بخفّة الحكواتي ودقّة الصحافي، يعرض بول أشقر قصصاً قصيرة ترسم ملامح سيرةٍ مزدوجة له ولزياد، ومن خلالها، يرسم سيرة بلدٍ دائم التقلّب.
توطئة : قبل التعارف الشخصي
الصليب الأخضر
بعد احتراق الأسواق التجارية تمهيداً لنهبها، وبعد احتلال بنايتنا في زقاق البلاط من قبل العائلات الكردية التي هاجرت من الكرنتينا، انسحبنا أنا وزوجتي حنان عبود إلى بيت أهلي في ضيعة عين عار في المتن. كانت المنطقة ما زالت منقسمة بين حزب الكتائب والحزب السوري القومي الاجتماعي، وسرعان ما تفوّق الأول على الثاني في معركة جرت في بلدة بيت شباب وفي مناوشات عمّت الضيع المحيطة بها. بالرغم من اسم العائلة، لم نكن من أنصار الحزب القومي، ولكنّنا كنّا نخاف خصوصاً من «حزب الأرزة المشحوذة»، وكان أستاذ اللغة العربية ألبير دوميط- في الواقع، أستاذ لعبة طاولة الزهر- قد أرشدنا بأن نجيب دائماً إن سُئلنا «أننا مع حزب الكتائب»، ثم نضيف بصوت خافت «حتى الموت الطبيعي».
في هذه المنطقة الكتائبية وفي الجو العائلي المعادي للكتائب، تعرّفت إلى صوت زياد الرحباني على برنامج الإذاعة اللبنانية «بعدنا طيبين قولوا الله»: صوت عشريني مرن، خصوصاً إذا ما قورن بالصوت الزحلاوي «الثقيل» لزميله جان شمعون الذي يكبره بأكثر من عقدين. في البداية، كان ابن فيروز وعاصي يرتجل السكيتشات مع شمعون، ثم– وأمام نجاح البرنامج المذهل (لأن الأثير الإذاعي لم يكن معتاداً لهذا الكمّ من الحرية)– صارا يكتبان النصوص ويساعدهما الشاعر عصام العبدالله، الموظّف في الإذاعة آنذاك. عندما أحاول اليوم أن أتذكّر هذا البرنامج اليومي، أوّل ما أتذكّره هو هذا المواطن «المحلّي»– زياد– الذي يعترض بقوة على دخول الصليب الأحمر الدولي «وأحمر كمان... ودولي كمان…» إلى منطقته، مطالباً بصليب أخضر «لأنّنا هنا في هذه المنطقة مع لبنان الأخضر»! كما لا أستطيع أن أنسى صدمتي عندما اطّلعتُ على كارت مطعم الانصهار «الخالي من الطائفية والمعادي للتقسيم والفيدرالية»، والذي يقدّم «لحوم بشرية لزبائنه، فاللبناني كل ما أكل أخاه اللبناني اتّحد به»، وكيف يتّصل صاحب المطعم فوراً بعلاقاته «ليدبروا حاجزاً طيّاراً إذا فُقد أيّ طبق في البراد». ولي مع السكيتش الثالث قصّة خاصة: كنّا قد دُعينا إلى حفل عشاء في رأس بيروت وقرّرنا أن نُمضي الليلة في شقّةٍ لأصدقاء مسافرين، خلف حديقة الصنائع، وكانوا قد تركوا مفتاحها معنا. وما أن دخلنا الفراش بعد السهرة حتى بدأت «أرغن ستالين» تعزف. كانت الراجمة مركَّزة في منطقة المطار واستعملها الجيش السوري للمرّة الأولى مُستهدفاً مبنى الإذاعة لإسكات برنامج الرحباني. كنا نسمع صوت الانطلاق ثم نسمع القذيفة تقترب وتقترب ثم تنفجر، ونحن نتنفّس الصعداء، حتى لو انفجرت على البناية وتناثر حطام الزجاج على كلّ الشرفات. أمّا سبب كل هذا الحفل؟ سكيتش إسمه «لعبة الداما» يشرح فيه زياد كيف «شقيقكم» النظام السوري يراقب لعبة الداما بين اللاعبين اللبنانيين قبل أن يتدخّل لا لسبب إلا ليحرّضهم على بعض.
