تعليق سوشال ميديا
سامر فرنجية

زمن السخط

الحميمية كوقود لسياسة عنفية

26 آب 2026

يوميات فضائح طبيعية

«انفجرت» قضية «دكتور فود»، المتّهم بتجارة المخدّرات، ومن بعدها «فضيحة» حفل طلاق زوجته منه ونشرها مقاطع فيديو توثّق تعنيفه لها، لتمتلئ صفحات التواصل الاجتماعي بتعاليق وفيديوهات، تعبّر معظمها عن «سخطها» حيال ما يحدث. حفلة سخط جماعية، أقرب إلى حملة إعلامية، كان قد سبقها حفلات أخرى من التعبير الجماعي عن سخط حيال قضيّة ما: قضايا تحرّش بأطفال في نادي أو صالون حلاقة، إشاعات عن آلاف الكلاب الشاردة في البقاع، فحوصات «تبرهن» أنّ ماء شركة «تنورين» ملوّثة بالخراء، إشاعات عن لاجئين يسرقون مساعدات… السخط هو الشعور الملازم لإعلام الوسائل الاجتماعي: فورة سخط سريعة، تنقل الخبر من الحيّز العام إلى الحيز الحميم، ليتمّ «تسخيطه»، ليُنتج ردّة عنف قوية جماعية، قبل أنّ تتبخّر القضية أو تستبدل بـ«فضيحة» جديدة. 

السخط كالشعور السياسي المهيمن

السخط (outrage) ليس محصورًا بأمور «اجتماعية» أو بأدبيات شبكات التواصل الاجتماعي، بل بات يشكّل الشعور السياسي المهيمن في زمن ما سمّاه أنطون ياغر بـ«السياسة المفرطة» (hyperpolitics)، وهو زمن يتعايش فيه تضخّمٌ في التعبير السياسي مع انكماش في التنظيم والقدرة السياسية. ففي ظلّ هذا التعايش، يُطالَب الفرد بإبداء رأيٍ سياسي تجاه عددٍ من المواضيع التي تتحكّم بحياته الحميمية أو الخاصة، ولكن خارج أي قدرة على القيام بفعل سياسي حيالها. نتيجة هذا الوضع المتناقض، بين مطلب المشاركة واستحالتها، شعور من السخط بات يشكّل الميزة الأساسية لسياستنا المعاصرة. ومن أوضح الأمثلة لصعود السخط كدافع سياسي، رئاسة ترامب الأخيرة، والتي ارتكزت أيديولوجيًا على سخط مشترك بينه وبين جمهوره، ومطالبة هذا الجمهور بالتأهّب الدائم والاستثمار العاطفي بتسلسل القضايا الفضائحية المطروحة. لكنّ هذا الأسلوب ليس محصورًا بترامب، بل بات يتمدّد إلى عوالم سياسية مختلفة، مع التحوّل البنيوي الذي أدخلته وسائل التواصل الاجتماعي في السياسة.

الحميميّ المُلحّ

من ميزات السخط أنّه ينقل السياسة من الحيّز العام إلى الحيّز الحميمي، وليس فقط الشخصي. فتتحوّل التطوّرات السياسية إلى أمور، لا نستهلكها فقط من خلال علاقتنا الحميمية بهواتفنا المحمولة، بل نتخيّلها تهدّد وجودنا الحميمي. فالفساد مثلًا، انتقل من قضيّة عامّة إلى قضيّة حميمية، عندما بات مربوطًا بتلوّث المياه وانتشار الأمراض وغذاء الأطفال. وتدريجيًا، تتحورّ السياسة إلى مسألة حميمية، من قضية اللاجئين إلى الهجمة على مجتمع الميم-عين إلى آثار الحرب والسجال حول مسؤوليتها. قضايا بات تُعاش من قِبل الجمهور السياسي وكأنّها قضايا تهدّده في وجوده الحميم، ما يتطلّب سخطاً عنيفاً للحماية منها. 

ولهذا الشعور ميزة أخرى، وهي تسطيح الزمن السياسي تحت وطأة إلحاح التهديد الوجودي لهذا العالم الحميمي. فالسخط يعيش في زمن «الخبر العاجل»، زمن الفضائح التي تنفجر فجأةً كاشفةً تهديد يتطلّب ردّة فعل فورية، لا يخفّف من وطأتها إلّا بروز قضية أخرى، أكثر إلحاحًا. في عالم سياسي مركّز حول السخط، تتسطّح المشاعر والأحداث، لتصبح جميعها تُعاش بنفس الحدّة. ليس هناك مِن حدث طويل الأمد ومتوسّط الأمد وقصير الأمد، فقط أحداث طارئة، تتطلّب أنظمة عصبية دائمًا متأهّبة، أنظمة عصبية لم تعد تعرف كيف تشعر خارج السخط.

السخط كمطلب مشاركة سياسية

السخط هو نتيجة أنظمة سياسية بات فيها- انطلاقًا من طابعها الديمقراطي- تضخّمٌ في التعبير السياسي، متزامنًا مع انهيار للقدرة السياسية، مع تراجع الديمقراطية عالميًا. بكلام آخر، هو نتيجة لتسييس متزايد للمجتمع، مع إدراك عميق بأنّ القرار السياسي بات خارج السيطرة أو المراقبة الديمقراطية. هو ما تبقّى من احتمال للمشاركة السياسية، في أنظمة حوّلت الأفراد من مواطنين إلى مشاهدين. في هذه الفجوة، بات السخط الشعور المهيمن. شعورٌ عنيف ومباشر وفوري، شعور تشجّعه السلطات، لكونه يستجيب لمطلب المشاركة/ المشاهدة من دون أن يؤسّس لأي سياسة بديلة أو متحرّرة من الطلب الدائم بأن نكون مصدومين ومفجوعين ومتأهبين.

آخر الأخبار

مواد إضافيّة
تعليق

زمن السخط

سامر فرنجية
حدث اليوم - الثلاثاء 25 آب 2026
للمرة الثالثة بغضون شهر القضاء يستدعي الناشطة غنى نحفاوي
عرقلة دخول المساعدات ودعوات لتهجير غزّة
كتاب للعاملات المهاجرات: عن الميلانين وقبول الذات
25-08-2026
تقرير
كتاب للعاملات المهاجرات: عن الميلانين وقبول الذات
تحليل

أزمة مضيق تايوان

سعود المولى