تعليق القضاء
سامر فرنجية

اقتراح قانون العفو العام

«مقموعات» سياسيّة تتصارع قبل أن تنهار

12 أيار 2026

«الثورة» والسجون

بعد اندلاع الاحتجاجات في عام 2019، حاول «النظام» ترميم شرعيته من خلال تمرير قانون للعفو العام، أراد من خلاله إعادة استقطاب فئات واسعة من الناس، كان مصيرها مرتبطاً بجهنم السجون اللبنانية ودهاليز النظام القضائي. منع آنذاك المحتجّون النواب من الوصول إلى المجلس النيابي، في صباح مليء بالعنف، ما أسقط التصويت. يومها، انتصرت «الثورة» على «النظام». وربّما كان هذا انتصارها الأخير. 

لكن بعيدًا عن ساحات الاحتجاج، في نظارة خارج بيروت، كان هناك موقوفون في قضايا مخدرات سخيفة، ينتظرون إخلاء سبيلهم، لو مرّ القانون آنطاك. هُم من داعمي «الثورة»، لكنّهم ولسوء حظهم، دخلوا في دهاليز القضاء اللبناني وسجونه. انتظروا في النظارة قرار التصويت، ولم يفهموا لماذا عارض «الثوار» هذا المطلب العادل. كانوا موعودين بخروجهم الوشيك من السجن. حتى جاء «انتصار» الثورة على النظام، وفهم الموقوفون أنّ خروجهم تأجّل لسنوات. 

بين انتصار الساحات وبؤس السجون، مسافة كبيرة تلخّص مأزق أي عملية اعتراضية سياسية في لبنان. فـ«ثورة تشرين»، ورغم صراخها ومسبّاتها وعنفها، بقيت ضمن حدود «السياسة المحترمة»، سياسة تسعى إلى القبول الاجتماعي ولا تشكّك بالقيَم الناظمة للمجتمع. «ثورة» لم تجد في السجون ومآسيها أو في القوانين وإجحافها أيّ سبب للتحرّك، وهي في طريقها لإسقاط النظام. فـ«الثورة» كانت تنظر إلى نفسها كدولة بديلة قيد الإنشاء، تنظر إلى المجتمع من عيون هذه الدولة المرجوّة، والمستحيلة. 

انتهت الثورة، وبقي الموقوفون سنوات إضافية في السجن، ينتظرون محاكمتهم.

عفو عام بعد حزب الله

بعد خمس سنوات، عاد اقتراح قانون العفو العام، قبل أن ينحسر مجددًا جراء تجاذبات أقطاب النظام. 

هذه المرّة، لم يأتِ الاقتراح كمحاولة لترميم شرعية النظام، كما لم يأتِ كمحاولة لطيّ صفحة نزاعات الماضي أو كمدخل لعملية إصلاحية. يأتي اقتراح القانون، رغم تحجّجه بمسألة اكتظاظ السجون والتأخير البنيوي في المحاكمات، كترجمة لتحوّل النظام السياسي بعد انتهاء مرحلة سطوة حزب الله عليه. 

من أولى إشارات هذه «الترجمة القضائية» للتحوّل السياسي، فرض الحكومة السورية الجديدة إخلاء سبيل مساجين سوريين كانوا قد أوقفوا في مرحلة شكّل فيها الاعتراض على نظام الأسد وحليفه اللبناني «جرمًا» و«خطيئة». جاء الاقتراح الجديد لقانون العفو العام ليستكمل هذه الترجمة، مطالبًا بتحرير «موقوفين إسلاميين»، أعيد تعريفهم كأعداء لحزب الله، وليس للجيش اللبناني، كما صرّح عدد من المقربين منهم. وجاءت تبرئة الفنان فضل شاكر والشيخ أحمد الأسير في إحدى القضايا المرفوعة ضدهما لكي تؤكّد هذه الوجهة.

ليس «الإسلاميون» وحدهم مَن طالب بإعادة النظر بقضاياهم بعد نهاية مرحلة سطوة حزب الله على النظام اللبناني، بل صعدت قوى مسيحية لكي تطالب بمعالجة أوضاع اللبنانيين الذين فرّوا إلى إسرائيل بعد تحرير الجنوب عام 2000. ففي لحظة إعادة تركيب النظام السياسي، فتح قانون العفو العام مسألة «الجرائم» التي لم تعد جرائم، مطالبًا بـ«تحديث» مفهومنا لها في ظل الوضع الجديد. 

المقموع السياسي للطوائف

ما أظهره البازار السياسي الذي واكب طرح اقتراح القانون هو «المقموع السياسي» للطوائف اللبنانية، أي الصورة الأخرى أو الممنوعة عن الطوائف، هذه الصورة التي تقبع وراء جدران السجون أو خارج الحدود أو في نظارات الأجهزة. فالسنّة طالبوا بإخلاء سبيل الإسلاميين الذين عانوا من ظلم بات عمره سنوات. أمّا المسيحيون، فطالبوا بحل مسألة اللبنانيين الذين فرّوا إلى إسرائيل بعد أن بات النظام السياسي يهرول وراء التفاوض مع إسرائيل. واللافت أنّ حزب الله لم يعارض هذه المطالب، وكأنّه اعترف بانتهاء مرحلة كان يمكن أن يفرض فيها «خطوطه الحمر» على النظام. في المقابل، طالب بشمل القضايا المتعلّقة بالمخدرات، وكأنّه يعيد رسم أولوياته. في لحظة الضياع الحالية، خرجت إلى العلن «المقموعات السياسية» لكل طائفة: السنّة: الإسلاميون، المسيحيون: اللبنانيون في إسرائيل، الشيعة: المخدرات.