بالنسبة لبكرا شو؟
ما إن وصلنا من المطار إلى البيت حتى رنّ الهاتف (لا خلوي في تلك الأيّام): إنّه الصديق مارك موراني. «أتّصل أوّلاً لأرحّب بكما. ولكنّ الأهمّ: هناك مسرحية في سينما أورلي. لا تفوّتوها لأنّ العروض تنتهي بعد يومين. واذهبوا باكراً لأن الضغط شديد،، ولا تتحجّجوا بالصغيرة، أنا مستعدّ أن أسهر معها». كانت نصيحته بمحلها. وصلنا باكراً إلى السينما في شارع بليس، وبالكاد وجدنا تذاكر. للحقيقة، أنا وزوجتي- وهي ممثّلة- لم نصدّق ما رأيناه: مسرحية سياسية بنَصّها، فكاهية ودرامية في آن، عميقة وجريئة. إخراج «مدَوزَن» وطقم من الممثّلين المقنِعين يتقدّمهم زياد ونبيلة زيتوني. يخلقون جوّاً من المرح لا تستطيع إلّا أن تشاركه. موسيقى إيقاعية وأغانٍ ستواكب عقولنا وقلوبنا لسنوات طويلة (ع هدير البوسطة، إسمع يا رضا، عايشة وحدها بلاك). والأهم: كل ذلك أفرزه شاب عمره 22 سنة. معجزة؟ عبقري؟ أذكر فقط أنّنا خرجنا من الصالة مدهوشَين وسعيدَين بما حصل معنا هذه الليلة. بعد أشهر قليلة، قرّرت أن أُجري مقابلات مطوّلة مع عدد من «الشخصيات»، وفي اللائحة الصغيرة، حجز اسم زياد الرحباني مرتبة متقدّمة.
المشهد الأول
تاريخ الموارنة
قرعتُ جرس البيت في الوردية ولا أخفي أنّه كان يراودني قلقٌ ما. بعد طول انتظار، فتحت صبيّة (كارمن لبس). عرّفتُ عن نفسي فأدخلتني إلى غرفة صغيرة. لحظات ودخل زياد. سألني عن عائلتي، وشعرت أنّه استرخى عندما عرف أنّ خليل هو شقيقي فقال: «انا أكبر منّه بأسبوع، كنّا زملا بالمدرسة». ثم سألني عمّا أعمل. وقتها كنت أقوم ببحث عن تاريخ الموارنة بطلب من سمير فرنجية— مُحاولةٌ لتحديد أهمّ المحطّات التاريخية وفصلها عن الخرافة. أبدى اهتماماً شديداً وطلب منّي أن أوفّر له هذه الدراسات. قلتُ له إنّها مدوَّنة بالفرنسية فأجاب: لا مانع (كنتُ قد نسيت هذه التفاصيل وهو من ذكّرني بها في برنامج «حوار العمر»).
اتّفقنا على إجراء المقابلة في نفس اليوم من الأسبوع المقبل (22 /01/ 1980). بقينا ساعات نتحدّث في شتّى الأمور، وكنتُ قرّرت ألّا أسأله عن عائلته وأن أكتفي بالحديث عن «زياد، الرجل العامّ». ويبدو أنّ هذا الخيار أراحه لأنّ أكثرية المقابلات معه كانت تتطرّق إلى علاقته بفيروز وبعاصي. وكان، كلّما التقينا شخصاً ثالثاً خلال السنة التالية، يعرّف عنّي قائلاً «هيدا قام بأحسن مقابلة معي»، وأُقرّ أني كنتُ فخوراً بهذه الشهادة. الطريف أنّ أنسي الحاج أضاع المقابلة، وعاد ليجدها بالصدفة بعد مرور سنة، وعندئذٍ نشرها في مجلّة «النهار العربي والدولي» بداية عام 1981— أي أنّ المقابلة أُجريت قبل مسرحية «فيلم أميركي طويل» وصدرت بعد عرضها.
تجدونها كاملةً في كتاب «إلى زياد»
الألمان
يصرّ زياد دائماً أنّ علاقته بالمسرح علاقة عَرَضية، لأنّه موسيقيّ أوّلاً وثانياً وأخيراً. هذا لا يمنع أنّه كان مولعاً في المدرسة بالكاتب الفرنسي مارسيل بانيول Marcel Pagnol (حيّاه في «بروغرام» آخر مسرحياته)، ابن مارسيليا الذي تخصّص بنقل حوارات ناس عاديّين في بار من المدينة الشرق أوسطية (وكذلك بكوميك الممثّل لويس دي فونيس Louis de Funes). هل لبانيول هذا علاقة ما مع «بالنسبة لبكرا شو؟»، لا أدري، ولكنّ الأكيد– هو كان يقرّ بذلك– أنّ فكرة «فيلم أميركي طويل» راودته بعد رؤية فيلم «أحدهم طار فوق عشّ الوقواق» (1975) One flew over the cukoo’s nest لميلوش فورمان Milos Forman. أعطاني زياد نسخة أوّلية للمسرحية (ما زلت احتفظ بها ككنز ثمين)، ومن المثير للاهتمام ملاحظة الفوارق بين النسخة الأوّلية والناتج النهائي (مثلاً، كان لمسار بوسطة عين الرمانة صَولات وجولات، ولم يبقَ لها في النهاية إلّا جملتان!).
