قضية الأسبوع سجون
ميغافون ㅤ

اقتراح قانون العفو العام

نحو إعادة النظر بأسس «العدالة»

23 أيار 2026

تطييف العفو العام

منذ بضعة أسابيع، والبلاد تشهد سجالات متقطّعة حول اقتراح قانون العفو العام، أخذت كالعادة منحًى طائفيًا، مع تبنّي كل جماعة فئةً من الموقوفين، مطالبةً بالعفو عنها. وعلِق اقتراح القانون في بازار طائفي، ليتحوّل من مناسبة لإعادة النظر في نظام العدالة والعقاب إلى تراشق طائفي عقيم. 

انطلق اقتراح القانون من واقع السجون المأسوي والتأجيل البنيوي للمحاكمات، ما أدّى إلى حالة من الاكتظاظ في السجون، حولتها إلى عقاب غير إنساني موجّه تجاه أيّ فرد دخل دهاليز القضاء اللبناني. واعترف النواب أصحاب الاقتراح، ضمنيًا، باستحالة إصلاح النظام القضائي في المدى القريب، فجاء اقتراح العفو العام، كمحاولة للتخفيف من أزمة السجون.

لكنّ هذه الأسباب لم تشكّل الدافع وراء اقتراح القانون، بل ذريعته الإعلامية فحسب. ذلك أنّ الدافع كان «طائفيًا»، ومرتبطًا بضرورة تسوية وضع الإسلاميين الموقوفين، خاصةً بعد التغيير السياسي الذي شهده لبنان وخفوت سيطرة حزب الله على النظام القضائي. لم تتأخر الكتل الطائفية الأخرى بالمطالبة بـ«جماعاتها». فطالبت الكتل المسيحية بإدراج مسألة «المبعدين إلى إسرائيل»، والثنائي الشيعي بعدم استثناء الموقوفين بقضايا مرتبطة بالمخدرات. 

ما سقط جراء البازار الطائفي حول اقتراح قانون العفو العام ليس هيبة القضاء أو شرف المؤسسة العسكرية، كما حذّر البعض، بل النقاش الضروري حول العدالة والعقاب والقضاء، والتي تشكّل أسس نظامنا القضائي وأزمته. فقانون العفو العام بات ضروريًا في ظل تحلُّل مؤسسات الدولة، لكنّه يحتاج إلى إعادة نظر بنظامنا القضائي ومفهومه للعدالة، كي لا يتحوّل العفو من استثناء إلى قاعدة. 

أزمة السجون هي أزمة العدالة

لم تبدأ أزمة السجون البارحة، وإن كانت الأزمة المالية ومن ثم وباء الكورونا قد عمّقا من تدهور وضع السجون. فمنذ عقود، والاكتظاظ يتفاقم، كما عدد الموقوفين الذين ينتظرون محاكمتهم، في سجون تفتقد إلى الحد الأدنى من التجهيزات، وإدارتها مشتتة بين وزارات مختلفة. 

ينطلق اقتراح قانون العفو العام من هذا الواقع، لكنّه لا يقدّم أي مقترح لإصلاح أيٍّ من الأسباب التي أدّت بالوضع إلى ما هو عليه. كما لا يحلّ المشكلة إلّا جزئيًا. فالاقتراح المتّفق عليه يطلق سراح نحو 3,000 محكوم وموقوف من السجون حيث يقبع أكثر من 8,600 نزيل مع نسبة اكتظاظ تصل إلى نسبة 330%. ما يعني أنّ هذا الاقتراح علاج جزئي لأزمة الاكتظاظ التي ستبقى نسبتها نحو 195% في حال إقرار الاقتراح وتطبيقه. أضف إلى ذلك أنّ العدوان الإسرائيلي ضاعف هذه الأزمة، إذ تمّ نقل موقوفين من النظارات في الجنوب والضاحية الجنوبية إلى مواقع أخرى، ما زاد المشهد تعقيداً. 

اقتراح قانون العفو العام لا يعالج أزمة السجون، بل يشفي عوارضها فقط. فيفترض بأي خطة لمعالجة هذه الأزمة أن تتمّ من خلال خطوات إصلاحية تشمل القضاء والسجون، ومنها تسريع المحاكمات، إن كان بزيادة عدد القضاة وكتبة المحاكم ومعالجة مشاكل سَوْق الموقوفين إلى المحاكم واعتماد المحاكمة عن بُعد أو في السجون، ورقمنة الملفات القضائية. وكذلك اعتماد إجراءات أخرى، منها منع التوقيف الاحتياطي وتمديدِه إلاّ بقرارات قضائية معلّلة، إذ توضح أزمة السجون الحالية أنّ 83% من نزلاء السجون ومراكز التوقيف، هم من الموقوفين غير الصادرة بحقهم أحكام قضائية.

فأزمة السجون ليست ناتجة عن «سوء إدارة» وحسب، بل أيضاً عن قوانين وإجراءات وممارسات حوّلتها إلى أماكن لنفي كل من طالته شبهة، محمولة من منظومة قيَم أخلاقية ما زالت تجرّم ممارسات باتت مقبولة اجتماعيًا أو تنظر إلى المشتبه به كمجرم أو تنظر إلى العقاب اللا-إنساني كردّ مقبول على أي جريمة. 

فشل مقاربة «الحرب على المخدرات»

يتجلى هذا الواقع في موضوع المخدرات، والذي يشكّل إحدى أكبر فئات الموقوفين والمساجين. فليس من حل دائم لأزمة السجون خارج إصلاح قوانين المخدرات. 

