اتّفاق قبل انتهاء الحرب
تهديدٌ بحربٍ شاملة في بداية الأسبوع، وفي نهايته، مفاوضاتٌ أنتجت اتّفاقاً جديداً لوقف إطلاق النار، تمهيداً لسلامٍ بين لبنان وإسرائيل. تقلّبٌ خطابي لم يغيّر مجرى الأمور على الأرض: استكملت إسرائيل التدمير الممنهج لقرى الجنوب، وواصلت الزنّانة دوراتها اللامتناهية في سماء البلاد كلّها.
أكّد رئيس الجمهورية أنّ هذا الاتّفاق مختلف عن اتّفاق تشرين، وأنّ إطلاق النار سيتوقّف، ولم يبقَ إلّا أن يعود بموافقة الأطراف الداخلية إلى أميركا، لتنتهي الحرب بعد ذلك بـ24 ساعةً. ردّ حزب الله رافضاً الاتّفاق، وسرعان ما تبيّن أنّنا دخلنا دوّامةً سبق وكنّا فيها— هذه المرّة بشروطٍ أقسى.
هذه الشروط، إنّما هي نتاج تبدّل الواقع على الأرض واحتلال إسرائيل مساحات إضافية من لبنان، وعدم ممانعة الطرف اللبناني الموافقة على مسودّة لا ذكرَ فيها للاحتلال، ولا للانسحاب، ولا لسؤال العودة وتحرير الأسرى وإعادة الإعمار، تحت منطق الخيار الأقلّ كلفةً على لبنان، كما عبّر رئيس الحكومة.
وهكذا أُنتجَ وقفٌ جديدٌ لإطلاق النار: هنا، إسرائيل تشنّ حرباً على لبنان وحزب الله يرفض المفاوضات، وهناك، في واشنطن، إسرائيل توافق على وقف إطلاق النار، ولبنان كذلك. وهكذا، لا يعود هذا الاتّفاق خارطةَ طريق للحلّ، بقدر ما يكون فرضاً لواقعٍ جديد تحت مسمّى «وقف إطلاق النار». يروَّج البيان على أنّه «مرحلي»، لكنّه عملياً يرسم معالم حلٍّ «نهائي».
«النهائي» في طيّات «المرحلي»
رغم كل ما فيه من شروط و«مناطق تجريبية»، عُرضَ البيان الثلاثي المشترك كوقفٍ شاملٍ لإطلاق النار، وهو الشرط اللبناني الأساسي قبل البحث بأيّ أمر آخر، من ترتيبات أمنية إلى السلاح إلى السلام. لذلك، اعتبر «لبنان الرسمي» ومعه بعض القوى السياسية، أنّ الاتفاق انتصاراً للبنان و«تجسيداً للسيادة». كما وصفه رئيس الجمهورية بـ«الفرصة الأخيرة»، ودعا الجميع لتحمّل مسؤوليته بعدها.
لكنّ عنوان «وقف إطلاق النار» لم يشكّل مدخلاً للبحث بالشكل النهائي للاتّفاق، بقدر ما شكّل غطاءً لتثبيت هذا الشكل النهائي من المفاوضات:
- تأكيد ألّا نوايا عدائية بين لبنان وإسرائيل، ما يجعل من هذه المحادثات مدخلاً لسلامٍ ما.
- حصر المشكلة بحزب الله، واعتباره مشكلةً للبلديَن، وبالتالي اشتراط «سحبه» من الجنوب قبل حتّى الكلام عن نزع سلاحه وتفكيك بنيته العسكرية والمؤسساتية.
- البدء بوضع أسس تعاون أمني لبناني - إسرائيلي، تحت مسمّى «مناطق تجريبية»، تشترط الانسحاب الإسرائيلي بتنسيق أمني مع القوى الرسمية.
- التأكيد على أنّ الأطراف الثلاثة يريدون إقصاء إيران عن المعادلة، مقابل وضع لبنان تحت المظلّة الأميركية، حصراً، وبالتالي إقصاء أي دور فرنسي أو غربي أو عربي آخر.
بكلام آخر، بدل أن يكون وقف إطلاق النار مدخلًا للبحث في هذه الأمور، أصبح هو نتيجتها.
الالتباس حول حزب الله
في بلد منهك بالحروب، جاء خبر اتّفاق وقف إطلاق النار، كاحتمالٍ واقعي لإنهاء الحرب، أو «جزء» منها، لا سيّما مع ما رافقه من كلام للرئيس الأميركي حول أنّه تكلّم مع حزب الله للمرّة الأولى، وأنّهم وافقوا، وأنّ إسرائيل وافقت.