فاجأني زياد خلال إحدى جلساتنا الأسبوعية عندما قال: «لي مسرحية أخرى جاهزة وكنت سأُخرجها، لكنّي تخلّيت عنها في آخر لحظة لأنكَبّ على تحضير الفيلم الأميركي». وأمام ملامح الذهول على وجهي، تابع «إسمها الألمان. والقصّة أنّ الدولة أمام تعقيدات الأزمة اللبنانية لجأت إلى طلب مساعدة ألمانيا. وترسل لنا هذه الأخيرة لجنة خبراء مؤلّفة من ماركس وفرويد وبيتهوفن ونيتشه. تبدأ المسرحية لدى وصولهم إلى مطار بيروت وتنتهي عند مغادرتهم البلاد. ويقرّ ماركس في تصريح له باسم اللجنة قبل الصعود إلى الطائرة، بعجزهم عن إصلاح البلد، وينصح المسؤولين بعدم تغيير أيّ شي». (أشكّ أنّ أغنية «ع النظام» كانت مشتركة بين المسرحيّتين!). ولم أعد أستطيع كبح فضولي: وأنتَ ما هو دورك؟. «أنا عضو في الصاعقة الألمانية. أنا مَن يستقبلهم وأنا دليلهم طوال رحلتهم اللبنانية». سألته: عن جد، إنها مجرد فكرة أو...؟— «لا، لا، إنّها مسرحية مكتملة أكثر حتّى من الفيلم الأميركي. إنّها قابلة لأن تُخرَج غداً ولكنّها محجوزة في هذا الجرّار». سألته: لماذا؟ فأجاب «لا أعرف»، أصرّيت: وهل مِن الممكن أن تخرج منه يوماً ما؟». هزّ برأسه وردّد بما يعني إقفال الموضوع: «ما بعرف».
بوسطة الضيعة
حضرت «فيلم أميركي طويل» في مسرح جان دارك ولفتني أن إدارة المسرح كانت تطلب من الجمهور ترك مسدّساتهم في المدخل، وأنّ دركياً ضخماً من قوى الأمن (كان اسمها فرقة الـ16) كان يستلمها ويضعها في علب مخصَّصة لهذه الغاية. شيءٌ آخر أثار اهتمامي: مَن سمع المسرحية يعرف أنّ في لحظةٍ ما ينقسم فريق التمريض على قاعدة طائفية، ويتدخّل المرضى للفصل بينهم. أما مَن حضر المسرحية، فيكتشف مُعطىً إضافياً لا أدري إن فكّر به زياد عند كتابة المسرحية: ما إن يبدأ فريق التمريض في تراشق التهم الطائفية حتّى يبدأ الجمهور في التفاعل معهم. الجمهور المسيحي يصفّق للشتيمة المسيحية، والجمهور المسلم يصفّق للشتيمة المُسلمة! وتتحوّل المسرحية إلى مبارزة زجلية طائفية بين فريقَين.
كنّا أسّسنا في عين عار فريقاً لكرة القدم (إسمه «درسو أوزالا» Dersu Usala نسبةً لعنوان فيلم أكيرو كوروساوا Akiro Kurosawa) وقد عرضتُ على اللاعبين نقلهم مع أصدقائهم لحضور مسرحية زياد، وسجّلنا أسماء المهتمين وقطعنا لهم بطاقات واستأجرنا بوسطة من 30 مقعداً لتنقلنا ذهاباً وإياباً (من دون نسيان بطاقة السائق). واكتشفتُ وقتها أنّ أيّاً من الشباب ومن شقيقاتهم لم يكن قد زار «بيروت الغربية» قبل هذا اليوم. وعشيّة يوم العرض، تلقّيتُ كمّاً لا يحصى من الاتّصالات من الأهل للتأكّد أنّ الرحلة آمنة، وقد دعوتهم لمواكبتنا وقد لبّى بعضهم الدعوة. لم تكن آمنة وحسب، بل كانت رحلة العمر بالنسبة لهم، إذ أتى زياد وسلّم عليهم واحداً واحداً بعد انتهاء العرض.
أخيراً، وبدعوة من «اتّحاد الشباب الديموقراطي اللبناني»، دُعيَ زياد للمشاركة بندوات في كلّيات الجامعة اللبنانية، وسألني ما إذا كنتُ أريد مواكبته، وهكذا عقدنا لقاءات في ستّ كلّيات خلال أوّل أسابيع السنة الجامعية، وأنا جالس على المنصّة إلى جانبه، صامت أراقب هذه الظاهرة الغريبة...
المشهد الثاني
الصبّوحة
أُقرّ لكم (لم أقلها يوماً لزياد) أنّي في مراهقتي كنتُ أفضّل «الصبّوحة» على فيروز. ضحكاتها، حركاتها، أعراسها كانت تغريني أكثر، مع أنّ الأهل دعونا مرّة لحضور مسرحية للرحابنة في بعلبك (هل كان زياد على الخشبة؟ في الفرقة الموسيقية؟ في الكواليس؟)... كما أعترف أنّي لم أهتمّ موسسيقياً بفيروز إلّا عندما بدأ زياد يلحّن لها، ونتيجة اهتمامي بزياد الموسيقي. قبلها، كنتُ قد استمعتُ إلى أشرطة «أنا مش كافر» و«شريط غير حدودي» و«بالأفراح» و«هدوء نسبي»... كنتُ أسمعهم من دون انقطاع، وهكذا علقت.
