إلى إلياس خوري
على بلكون بيتنا القديم، في الطابق السابع من مبنى تآكل باطونه المجبول بماء البحر والفساد والاستهتار، في زاروب هرب من الهدم وحافظ على طابعه الأليف وعلى فتنته، كما حافظ على درجه القديم العريض الذي سمّي بدرج العشاق لاحتضانه مراهقين ومراهقات يتواعدون عليه هاربين من وطأة مدارسهم، على هذا البلكون جلسنا، ساعة المغيب، لا سقف فوقنا بل سماء واسعة، مستمتعين بالآذان الآتي من بعيد وبنسائم الربيع وبرائحة الياسمين وبسكينة رهيبة وتواصُل صامت قاطَعتَه وقتها بـ: الله أكبر.
البيت وبلكونه لم يعودا لنا، تركنا الزاروب ودرجه وعشّاقه بعد أن غادَرْتَنا، وبقي هذا المشهد محفوراً في القلب، أزوره من وقت إلى آخر وأستعيد خفّته وحلاوته.
لحظة دفنك، فجّرت إسرائيل أيادي وأعين ناس كانوا في بيوتهم أو على الطرقات أو في سياراتهم أو في أماكن عملهم. أجهزة «بيجر» انفجرت في أيادي حامليها في اللحظة ذاتها في مناطق متعدّدة. قُتل وجُرح وشُوّه الآلاف، واستؤصلت عيون المئات.
لعلّ أعنف ما في هذا الفقدان الجماعيّ هو مصادرته للفقدان الشخصيّ أو استتباعه، كتب خالد صاغية.
تركنا بيروت، إبنك وحفيدك وأنا، إلى عمّان في اليوم الذي تلى الفقدان الشخصيّ والجماعيّ، حاملين معنا كمّية من الذهول والحزن والغضب والصدمة لا أدري إن كنّا قد تعافينا من آثارها.
في عمّان، أكمل طلال تصوير فيلم «وقائع زمن الحصار» للمخرج الفلسطيني السوري عبدالله الخطيب، الذي عاش في عمر مبكر وقائع زمن حصار مخيم اليرموك في سوريا.
المشهد الذي صوّره كان في مشفى ميداني، لا أسرّة كافية ولا تجهيزات ولا أدوية ولا وحدات دم. تعمل الممرّضات بما أوتينَ من قوّة، وبالمتوفّر، لإنقاذ من استطعْنَ إنقاذه. دماء وصراخ وخوف ووجع وموت وولادة في اللقطة ذاتها. الكاميرا تركض مع الجرحى والممرضات، تصرخ وجعاً وحزناً من قساوة الفقدان والحرب والقتل وتسارع الأحداث وتتالي الفواجع. لا وقت ولا رفاهية لنفَس عميق أو لإتمام حداد.
في عمّان أيضاً التقى بليلى شهيد. شربا كأسك وأخبرته عن يوم لقائكما الأول. كان صوتها ما زال رنّاناً وكانت لا تزال تحاول الإستمرار بالرغم من كل شيء، كما فعلت طيلة حياتها المضيئة، الى أن غلبها الحزن وأطفئ بريق عينيها ونور ضحكتها، لكنّ ذاك البريق وذاك النور سيبقيان أيضاً محفورين في القلب.
في البحر الميت، حملتْنا مياهه التي لا حياة فيها، أزاحت ثقل الحياة والموت عنّا لدقائق، سحبت السموم التي دخلت مسامنا، طافت بنا وحضنتنا وغمرتنا وأنعشتنا. يحيي البحر الميت العظام ويذكرنا بأن الموت والحياة متداخلان وبأن الأموات هم الخالدون والأحياء عابرون.
بعد عام ونصف على تصوير مشهد المشفى، آخر مشهد في الفيلم، عُرض «وقائع زمن الحصار» في مهرجان برلين السينمائي مؤخراً وفاز بجائزة أفضل فيلم روائي أول. ما زال الدم يجري، وما زال الناس يحملون أحبّاءهم الى المشافي وما زالت الإبادة سارية وتُعرض على الشاشات، وما زال العامّ متداخلاً مع الخاص، والفقدان الجماعي مع الشخصي، والحداد معلّقاً، وزمن «ما بعد الصدمات» مؤجّلاً، فكل حدث وموت جديد يؤجّج جروحاً لم تجد الوقت الكافي للالتئام.
القيّمون على المهرجان، ككثر غيرهم، ما زالوا يمتنعون عن إدانة الإبادة في غزّة بعد أكثر من عامين على بدئها، وهذه المرّة كانت الحجّة فصل السينما والفنّ عن السياسة، حجّة يمتزج فيها «الغباء الأخلاقي»- حسب تعبير إيلان بابيه- بالخبث الأخلاقي. لكنّ «صوابية القضية الفلسطينية»، كما سمّتها ليلى شهيد نقلاً عن جان جينيه، وهتافات الحرّية لغزّة وقصص ناسها ولاجئيها وعلمها وألوانها وأفلامها فرضت نفسها على المهرجان.
قال عبدالله عند استلامه الجائزة بأنه يوماً ما سيكون لنا مهرجان عظيم للسينما في قلب غزّة وفي قلب مدن فلسطينية أخرى. مهرجاننا سيتضامن مع كل من يعيش تحت الحصار وتحت الاحتلال وتحت الدكتاتوريات أينما كانوا حول العالم (...) فلسطين حرّة الآن وحتى آخر الدنيا.
خسر عبدالله الكثير من أصدقائه خلال حصار مخيم اليرموك، لكنّهم بقوا معه، يرافقونه في حياته وفي أعماله. تعرّفنا إليهم في فيلمه الأخير، واستعدنا في واحد من مشاهده، مع إحدى الشخصيات التي كانت تقرأ روايتك «يالو»، بيتاً لمحمود درويش كنتَ تحبّه كثيراً وذكرتَه في الرواية: مثلما سار المسيح على البحيرة، سرت في رؤياي، لكني نزلت عن الصليب لأنني أخشى العلو ولا أبشّر بالقيامة.
تذكّرنا تعليقك في المقابلة التي أجراها معك علي الأتاسي وعُرضت خلال التكريم الذي نظّمته لك ليلى شهيد في باريس بعد رحيلك؛ سألك عن الأثر الذي يتركه رحيل الأصدقاء فيك، وقُلتَ إنّ الأصدقاء لا يرحلون، بل يعيشون معنا طالما حيينا.
هذا ينطبق على الأصدقاء وأيضاً على كلّ من أضاء العقول وأثّر في القلوب وألهم ووسّع الطريق لتستقبل وتضمّ من سيبقيكم معه، أنت وليلى وكثر قبلكما وبعدكما، في يومياته وفي قلبه وقلب من سيأتي بعده، وفي تمسّكه بالأمل والفرح، وفي السعي لجعل العالم مكاناً أقل ظلمة وقساوة وأكثر نوراً ولطفاً وعدالة. تشبهون البحر الميت، بثباته وسحره وإنعاشه لمن بقي لكي يستمرّ في السير.