ولكن بعدما انتشرت شروط الاتّفاق، وبعدما رفضها الحزب معتبراً أنّها تمنح إسرائيل بالسياسة ما لم تأخذه بالحرب، وهذا مستحيل، تبيّن، في النهاية، أنّ ما سُمّي «وقفاً شاملاً لإطلاق النار» ليس إلّا تثبيتاً للمعادلة التي ضغط باتّجاهها نتنياهو ووزير دفاعه: «الضاحية مقابل شمال إسرائيل»، وهي، للمفارقة، قلباً لمعادلة نصرالله حول «حيفا وما بعد حيفا مقابل الضاحية»، و«تل أبيب مقابل بيروت» عند اشتداد حرب الإسناد.
هذا التبدّل بالمعادلات وهذا الواقع الجديد الذي فرضته إسرائيل، توجّته المفاوضات بجملةٍ من الغرائب، حيث يوجد:
- دولتان لا نوايا عدائية بينهما، رغم حربٍ ما تدور بين حدودهما.
- طرفٌ مدعو للدخول في المفاوضات، رغم أنّ هذه المفاوضات هي المدخل كي يحلّ نفسه، من دون أي ضمانة أو إطار ناظم.
- مفاوضاتٌ تدور في عاصمة بعيدة، وميدانٌ قريب يُحتَلّ ويُدمَّر ويُهجَّر.
- بلدٌ منقسم، بات وقف إطلاق النار فيه يعني عدم قصف العاصمة فقط.
بكلام آخر، بدل أن يكون وقف إطلاق النار مدخلًا للبحث عن إطار جدّي للتفاوض، أصبح مأسسة لحالة الانقسام وتثبيت لحالة الاستثناء في البلاد.
الاستثناء الباقي معنا
الإسرائيليون والأميركيون يدركون تماماً أنّ «لبنان الرسمي» غير قادر على فرض «وقف إطلاق النار» على حزب الله. فهم يدركون أنّ هذا القرار لم يُبرم لكي يطبق، بقدر ما أبرم لكي يُمأسس «حالة استثناء» في لبنان، قد تشكّل ما يشبه «الإطار النهائي» لإدارة البلاد.
تبدأ «حالة الاستثناء» من ابتكار حالة زمنية، بين الحرب والسلم، قد تُدعى «وقف إطلاق للنار» أو «هدنة»، ليست فيها حربٌ مفتوحةٌ كما ليس فيها وقف شامل لإطلاق النار، بل حالة مستمرّة من «العنف منخفض الحدّة»، عنف يمكن «اعتياده»، وتتحكّم إسرائيل بقوانينه. بتعبير ترامب الصريح: في ذاك الجزء من العالم، وقف إطلاق النار هو عندما تطلق النار بشكل أكثر اعتدالاً.
في هذا الوقت الخارج عن ثنائيّة الحرب والسلم، تتحوّل الجغرافيا من الكيان الموحِّد والموحَّد للدول إلى تراتبية أمكنة أمنية، تسودها قوانين عنف متباينة. فيمكن للأطراف المعنيّة إبرام قرار وقف إطلاق النار، والحرب مستمرّة بجنوب لبنان، وكأنّه اعتراف ضمني بأنّ لكلّ منطقة في لبنان مصيراً مختلفاً، حسب الحاجات الأمنية لإسرائيل.
يبقى ألّا كلامَ عن سيادةٍ، ضمن «حالة الاستثناء» هذه. فرغم الكلام عن سيادة لبنان ومحاولة تمثيلها على هيئة وفدٍ تفاوضي، ينطلق الاتّفاق من فقدان هذه السيادة، أمام حزب الله، ولكن أيضاً: أمام إسرائيل. فـ«المناطق التجريبية» هي تجريب بالسيادة، حيث سيادة لبنان مشروطة بتعاون مع سيادة أخرى.
«ما بعد الحرب» قبل انتهائها
«حالة الاستثناء» هذه لم يخترعها الاتّفاق المبرم في واشنطن منذ بضعة أيّام. هي نتيجة حرب طويلة، بات عمرها ثلاث سنوات، نجحت إسرائيل في خلقها على أرض الواقع. فالخيار المتاح هو إمّا الرضوخ لهذه الحالة، وإمّا تعميم النموذج الجنوبي على مناطق أوسع من لبنان. وما يمنع معظم القوى اللبنانية عن رؤية ذلك، والإقرار به، فهو خصومتها مع حزب الله. لكن حتّى ما بعد حزب الله، ستكون «حالة الاستثناء» هذه قد كُرّست، وكُرّس معها ركام البلاد.