فرغم إقرار قانون تشريع زراعة الحشيشة لأسباب طبية، ما زال القانون اللبناني يجرّم استعمال المخدرات، حتى لأسباب طبية، ويفرض السجن كعقاب لمن استعمل مادة مخدّرة، وإن كان هذا قد بدأ يتغيّر في السنوات الأخيرة. كما يقوم القانون اللبناني على مفهوم «واسع» للترويج، والذي يحوّل عملية «تضييف صاروخ» إلى جرم ينتهي بصاحبه لسنوات في السجن. هذا بالإضافة إلى استنسابية التعاطي مع الموقوفين من جهة، والعنف الذي يفرض عليهم من جهة أخرى، ما يُدخل أي مشتبه به في دهاليز، قد تمتدّ لسنوات. ويمكن أيضًا إضافة تجريم زراعة قديمة، كزراعة الحشيشة، رغم وجود قانون يشرعها ويفترض على الأقلّ تحوّل النظرة حيالها. 

في ظل هذا القانون والممارسات، لن يحلّ اقتراح قانون العفو العام المسألة، بل سوف يؤجّلها بضع سنوات، قبل أن يعيد الدفع بالمئات إلى السجون للأسباب ذاتها. فأيّ حل فعلي لقضية السجون، على الأقل في ما يخصّ مسألة المخدرات، يتطلب عدم تجريم الاستخدام، وتعديل تصنيف المواد المخدرة تماشياً مع القيم الاجتماعية، والحد من التوقيف الاحتياطي وعدم شيطنة المستخدمين. حينها، يمكن البدء بالتخفيف من أزمة السجون، مع قوانين عصرية تتماشى مع مفهوم إنساني للعدالة. 

الإسلاميّون والعدالة الممنوعة

لقد فجّر اقتراح قانون العفو العام موضوع الإسلاميين المحكومين والموقوفين. فبعد رفض مؤسسة الجيش إخلاء سبيل بعض الإسلاميين، خرجت مظاهرات في المناطق والمدن ذات الغالبية السنيّة، وذلك لما اعتبره هذا الجمهور استمراراً لظلم أبناء الطائفة من محكومين وموقوفين إسلاميين. فقضية «الإسلاميين» تشير إلى عملية تسييس القضاء، وخضوعه لمنطق «الحرب على الإرهاب»، ما منع إتمام العدالة في هذه القضية وتحويلها السجون إلى حكم مؤبد، خارج أي اعتبار للعدالة. 

فلا تزال كلمة «إسلاميين» تستجلب معنىً سلبياً في الإعلام ولدى الرأي العام، وذلك تبعاً لأكثر من عقدَين من التحريض السياسي والضخّ الإعلامي ضدّ هذه الشريحة من اللبنانيين، تماشيًا مع «خطاب مناهضة الإرهاب» الذي «شرّع» قمعهم خارج الأطر القانونية. كما استغلّت المنظومة اللبنانية ملف الإسلاميين واستخدمته في أكثر من محطة سياسية وزمنية، لتحريك الرأي العام أو تحويل أنظاره، أو حتى كصندوق بريد لتبادل الرسائل السياسية داخل المنظومة نفسها. 

ما تكشفه أيضًا قضية الإسلاميين هو ارتكابات الأجهزة الأمنية بحق الموقوفين المدموغين بختم «الإٍسلاميين»، إن كان عبر تركيب ملفات إرهاب أو انتزاع اعترافات تحت التعذيب أو توقيف الأشخاص بناءً على منشور على وسائل التواصل الاجتماعي أو صور وفيديوهات على هواتفهم. فأي قانون للعفو العام عليه إصلاح الأسباب التي أدّت إلى الأزمة الراهنة، ومن بينها ضبط ارتكابات الأجهزة الأمنية ومنع «شيطنة» أي فئة كمدخل لمنعها من محاكمة عادلة.  

العفو العام كمدخل لإصلاح العدالة

ما تظهره تلك القضايا، ومن ورائها النظام القضائي المهترئ، هو أن أزمة السجون، والتي شكّلت الدافع لاقتراح قانون العفو العام، ليست ناتجة فقط عن سوء إدارة أو أزمة مالية أو قلة قضاة. هي ناتجة أيضًا عن قوانين وممارسات «شرّعت» استعمال السجون كمكان لنفي كل من قرّر المجتمع أنّه فاقد لحقوقه القانونية.

لا تكمن أهمية اقتراح قانون العفو العام في نتائجه المباشرة وحسب، أي تخفيف الاكتظاظ و«تحرير» فئة كبيرة من الناس من دهاليز النظام القضائي. بل تكمن أيضاً في فتح نقاش عام حول أسس العدالة التي نريدها ومنظومة القيَم التي تضع حدود المسموح والممنوع، بدلاً من التفاوض الطائفي حول حصص كل جماعة من العفو العام.

آخر الأخبار

مواد إضافيّة
25 جريحاً من الطاقم الطبي جراء الغارة الإسرائيلية قرب مستشفى حيرام في صور
حصيلة محدّثة في لبنان: 3,123 شهيداً، 9,506 جرحى
%57 من عمليات الهدم في الجنوب نفّذتها إسرائيل بعد إعلان «الهدنة»
القبض على لواء شغل مناصب عسكرية بارزة بعهد الأسد
تشييع المسعفين أحمد الحريري وحسين قصير وعلي غساني في دير قانون
مصرف لبنان يتحرّك جزئياً لصالح الأمّهات