المعلّم أبو الزوز
أيّام شقّة الوردية، كان الستوديو لا يزال في البيت، في غرفة مخصّصة للتسجيل. هناك تعرّفتُ على خالد الهبر وأيضاً على «فرقة الأرض» التي كان يساعدها زياد في توزيع أغاني كاسيت «أغنية»: عصام الحاج علي وتوفيق فروخ وإيليا سابا... وصرنا أصدقاء، وكنتُ أحياناً أسهر معهم في شقّة في شارع القنطاري كانت لصديق لهم ترك البلد. أما سهرات الموسيقى مع زياد، فكانت تجري بالليل... مع الشرب والتدخين (الشرعي: كما أذكر، كان زياد يدخّن سجائر فايسروي Viceroy، الواحدة تلو الأخرى). كانت الفودكا تجمعنا، وكان عنده دائماً زجاجات مجلّدة بالفريزر. تعلّمتُ مع زياد عن موسيقى المنطقة وعن موسيقى العالم، وكان همّه دائماً أن يُبرز مسالك التحديث في كلّ أنواع الموسيقى: عرّفني على سيّد درويش وما مثّله وما مثّلته أغانيه في نقل الموسيقى العربية من طور إلى طور، وعلى موهبته في التلحين ووفاته المبكرة. كنتُ أعرف المطرب الفرنسي جيلبير بيكو Gilbert Becaud ولكنّي كنتُ أجهل أنّه «حدّث» الموسيقى الفرنسية باعتماد وسائل الإنتاج الأميركية، كما أخبرني أنّه كان ملقّباً بـ«السيد مئة ألف فولت» Monsieur Cent mille volts. هو من فتح آذاني على الموسيقى الكردية (وعلى آلة البزق) ولفت سمعي إلى العلاقة بينها وبين موسيقى البلقان. دعاني لألتقي بمخول قاصوف، طبيب الأسنان والرائد في الموسيقى الملتزمة، وببشارة الخوري، وهو مِن أقربائه واستعان به لقيادة الأوركسترا في «بخصوص الكرامة والشعب العنيد»، وبالشاب إبراهيم المعلوف وقال لي إنّ والده نسيم عدّل آلة البوق Trumpet لتتمكّن من عزف ألحان الموسيقى الشرقية. كنتُ أستمع إلى مارفين غاي Marvin Gaye وستيفي وندر Stevie Wonder ولكنّي كنتُ أجهل أنّهما كانا مع ديانا روس Diana Ross جزءاً من تيّار من موسيقى السول Soul ومن شركة إنتاج تحمل إسم موتاون Motown، وهي علامة تخصّصت بالموسيقى الزنجية وسمحت بنشر موسيقى الفنّانين السود، كما زيّنت برنامج «العقل زينة».
المايسترو توم جوبيم
عندي هذه الأسطوانة 33 دورة في بيتي، وعندما رأيتها نفسها في شقة الوردية وأيضاً في شقة القنطاري، فهمت أنها نوع من الشيفرة التي تربط بين كل هؤلاء الأصدقاء وغيرهم. تتصدّرها لوحة مجرّدة برتقالية اللون، وعليها اسمان متعانقان غيتز/ جيلبرتو. الأوّل نسبةً لعازف السكسوفون الأميركي ستان غيتز Stan Getz، والثاني نسبةً لعازف الجيتار البرازيلي جُوان جيلبيرتو Joao Gilberto. الأسطوانة تدمج بين الموسيقى البرازيلية والجاز الأميركي، وهي أشهر نتاج لنوع جديد إسمه «بوسا- نوفا» Bossa nova، ما يمكن ترجمته بـ«الموجة الجديدة» التي صار لها شعبية مذهلة في الولايات المتّحدة في بداية الستينات. زياد يقول جُوَاوْ كما تكتَب بالفرنسية، فقلت له إنّ اللفظ السليم أقرب إلى جُوان. استغرب فقال: «أكيد؟»، فابتسمتُ وقلتُ له «نعم أكيد». سأل: لماذا؟ فقلتُ له إنّ حرف الـa مع الحركة المعقوفة الموصولة بحرف الـo تُلفظ an (آن) باللغة البرتغالية، فهزّ برأسه مطأطئاً. في الواقع، مَن كان زياد مهتمّاً به، لم يصدر اسمه على غلاف الأسطوانة: إنه أنطونيو كارلوس جوبيم Antonio Carlos Jobim المعروف أيضاً بتوم Tom جوبيم، أو بالمايسترو. جوبيم هو عازف بيانو ومؤلّف أكثرية أغاني الأسطوانة، وملحّنها وموزّعها. سألني زياد مرّةً إن كان لقاؤه ممكناً. أجبته: «بالتأكيد، ولكن في مدينة ريو دي جانيرو». وفي كلّ مرّة كنّا نلتقي، خصوصاً عندما ذهبت إلى البرازيل، كنت أسأله: «متى نلتقي بالمايسترو؟ إنه ينتظرك»، كان يضحك ويقول: «قريباً، قريباً».
