نقد ثقافة
خالد صاغيّة

أنقِذونا من هذا الفنّ

التطبيع مع الكارثة ومرتكِبيها

29 تشرين الأول 2026

ليست المرّة الأولى التي تعتدي فيها أعمال فنية على الفضاء العام، من مجسّم نديم كرم في موقع انفجار المرفأ إلى منحوتة رودي رحمة التي لا تزال تنتظر حديقتها لتمثّل بجريمة الأهراءات، إلى العنف المعماريّ فوق المقابر الجماعية في الكرنتينا. لكنّ هذه الأعمال المتفرّقة غالباً ما كانت تنتظر مرور زمنٍ ما على الكارثة، لتقدّم رقصتَها. أمّا ما نشهده اليوم، فيمكن أن نصفه بـ«توحّش» الفنّ ورعاته الذين ما عادوا حتى يملكون الصبر أو الحياء لانتظار عبور الكارثة، فباتوا مستعجلين للتطبيع معها ومع السلطة التي أنتجتها.

«الكرسيّ الأزرق»: فنّ التطبيع مع الكارثة

أوّل من أمس، أُزيلت الفوارق بين مدينة بيروت ومدينة نيس، عاصمة «الكوت دازور». تكفّل بذلك افتتاح مجسّم «الكرسي الأزرق» على كورنيش بيروت، بمبادرة من جمعية سياحية وأخرى عقارية تعملان بين لبنان وفرنسا. تمّت هذه المهمّة الوطنيّة بحضور وزيرَيْن في الحكومة (السياحة والإعلام)، ونائبَيْن في البرلمان (إحداهما نائبة عن كتلة كرينج التغيير)، ومدبِّج الفتاوى القانونية في بلاط ميشال عون وإميل لحود، ومحافظ بيروت ورئيس بلديتها، إضافةً إلى السيّدة الأولى. لا مجارير الصرف الصحي التي تصبّ في بحر بيروت، ولا الانهيار الاقتصادي، ولا الحروب الإسرائيلية وتجريف القرى، ستقف من الآن فصاعداً في وجه مسيرة البلد الصغير نحو العالمية. فبواسطة الفنّ، تزول الحدود وتزول السياسة… الفنّ يخلّص العالم (ضحكة)، بحسب مصمِّمة الكرسي، الفنّانة الفرنسيّة سابين جيرودي. 


ما افتعله المنظّمون والرعاة الكُثُر لهذه الرداءة هو، في الواقع، انتهاكٌ للفضاء العام لكورنيش عين المريسة الذي لا تربط ذاكرتَه أيُّ علاقة بالكرسي الأزرق، واعتداءٌ على مستخدِمي الكورنيش الذين لم يستشرهم أحد بشأن الكرسي الذي سيصبح، رغماً عنهم، حاضراً في صباحاتهم ومساءاتهم. والحقيقة أنّ سابين جيرودي التي اعتمدت في تصميمها على شكل الكراسي التي تُستخدَم في الأماكن العامّة في فرنسا، انتبهت إلى غرابة نقل هذا الكرسيّ إلى بيروت. فأكّدت أنّها حرصت كل الحرص على أن تكون لـ«الكرسي الأزرق» في بيروت هويته الخاصة وتاريخه الخاص، وأن ينتمي حقًا إلى أولئك الذين سيأتون للالتقاء به. لكن لتحقيق سعيها هذا، ارتأت الفنّانة الفرنسيّة أن تتضمّن النسخة اللبنانية إبداعاً خاصّاً تمثّل بإضافة خريطة لبنان إلى ظهر الكرسي. et voilà، تمّت بهذه الطريقة تبْيِئَة الكرسي الفرنسي مع الكورنيش البيروتي، وباتت عملاً فنياً جديراً بالعرض في الحيّز العام للمدينة المنكوبة. 