الإسلاميّون وصعوبة إعادة تدويرهم

لم يأتِ الاعتراض من حزب الله، وهو من قاتل الإسلاميين السنّة وشيطنهم وضغط على القضاء لإبقائهم في السجون. بل جاء الرفض من مؤسسة الجيش، ومن ثمّ وزير الدفاع، قبل أن يرفض رئيس الجمهورية العملية الحسابية التي كانت قد أفرجت عن أكثرية الإسلاميين. فبدا وكأنّ النظام اللبناني قادر على استيعاب «مقموعات» الطوائف كلها، ما عدا «مقموع» الطائفة السنية، هذه الطائفة التي تقع في موقع غريب في النظام، كالطائفة الأضعف والأقوى في آن. فتتشارك الطوائف الأخرى، رغم نزاعاتها بين بعضها بعضاً، الريبة من الطائفة السنّية التي تشكّل خروجًا عن مبدأ الأقليّات المؤسِّس للبنان. هي الطائفة ذات الامتداد الإقليمي الأقوى، لكنّها الأضعف داخليًا. فـ«مقموعها» يخيف، ما أسقط الاقتراح. 

اقتراح يؤكّد استحالة الإصلاح

بعيدًا عن التجاذب الطائفي حول القانون، برز هذا القانون كاعتراف رسمي باستحالة الإصلاح في لبنان. فصرّح النائب عبد الرحمن البزري، أحد النواب الذين يقفون وراء اقتراح القانون، أنّ الجسم القضائي غير قادر على مواكبة الكمّ الهائل من الملفات القضائية العالقة، معتبرًا أن هذا القانون هو رد على استحالة إصلاح القضاء في ظل القنبلة الموقوتة التي تدعى السجون. بعد سنوات من الانهيار والانحلال، لا يبدو أن هناك إمكانية لـ«إصلاح» ما تبقى من هذا النظام، خارج عمليات استئصالية، ذات كلفة عالية. وربّما ليس من اعتراف أصدق من هذا باستحالة الإصلاح. إلّا أن قانون العفو العام لم يعذّب حاله حتى بطرح مسار إصلاحي، ما يعني حكمًا أن الأزمة ستعود بعد بضع سنوات، ما سيتطلب قانونًا جديدًا للعفو العام. 

المقموع السياسي «للإصلاح»

ليست الطوائف وحدها من لديها آخرها المرفوض، أو مقموعها، بل أيضًا جماعة الإصلاح والدولة. ففي توقهم لإصلاح الدولة، باتوا سجناء صورة نمطية للدولة وللإصلاح، في ما يشبه سيرورة من الإصلاح التي لا نهاية لها. وهذا ما تجلّى في النقاش حول قانون العفو العام. فإذا كان لكلّ حزب جماعته، مع قضيتها وتاريخها وقيمها، فإنّ الموقف الإصلاحي هو مع «الإصلاح»، أي مع مبدأ مجرّد. هكذا يبدو أنّ الذين سقطوا من السجال الراهن، رغم تحجّج الجميع بهم، هم المساجين والموقوفون الذين سقطوا مجددًا في بازار التجاذب السياسي. وليس المقصود هنا المساجين كقضية إصلاح عامة تتطلب تعديلات وإصلاحات قانونية، بل المساجين بواقعيتهم الملموسة، والذين يقبعون في السجن رغم اعتراف الجميع بالظلم الذين يعانون منه. عندما يصبح القضاء مصنعاً للقسوة في عبثيته، لا نحاول إصلاحه، بل نحاول استئصال مكمن القسوة، وفي أسرع وقت ممكن.  

العفو العام كـ«معركة إصلاح غير إصلاحيّة»

هناك ملاحظات عديدة يمكن أن تقدَّم في وجه اقتراح القانون الحالي، وهي محقّة.

لكن في ظل الانحلال العام، والذي لا يبدو أنّه سينتهي قريبًا، بات من الضروري الخروج من عقلية «الإصلاح»- التي كان لها دورها في لحظة ما- والبحث عن طرق أخرى لتغيير الواقع. لا يشكّل اقتراح قانون العفو العام طريقة لحل مشكلة آلاف الموقوفين وحسب، بل يشكّل أيضاً مدخلاً لإعادة التفكير بمسائل عديدة، منها الإصلاحات في القضاء والمحاكم، ومنها القوانين التي ما زالت تجرّم أمورًا باتت عادية، ومنها علاقتنا بمفهوم العدالة والعقاب. هو مدخل لواقع ملموس، يفرض التعاطي مع جماعات تعاني من ظلم، من دون أن تكون «الضحية المثالية» التي تحبّها جماعة الإصلاح. كذلك هو مناسبة للخروج من حدود «السياسة المحترمة» التي أعاقت أي محاولة لبناء تيار سياسي اعتراضي لا ينتهي كمستشار عند أحد السياسيين أو المنظمات العالمية. 

كان من الممكن تحويل هذه القضية إلى مناسبة لفتح نقاش عام. بدلاً من ذلك، سقط الاقتراح على مذبح الصلاحيات الدستورية. وبقي الموقوفون في سجونهم، يواجهون بؤسًا بات الجميع يعترف به، لكنّه غير قادر على تغييره. 

آخر الأخبار

مواد إضافيّة
إسرائيل قتلت عنصرَين من الدفاع المدني في النبطية
تعليق

اقتراح قانون العفو العام

سامر فرنجية
الكنيست يستكمل خطّة إعدام الأسرى: محكمة خاصّة للمشاركين بطوفان الأقصى
وول ستريت جورنال: الإمارات شاركت بهجمات عسكرية ضدّ إيران
قاسم: الورقة الأقوى لإيقاف العدوان هي الاتفاق الإيراني الأميركي
إسرائيل قتلت عائلة نظام الدين في كفردونين