توفّي توم جوبيم بعد عملية جراحية أُجريت له في مستشفى في نيويورك عام 1994. وحزن زياد حزناً عميقاً على مدى أسابيع. بعد سنوات من وفاته، اكتُشفَ له شريطٌ لحفلة موسيقية حميمة خاصّة به، كان جوبيم المطرب الأساسي فيها إضافة إلى عزفه البيانو، وحُوِّل الشريط إلى أسطوانة سي- دي. وقد اشتريتها له.
من جهة أخرى، كنا نُحب زياد وأنا أغنية «مانيا دي كرنفال» Manha de carnaval، أي صبيحة الكرنفال، وهي أغنية من أغاني فيلم «أورفيو نيغرو» Orfeu Negro، أي أورفيه الزنجي. في إحدى السهرات، أسمعَني زياد «شو بخاف» لفيروز، ولم تكن الأغنية قد نزلت على السوق بعد. وقد وضع لها كلمات بالعربية على موسيقى «مانيا دي كرنفال». ثمّ طلب منّي ترجمة كلماتها إلى العربية، ليُقارن بين الكلام البرتغالي وما كتبه هو بالعربية. ولمّا انتهَيت من الترجمة، علّق بلهجة بدت جدّيةً للوهلة الأولى «شفت ما احتجت لترجمتك»، ثمّ ابتسم ابتسامته الملعونة وقال «على الأقلّ، جبت الجَوّ… تقريباً نفس المعنى، ما تقول لا!!!».
المشهد الثالث
برنامج «حوار العمر»
كانون الأوّل 1997. رنّ التلفون. إنّه سمير قصير: «بتطلع مع زياد الرحباني ببرنامج جيزيل؟».
-مع مين؟
-ميشال سماحة وفؤاد أبو ناضر…
-أوووف… بطلع إذا بقدر أعمل دعاية لـ«بلدي بلدتي بلديّتي».
-أعمل اللي بدك إياه.
-بس أيمتى؟
-بكرا المسا، رح يبعتولك تاكسي.
لا أعتقد أنّ زياد هو من اقترح اسمي، بل سمير وجيزيل، وزياد لم يعترض.
لا أحضر التلفزيون إلا لمشاهدة المباريات الرياضية، وأهرب خصوصاً في لبنان من البرامج السياسية. لذلك لم أعرف عندما وصلت إلى الستوديو أنّ حلقة الليلة هي الحلقة الثانية من برنامج «حوار العمر» مع زياد الرحباني، وأنّي كنت من دون أن أدري «نجم» الحلقة الأولى التي جرت قبل أسبوع مع كمال حمدان والطبيب محمد شقير. فعلياً، في الحلقة الأولى، كنتُ أنا ذاك «الضيف الذي دعاه زياد إلى العشاء» ونسيَ اسمه، كنتُ الشخص الذي كان موجوداً عنده في الشقة يستمع إلى الموسيقى ويرتدي نظّارات سوداء… ثم أوضح زياد لجيزيل أنّ هذا «المجهول» هو بول أشقر، اسم مغمور لدى 99% من المشاهدين، إن لم يكن أكثر. وبعد أسبوع، يطلّ «بول أشقر» هذا على شاشاتهم باللحم الحَيّ. وإذا كانت أكثرية مشاهدي الحلقة الثانية قد شاهدوا الحلقة الأولى (وهذا الأرجح)، فبالتأكيد ربطوا بين «نديم العشاء» والضيف الموجود الآن أمامهم. أمّا أنا (الجاهل بكل تفاصيل الحلقة الأولى، كوني لم أحضرها إلّا بعد المشاركة في الثانية)، فكنتُ من القلّة القليلة التي لم يتسنَّ لها أن تربط بين الحلقتين والشخصين!
مرّت الحلقة الثانية، وأذكر أنّي قمتُ بدعايتي عن حملة «بلدي بلدتي بلديتي» وداخلتُ مرّةً أو مرَّتين قبل أن يتدخّل المرحوم بيار أمين الجميّل على الهاتف ويعترض على ما قاله زياد عن سبب الإحباط المسيحي («بكل بساطة، اللي كان ياخدن أمين الجميّل صار ياخدن رفيق الحريري»)، ويلوم أبو ناضر وسماحة لأنّهما لم يدافعا عن شرف والده الشيخ أمين. بعد ذلك، وصَلت الرسالة، وبدأ فؤاد أبو ناضر يدافع عن الشيخ أمين وتحوّلت الحلقة إلى نكايات سياسية وتهمَّش دوري أكثر فأكثر.
بعد يومَين، ركبتُ سيّارةَ أجرة، ولحظةَ النزول حاولت أن أدفع فرفض السائق بحزم: «وَلَوْ أستاذ بول، نحن بتصرّفك وسلّم ع الإستاذ زياد». لحظتَها، فهمتُ أنّ ربع قرن من العمل في الشأن العام لا توازي عشر دقائق إلى جانب زياد الرحباني. كنتُ قد أصبحت بدوري «رجلاً عامّاً». وبعد انتهاء حملة البلديّات، تلقّيتُ عدّة دعوات للمشاركة ببرامج تلفزيونية. رفضتها كلها متحجّجاً بأن ليس لديّ شيء لأقوله، وانطفأتْ تدريجياً الأضواء حولي.