مهما حاول المرء افتراض حسن النيّة، من الصعب فصل ما جرى على الكورنيش عن عمليات النهب المنظّم الذي يتعرّض له اللبنانيون. لكنّ النهب، هذه المرّة، لا يقتصر على استخدام الحيّز العام لصالح شركات خاصّة وفنّانين متكسِّبين، بل يحقّق أيضاً رغبات السلطة في تطويع الفضاء العام واستخدامه للترويج لخطابها السياسي القائم على التطبيع مع الكارثة، سواء كانت انهياراً اقتصادياً أو احتلالاً مديداً. ولعلّ أفضل وسيلة لهذا التطبيع هو هذا النوع من الفنّ و«التبادل الثقافي» الذي يُراد له أن يودي بمخيّلتنا نحو نيس التي باتت مدينتُنا تشبهها بفضل هذا الكرسيّ، وندرك أخيراً أنّ الحلم اللبناني نحو اعتلاء المراتب العالميّة بات قاب قوسَيْن أو أدنى. هكذا تخلّى المنظّمون عن حلمهم بتركيب exactly نفس الكرسي الزرقا ببيروت، وأثنوا على إضافة الخريطة التي رأوا فيها اعترافاً بنجاح لبنان بتجاوز الكارثة لأنّ هذا المشروع الفنّي والثقافي ذا البعد العالمي يجعل من بيروت المكان الأوّل في العالم، بعد نيس، الذي يستقبل هذا العمل الرمزي. احتلال بيروت المركز الأوّل لم ينفِ ضرورة تغيير «رسالة» الكرسي الذي صُمِّم أساساً كتعبير عن السعادة وصعوبة الوصول إليها، ليصبح في لبنان الذي لا يتمتّع بتَرَف طرح أسئلة فلسفية، رمزاً لكليشيهات السلام والحرية والأمل، ناهيك بـ«الريزيليانس»، بحسب المنظِّمين. 

وفقاً لهذا النوع من «التبادل الثقافي»، يُفترَض أن تكون الخطوة التالية تهيئة مكان في فضاء العاصمة اللبنانية يتّسع لنسخة من برج إيفل. ومن الآن حتى ذلك الحين، يمكن التفكير بأساليب فنية لتَبْيِئة البرج كأن تضاف إليه نوافذ شبيهة ببرج المرّ. وقد يتكفّل إيلي صعب بتصميم فساتين تليق بالمناسبة.

«صُنِع بِنَهْبك»: فنّ التطبيع مع المُرتكِبين

بعيداً من فضاء الكورنيش العام والفنّ السياحي، اختُتم السبت في 24 تشرين الأول معرض «صُنع بسحرك» الذي استضافه مركز بيروت للفنّ متباهياً بإقامته «بالتعاون مع مجموعتَي مقتنيات من الأهمّ في لبنان والعالم العربي»، بينها مجموعة سرادار، إضافةً إلى أعمال أخرى «منتقاة بعناية». ومجموعة سرادار، لمن لا يعرف، مملوكة من السيّد ماريو سرادار الذي تشاء الصُّدَف أنه نفسه السيّد ماريو سرادار رئيس مجلس الإدارة والمدير العام لبنك سرادار، وهو نفسه السيّد ماريو سرادار عضو مجلس إدارة بنك عودة بين عامَيْ 2004 و2014. 

ليس أمرُ المجموعة مستغرباً، فقد سار سرادار وفق تقليد اعتمدته مصارف ومؤسسات تجارية كبرى منذ التسعينيّات، حين أدخلت أعمالَ الفنّ اللبناني ضمن محفظتها الماليّة، كما عمد بعضها إلى دعم مؤسسات ثقافية كجزء من حملاته الإعلانيّة. 

ومنذ الانهيار الاقتصادي، اختفى تمويل المصارف، وتجنّبت المؤسسات الثقافية اللبنانية إظهار أيّ علاقة لها بالمصارف الضالعة بالمخطّط الاحتيالي الذي أدّى إلى إفقار اللبنانيّين، ولجأت إلى مؤسسات مالية بديلة، أو إلى رأسماليين جدد جاؤوا يقتاتون من تعثّر الاقتصاد اللبناني ليحوّلوا انهياره إلى فرصة للربح (رودولف سعادة مثالاً). حتّى أنّ «مركز بيروت للفنّ» حين دعا الرابر جعفر الطفّار لإقامة حفل غنائي، في «لحظة تخلٍّ» فرضتها الحرب الإسرائيلية، اضطرّ أن يُقسم له بالرحمن أنّ المركز تخلّى منذ سنوات عن دعم مصرف SGBL، وأنّ لا علاقة تربطه اليوم بالمصرفيّ أنطون صحناوي.

