إلى حيث لا يمكننا الوصول؟
إنّ ما سنصنعه قادمًا، حتى وإذا ما نجح أن يفكك أو يراوغ أو يُسائل أو ينفذ إلى ما بعد التوثيق والمُستند والأرشيف، مثل فنون ونظريات ما بعد الحرب الأهلية في لبنان، والتي شكلت منهجًا فنيّا امتدت توهّجاته وظلاله الطويلة على المشهد، ولا يزال أبطاله القدماء يحكمون قبضتهم على مساحة الخطاب الفني حتى اليوم، فإن تلك الأشياء، التي استخدمت وتستخدم التاريخ (المروّع آنذاك، والمروّع الآن) كصرح، واستجلبت المجاز لكي يحلّ في الثقوب التي أحدثتها القنابل والرصاص، هي أشياء تحاكي الزمان هذا الذي نعرفه، وتعالج الأشياء بقواعد زماننا هذا، أي أنها تسرد ماضيه من أرشيفات موجودة (أو أرشيفات تصنعها هي أو تشكك فيها أو ترفضها أو تفككها، أو تستبدل ما ضاع منها بالمجاز)، أو تستقرئ لحظة حاضره (أو ما بعد ماضيه) في نقد اجتماعي أو اقتصادي أو سياسي، أو تستشرف في أحيان مستقبله أو الذي كان بالإمكان. الماضي، الحاضر، والمستقبل، تراكيب زمن العوام هذا الذي نفهمه وندرك لغته وأدواته، حتى وإن طوّعته، أو شعّبته، أو جعلته دائريًا، وقلّبت أوّله على آخره.
إن أغلبها، الرائع منها والمريع، فنون تتعامل مع مفاهيم وأشياء في زمن يمكن للواحد منا أن يقبض عليه بيديه، رغم مشقاته الكثيرة، وتشعباته وغاباته التي لا تُحصى. إنها، مثل أبطالها، مُتعَِبة، وكذلك لن تفتح الأفق الآن، حسبها أن تراه، من بعيد (دون أن تُلوى أعناقها)، مُشتعلًا فقط.
إننا، وحتى في استمرار المقتلة، لا بد أن نحاول أن ننفذ إلى صنائع وفنونٍ تمتشق أزمنة الغيب. لا مفك من ذلك الآن، لا مناص من ذلك الآن. إن اللحظة التي نحن فيها الآن، والجنوب ذاك الذي انفلت إلى أزمنة أخرى (أسرع من أن تدركه الأبصار)، هي لحظة وجنوب لا بد لنا أن نتلقفهما بزمانهما ذاك ولو كنا لا ندرك منه إلا قليلًا، وليس بزماننا الذي نعرفه هذا، مثلما فعل السابقون منّا، مشكورٌ سعيهم.
وإذا أراد المرء الآن أن يُعيد الموتى والأماكن التي غادرت ساكنيها، فلا بد أن يشق صدر الغيب بيديه. ليس أن يستحضر، ولا أن يوثق، ولا أن يستند، ولا أن يُظهر، ولا أن يُحاكي، ولا أن يستقرئ، ولا أن يستنتج، ولا أن يسبر الأغوار، ولا أن يبحث، ولا أن يفكك، ولا أن يُمثّل، ولا أن يقدّم، ولا أن يُحوّل، ولا أن يستعيد، ولا أن يلبنن نظريات ما بعد الحرب العالمية، ولا أن يجترّ أعمال فلاسفة يعرفوننا أو يَجهلوننا (تخففوا، تخففوا، ثقيلٌ هذا الهواء بما يكفي، يا أخوتي)، ولا أن يكرر وينوّع بمنطق الصدمات، ولا أن يكون حقوقيًا، ولا أن يجد الصرح، ولا أن يستجلب المجاز، ولا أن يستعيد الماضي بلغة الخيال، ولا أن يعود إلى الماضي هذا الذي نعرفه، ماضي القُرى، ولا أن يرسم لنا، من عليائه، مستقبلها.
ليس إلا أن يشقّ صدر الغيب بيديه هاتين، وأن ينتزع من هناك الأشياء والموتى والوجوه كما صاروا بعد أن دخلوا الزمن، وكما ولا بدّ تغيّرت مادتهم. (ولا ننكر أن في ذلك جهد لا طاقة للكثيرين منا باحتماله، وأن ليّ الأعناق موجع، ولا حرج). ليس إلا أن يتمزّق صدر الغيب، لأن أشياء الزمن الذي لا نعرفه لا تتأتى إلا بلغةٍ لا نعرفها.
ولا بد أن نلتفت أن أشياء تحدث حقًا، ليست مجازًا، أشياء ندركها بالحواس، وأننا نراها من هناك تعود، من أزمانها تلك وقد تغيّرت وتحولت مادياتها (خيول سودٌ داشرة في الجنوب صوّرها أحمد غصين، كانت بيضًا قبل أن تدخل الزمن، قصائد لمحمد علي شمس الدين غيّرت كلماتها وأصبحت ألوانًا للجبال التي غادرت موقعها، صوت حسيبة هاشم يأتي في المدى في الجنوب، دائمًا، ودائمًا من لا مكان، (إذا أنصتّم السمع، قد تلحقوا به، وتسمعوا كيف تغيّر وصار كصوت عشرين ألفًا من الرجال والنساء، اسمعوه، يخرج من أفواههم إذ يغنّون)، الموتى الذين يغيّرون أماكنهم، والقبور التي تعود كتغيّرات الزهر والعشب، ثم أولئك الذين يبلغونا أخبار الموتى في الأحلام، الآن، ألوان الأفق التي تتغيّر في سماء القرى الزرقاء، الأفق، دائم، الاشتعال، الآن، أمطار وطيور تنهمر كالدّم، دم يتفجّر في الحقول، الآن…).
لا بد للقول القادم أن يستشعر تلك الأشياء التي تطل من زمن الغيب ذاك، ولا بد له أن يتلمس انهمار الأزمنة الأخرى. لا بد له أن يحاكي طرائق وقواعد هذه الأزمان المنهمرة. لا بد أن نُعيد الموتى، لا أن ننظر في صورة ماضيهم، لا بد أن نبصر كيف يعودون، لا أن نُحصيهم عدداً، لا بدّ أن نمتشق الأزمنة التي رحلوا إليها، لا أن نراوح في زماننا هذا الذي رحلوا عنه.
ماذا الآن؟
إن الأشياء التي تدخل الزمن
لا تبقى على حالها
الأغاني تغيّر أصواتها
والقصائد كلماتها
والموتى يعودون.
هم آخر أضواء المساء
في سماء القرى الزرقاء.