بلدي، بلدتي، بلديّتي
أواسط العام 1997، أطلقنا حملة سياسية باسم «بلَدي، بلدَتي، بلديّتي». حملة سياسية راقية لأنّها لم تكن لصالح أحد، بل من أجل تمتين النظام الديموقراطي من خلال توسيع قاعدته المحلّية وإجراء الانتخابات البلدية بعد طول انقطاع. اعتمدنا على شبكة من الوسائل الإعلامية المكتوبة والصوتية والبصرية التي دعمتنا من دون مقابل. وأنتجنا موادّ إعلانية حديثة ومُسلّية أمّنها لنا أخي المعنوي محمود قرق. وفي يوم من الأيّام، قال لي: «بول، نحتاج إلى جينغل Jingle، ثلاث كلمات لا أكثر، لنحفر الحملة في أذهان الناس، إحكي مع زياد». وهكذا فعلت. قال لي زياد: «طلّ عليي بعد أسبوع إلّا إذا اتّصلت بك قبل ذلك». وبعد ثلاثة أيام، اتّصل وقال: «لاقيني بالبيت الليلة مساءً»، وأعطاني قرص usb صغيراً، مُضيفاً: «شوف إذا هيدا المطلوب وخبِّرني». حمَلتُه فوراً إلى محمود، وبهذا القرص الصغير اكتمَلت عناصر الحملة (تكرّر الأمر نفسه بعد سنتين عندما طلبنا من زياد جينغل لحملة «تنذكر تَ ما تنعاد» التي نظّمتها لجنة أهالي المخطوفين والمفقودين في لبنان. وعلى النمط نفسه، استُخدم في كليبات بمشاركة كارمن لبس ورفيق علي أحمد للدعوة لأوّل احتفال بذكرى الحرب في 13 نيسان 2000). كلّ مرّة، ثلاث أو أربع كلمات وبعض النوتات الموسيقية يجعلها الساحر الرحباني لا تُنتسى.
حتّى يومنا هذا، يقول لي أكثر من شخص في العقد الخامس من عمرهم (ومنهم سياسيون صاروا معروفين) أنّ الحملة شكّلت بالنسبة لهم أوّل درس عملي في حياتهم، وفجأةً يبدأون في غناء اللازمة؛ ولكنّ مفاجأتي الأكبر كانت عندما دعتني أستاذة في صف الروضة إلى زيارتها، وعندما دخلت الصف، سكت الصيصان فسألَتهم المعلمة: من منكم يعرف أغنية «بلدي بلدتي بلديتي؟»، ارتفعت عشرات من الأيدي الصغيرة، فكاد يُغمى علَيّ.
بالعودة إلى الحملة وزياد، عرض عليّ أن أستغلّ حفلاته في مجمّع «لاس ساليناس» في أنفه لأتكلّم قليلاً عن الحملة. وهكذا قبل الاستراحة، كان زياد يقدّمني لأخرجَ من وراء الستارة مرتدياً قميص الحملة وأتكلّم عنها وعن ضرورة إجراء الانتخابات البلدية وتوقيع العريضة المواكِبة لها. وفي اليوم الأخير، أخذ يمازحني: «كل يوم أحسن من يوم». ولأسباب أجهلها حتى اليوم، كان زياد يتأخّر كثيراً للوصول إلى الحفلة، أحياناً ساعة وأحياناً أكثر، ما يثير كما هو طبيعي انزعاج الجمهور. وكان التأخير يتجدّد كل يوم من دون تفسيرٍ مقنع، وتكرّر الشيء نفسه في مناطق أخرى. ثم قرّرنا مع زياد أن ننظّم حفل ختام الحملة في سينما البيكاديلي واعتمدنا تاريخاً هو 21 حزيران 1998. ولكنّنا، حين اعتمدنا هذا الموعد، فاتنا تزامنه مع مباراة ليلية بين إيران والولايات المتّحدة الأميركية في المونديال الذي يجري في فرنسا. كان موعد الحفل الساعة الخامسة بعد الظهر، وقلتُ لزياد إنّ علينا أن ننتهي في الساعة السابعة والنصف كحدّ أقصى لكي يصل الناس إلى بيوتهم قبل بدء المباراة. أكّد لي مراراً وتكراراً أنّه لن يتأخّر ولا دقيقة وأنّ الجمهور سيغادر في الساعة السابعة والنصف، ولكني لم أطمئِنّ…
والآن بعض الذكريات الحلوة: وصل زياد قبل الموعد المحدّد، وبدأت الحفلة في الوقت المحدّد، وانتهت في الموعد المحدّد. عرضنا كل كليبات الحملة. وألقيتُ كلمةً مقتضبةً لشكر كل من ساهم في الحملة. ثم طلَّ زياد مرتدياً قميص البرازيل الرسمي (هو مشجّع حقيقي لفريق البرازيل) وأنهى الحفلة الموسيقية بعزف «مانيا دي كرنفال» فيما دخلت صبايا الكورس مرتدياتٍ الأخضر والأصفر على إيقاع السامبا. خرج الجمهور سعيداً، وفهمتُ أنا كل هذه التفاصيل المُفاجِئة كرسالة صداقة بيني وبينه. من جهة أخرى، أعتقد أيضاً أنّ كل هذه الدقّة في مواعيد زياد سببها الأوّل أنه كان يريد أن يشاهد المباراة من بداياتها. وقد فازت بها إيران بإصابتَين مقابل إصابة واحدة!