غير أنّ هذا «التبرّؤ» من علاقة الفنّ بمؤسسات ضالعة بالمخطّط الاحتيالي ومتّهمة بعمليات غسيل أموال، لم يدُم طويلاً. وككلّ المعادلات الكيميائية المستعصية، يتطلّب الأمر وجود محفِّز خارجيّ لإتمامها. فكان على المجتمع الفنّي اللبناني أن ينتظر قدوم أحد أبرز القيّمين الفنّيين في العالم العربي، الذي ارتأى، على ما يبدو، أنّها اللحظة المناسبة كي يتجاوز الفنّانون اللبنانيون «عقدة» المصارف بعد سبع سنوات على الانهيار، وأن تحتلّ مجموعةُ سرادار جزءاً من معرضه الاستثنائيّ الذي امتدّ نحو ثلاثة أشهر تخلّلتها مجموعة من المداخلات وجلسات السماع الموسيقية، ناهيك باحتفال بـ«الموروث الغنائي الفلسطيني». فلا بدّ من استدعاء «فلسطين» كلّما شاء أحدهم التغطية على فعلٍ شائن. 

لا أحاول هنا تقديم حجّة راديكاليّة تطرح أسئلةً حول علاقة الفنّ ومعارضه ومراكزه بمراكز رأس المال. فمنذ سنين طويلة، يدعونا القيّمون الفنّيون إلى تجاوز «العُقَد» وضبط الراديكاليّة على إيقاع الأموال الإماراتيّة وسواها. لا بل تحوّلت الراديكاليّة نفسُها إلى سلعة فنّية بعدما باتت دول الخليج المموّل الرئيس لمعظم الفنّ العربي. المسألة المطروحة هنا أبسط من ذلك بكثير، وتتعلّق أوّلاً بالتفكير بما يعنيه إشراك مجموعة مصرفيّ «يبيّض» أموال الناس التي احتجزها بشراء أعمال فنّية، في معرض في بيروت في اللحظة التي لا تزال فيها المدينة ترزح تحت وطأة الانهيار، وما زال المصرفيّ صاحب المجموعة- أسوةً بزملائه المصرفيّين الآخرين- رافضاً الإفراج عن أموال مودعيه ورافضاً تحمّل مسؤوليّته عن الانهيار. هذه ليست «عقدة» ينبغي تفكيكها، بل مسألة تقع في صلب السؤال الفنّي وعلاقته بالمجتمع وبعلاقات القوّة والعلاقات الطبقيّة فيه. وقد سبق للكثير من الفنّانين اللبنانيّين أن أدركوا ذلك يومَ شاركوا بانتفاضة تشرين، لا بل باقتحام المصارف أيضاً، وهم مطالَبون بالتفكير بتلك «العقدة» حتى لا تتحوّل أعمالهم عن الانهيار إلى مجرّد ثيمةٍ مربحة في سوق الفنّ المعاصر، ولا يتحوّل المصرفيّ الذي ساهم بنكبة المدينة وأهلها إلى شريكنا في عالم الفنّ (المنفصل عن المدينة وأهلها؟).


الفارق بين فنّ «الكرسيّ الأزرق» والفنّ الذي «صُنِع بنهبك» هو أنّ الأوّل رعاه الطقم الحاكم المتحالف علناً مع المصارف، والساعي لطرد السياسة والصراعات الطبقيّة من الحيّز العام. أمّا الثاني، فيبدو أنّ معركته مختلفة، وهي طرد الفنّ نفسه من الحيّز العام، وعزله في أمكنة خاصة تستذكر مجتمعها في لحظات الكوارث الكبرى، فتعمد إلى هبستَرَة الزعتر الجنوبيّ قبل أن تدعو إلى التطبيع مع لصوص المصارف. وربّما، لن يطول الوقت قبل أن تعود إلى حضن أنطون صحناوي، وربّما المشاركة بموائده لنتنياهو. فسكّة التطبيع مع مرتكبي الكوارث قد افتُتحت. وبواسطة الفنّ، كما ذكّرتنا سابين جيرودي، تزول الحدود وتزول السياسة… الفنّ يخلّص العالم (ضحكة).

آخر الأخبار

مواد إضافيّة
نقد

أنقِذونا من هذا الفنّ

– خالد صاغيّة
طعن 4 كلاب في عنقها
لينا عطالله تواجه قضاء السيسي مجدداً: حكم غيابي سابق بالسجن
29-10-2026
أخبار
لينا عطالله تواجه قضاء السيسي مجدداً: حكم غيابي سابق بالسجن
أهالي الخليل يريدون العودة بعد تهجيرهم من بيوتهم
29-10-2026
تقرير
أهالي الخليل يريدون العودة بعد تهجيرهم من بيوتهم
مع لينا
تعليق

انتخابات صربيا والبرازيل

– سامر فرنجية