وثائقي لم يُنجَز
عندما أخبرني زياد في صيف 92 عن مشروع مسرحيّته الجديدة «بخصوص الكرامة والشعب العنيد»، قال «إنّها ستتصفّح كتاب الحياة الاجتماعية اللبنانية وتقدّم نماذج عنها»، سألته: والحبكة؟ أجاب «ربما بدون حبكة». حدّقتُ به مطوّلاً، وقلت له: وأخيراً وصلت إلى مقصدك، يبدو أنّك كتبت وداعك للمسرح». ابتسم كالطفل الذي ضُبط متلبّساً واكتفى بترداد «ربما». للحقيقة، لم تُعجِب المسرحية أكثرية جمهور زياد التقليدي، لغياب الحبكة ولأسباب أخرى. ولكنّها تبقى إنجازاً مذهلاً لرجل جمع بين الموسيقى الحيّة (حيث وزّع 40 موسيقياً بين الخشبة والجمهور في حفرة «البيكاديلي») واللجوء إلى كل تقنيّات الفيديو لإيصال كاريكاتور ساخر عن تلفزيونات لبنان. أمّا النص، فهو نزول مرعب في أعماق الروح اللبنانية، نوع من الـ«أنتي-ملحمة» إذا جاز التعبير، مع تفكيك منهجي لأبجديّتها وكلماتها وتعابيرها الشائعة لتشريح التكاذب المجتمعي الذي يحول دون مواجهة الواقع كما هو.
بعد أقلّ من سنة على «الكرامة» (1993)، قرّر زياد متابعة المغامرة بواسطة «لولا فسحة الأمل» (1994) التي كانت نوعاً من التتمّة، أو بالأحرى نوعاً من التوضيح للمسرحية السابقة. في هذه الفترة، اتّصل بي صديق إنكليزي إسمه بيتر شابيل Peter Chappell، وهو مخرج أفلام وثائقية نالت عدة جوائز، وكان قد عرّفني إليه فواز طرابلسي. طلب منّي بيتر الاتّصال بزياد ليعرض عليه مشروعَ فيلمٍ وثائقي. وافق زياد على الفكرة، فصار بيتر يحضر التمارين ويصوّر ما يشاء، فيما ألعب أنا دور المترجم. وكنا نلتقي في آخر الليل في شقّة زياد إمّا لمراجعة المقاطع المصوّرة وإمّا لإجراء مقابلات وإمّا لتمضية السهرة من دون همّ العمل. كان بيتر يجمّع موادّ ليُريها للقناة الرابعة الإنجليزية Channel 4 المتخصّصة بالأفلام المستقلّة. وبقينا على هذا النمط طيلة أسبوعين. عشيّة سفره، كنا مجتمعين حول طاولة في البيت— جوزيف سماحة وزياد وأنا، نضحك ونشرب (زياد وأنا من المشروب الروسي، وجوزيف وبيتر من المشروب اللبناني). وطلب منّا بيتر أن نتباحث بيننا بشكل طبيعي لكي «يدوزن» الصوت والإضاءة. قلت لزياد: «بالنسبة لي، أنت عبقري جمع ماركس وفرويد في ما يخصّ فهمَ أعماق الطبيعة اللبنانية وتشريحها. أمّا سياسياً، فأنت حمار بأذنين بهالكبر»، واصفاً الأذنين بيديّ. توجَّه زياد بانفعال إلى جوزيف سماحة: «بشرفك، ليك هالبشط كيف بيحكي عني؟». وقهقهنا نحن الثلاثة ضحكاً، والإنكليزي يتساءل عمّا يحدث من حوله. لم يحصل بيتر على التمويل، واتّصل بزياد آسفاً، وتفهّم زياد الأمر، وبقيا على اتّصال والتقيا في لندن بعد حفلة موسيقية لزياد وسهرا معاً.
خاتمة: تركني ع الأرض وراح...
أضواء المقهى
ليلة ربيعية باردة من ليالي بيروت في عام 2005 التي تلت تجمّعات 8 و14 آذار المذهلة. نتنقّل في شوارع الأشرفية كفرقة من الهنود الحمر: يفتتح الموكب زياد الرحباني، خلفه جوزيف سماحة وابراهيم الأمين، وفي المؤخّرة أنا والصديق نجيب نصرالله. الوجهة؟ قهوة «التشيز» حيث تواعد زياد مع أنسي الحاج ليعرّفه على سماحة والأمين. كلّ النهار، حاول سماحة إقناعي بالعودة إلى البلد «بعد أن صار لدينا جريدة». وكذلك الأمين الذي أكّد لي أنّ «كلّ الظروف مؤاتية هذه المرّة لإنجاح ما فشلنا في القيام به في السفير». كنّا– نحن الثلاثة وغيرنا– قد حاولنا عام 2000، برضى المالك ومساعدة أولاده، أن نجدّد الجريدة ولم ننجح لأسباب ليس محلّها هذا المقال. أما زياد، فكل ما أراده هو أن يعرّفني إلى أنسي (كان يعرفني من دون أن نلتقي لأنه حرّر لي عدداً من المقالات في «النهار العربي والدولي»). بعد كلّ هذا الضغط والإصرار الذي خجّلني، بدأ الفأر يلعب بعبّي ولم أعُد أكيداً من قدرتي على الصمود، خصوصاً إذا وافق أنسي على الالتحاق بالمشروع. وما إن بدأتْ تلمع أضواء «التشيز» عن بعد، أسرع زياد خطواته فيما انعطفتُ أنا يميناً في شارع ضيّق ومُظلم من دون أن أودّع أحداً (لم أرَ جوزيف بعد هذه الليلة). عندما التفتُّ إلى الوراء لأنظر مرّةً أخيرةً إلى الشلّة، كان قد لحق بي الوفيّ نجيب الذي لم يشأ أن يتركني لوحدي.
مكالمة بين لندن وجينيفا
رنّ الهاتف عندما عدت إلى بيت إبنتي أسمرا. بعد انقطاع ثلاثة عقود ونيّف، عرفتُ صوته فوراً. إنّه بيتر على الخط بلغته الفرنسية ذات اللكنة الإنكليزية: «وينك؟ أحاول الاتّصال بك منذ الصبح»
أنا في جينيفا ولكنّي لا أحمل التلفون في السفر... نعم، علمت بالخبر الحزين… لا، لم ألتقِ به منذ فترة... للحقيقة منذ سنتين، كان يعزف في الباروميتر، جاء إلى طاولتنا وأخذ رقمي ووعد بالاتّصال في اليوم التالي ولم يفعل... نقل إليّ أصدقاء كانوا يرونه في الفترة الأخيرة: يستمع إليهم من دون أن يدلي بأي كلمة... بلى سأحاول استبدال بطاقة السفر [لم أنجح]... أعرف أنّ معك موادّ مصورة ومسجّلة بصوته، ولكن لنتمهّل قليلاً ونرى ما الذي ستفعله ريما... أعتقد أنها ستُنشئ مؤسّسة باسمه وعندئذٍ، هذا مكانها الطبيعي… قال لي من زمان زمان إنّ هناك أسطوانات مسجَّلة، وصديق له عليم أكثر منّي أكّد أنّها بالعشرات... لنتمهّل وننتظر قرار ريما، أصلاً لا خيار لدينا... قبلات للعائلة، وأرجع صوبك عندما تتّضح الصورة.
راهبة جميلة ووادٍ عميق
وصلتُ إلى بيروت في اليوم الثاني بعد دفنه. بكيتُ عندما رأيتُ فيديوهات مَسيرة شارع الحمراء التي ودّعته. تأثّرتُ بصورة سهى بشارة مرتديةً قميصاً أبيض طويلاً، حاملةً وردةً حمراء (كنّا قد تغدّينا معاً في جينيفا قبل أسبوع). ضحكتُ وزعلتُ في آنٍ واحدٍ عندما رأيتُ صور كنيسة المحيدثة وملابساتها.
في اليوم التالي، طلبتُ من الصديق ألبير أبي عازار أن ينقلني إلى قبره، وكنّا نعلم أنه في جوار شويا. سألنا الصديقة ضحى شمس إن كان لديها معلومات، فأجابت بالنفي. توقّفنا في بكفيا في مطعم شهيّ وشربنا حاجتنا من العرق البلدي. في شويا، بدأنا نسأل السكان عن مقصدنا، وكلّ واحد يعطينا معلومة تقرّبنا أو تبعدنا. دلّونا على بيت قديم قيل إنّ عاصي وفيروز والعائلة سكنوه عندما كان الأولاد صغاراً. وصلنا إلى دار راهبات. دقّينا الجرس وطلّت راهبة شابة وجميلة وبشوشة. دلّتنا على العنوان الأكيد. دخلنا طريقاً يؤدّي إلى زقاق في نهايته بناية يمنعك حاجزٌ من الوصول إليها. تقدّم الحارس من السيارة وقال بكل تهذيب ألّا مجال للدخول. من وراء الحاجز والحرس رأينا عمّالاً يجهّزون حديقةً تطلّ بدورها على وادٍ عميق.