دراسة صراع المحاور
سعود المولى

البحر الأحمر والقرن الإفريقي

صراع المَحاور وتحوّلات 2026

4 تشرين الأول 2026

لم يعد جنوب البحر الأحمر والقرن الإفريقي مسرحاً لنزاعات محلية متفرّقة، بل صار جبهةً واحدةً مترابطةً تمتدّ من مضيق هرمز إلى باب المندب، ومن صنعاء وعدن إلى هرجيسا ومقديشو وأديس أبابا وأسمرة والخرطوم. فمنذ مطلع عام 2024 وحتى خريف 2026، تحوّل ملف الموانئ والحركات الانفصالية من نزاع هامشي إلى قلب صراع المحاور الإقليمية والدولية.

ثلاثة تحوّلات كبرى أعادت رسم المشهد خلال أقل من سنة. الأول هو اعتراف إسرائيل بـ«صوماليلاند» في 26 كانون الأول 2025، أول اعتراف من دولة عضو في الأمم المتحدة بالإقليم الانفصالي. والثاني هو الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران التي اندلعت في 28 شباط 2026. والثالث هو سيطرة جماعة الحوثي في أيلول 2026 على الساحل الغربي لليمن وجزيرة ميون (بريم) الواقعة في قلب المضيق. وبالتوازي، عادت إثيوبيا إلى حافة الحرب الأهلية مع إعلان «تحالف القوى الشعبية الإثيوبية من أجل البقاء» وسيطرة قوات تيغراي على مطارات الإقليم في 23 أيلول 2026. وتدخل الصومال أزمة دستورية مفتوحة، ويستمر السودان ساحةً للتنافس السعودي الإماراتي.

اليمن وباب المندب: من حرب إيران إلى سيطرة الحوثيين على المضيق

صار باب المندب، في أيلول 2026، تحت السيطرة الميدانية المباشرة لجماعة الحوثي، بعد أن كان تأثيرها فيه يقتصر على الصواريخ والمسيّرات. هذا هو التحوّل الأخطر في معادلة البحر الأحمر منذ اندلاع الحرب اليمنية، وهو نتيجة ثلاث مراحل متتابعة.

1. تفكُّك المعسكر المناهض للحوثيّين (كانون الأول 2025 – كانون الثاني 2026)
بدأ الانهيار من داخل التحالف المناهض للحوثيين نفسه. ففي 2 كانون الأول 2025، شنّ المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتياً هجوماً واسعاً، وبحلول 8 كانون الأول كان يسيطر على معظم الجنوب. ردّت الرياض بغارات على ميناء المكلا في 30 كانون الأول استهدفت شحنة قالت إنها مرتبطة بالإمارات، فأعلنت أبو ظبي إنهاء مهمتها في اليمن، واستعادت القوات الحكومية حضرموت والمهرة بغطاء جوي سعودي ثم دخلت عدن. تخلّف عيدروس الزبيدي عن رحلة الرياض في 7 كانون الثاني، ثم فرّ بحسب التحالف عبر بربرة ومقديشو إلى أبو ظبي. ووجّهت إليه الحكومة تهمة الخيانة العظمى، وأُعلن من الرياض حلّ المجلس. هكذا تحوّل التنافس السعودي الإماراتي من خلاف صامت إلى قطيعة مكشوفة، امتدت ارتداداتها إلى الصومال والسودان كما سنرى.

2. من الحرب على إيران إلى «الحصار بالحصار» (شباط – آب 2026)
مع اندلاع الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران في 28 شباط 2026، هدّد الحوثيون مراراً بالانخراط فيها، قبل أن يطلقوا في 28 آذار أوّل صواريخهم على إسرائيل معلنين دخولها. ثم جاءت هدنة 8 نيسان بوساطة باكستانية، فمذكرة إسلام آباد في حزيران، قبل أن ينهار وقف إطلاق النار في 8 تموز وتعود المواجهة المتقطعة.

في هذا السياق انتقلت الجبهة إلى البحر الأحمر. ففي تموز، أعلن الحوثيون فرض حصار بحري على السعودية وبدأوا استهداف ناقلاتها، في وقت كانت إيران تغلق مضيق هرمز شبه كلياً. ونقلت رويترز عن ثلاثة مصادر أنّ طهران طلبت من الجماعة الاستعداد لإغلاق باب المندب إذا ضربت واشنطن شبكة الكهرباء الإيرانية. وبحلول مطلع آب، قال الحوثيون إنهم استهدفوا ثماني ناقلات سعودية، بينها ناقلة قبالة ينبع وأخرى في خليج عدن. وردّت الرياض بإعلان تحالف بحري لحماية الملاحة في باب المندب والبحر الأحمر وخليج عدن.

3. معركة الساحل الغربي والسيطرة على المضيق (آب – أيلول 2026)
بدأ الحوثيون استهداف المخا في 9 آب، ووسّعوا عملياتهم في 3 أيلول إلى جبهات حيس والوازعية والخوخة وذوباب. وفي 11 أيلول أعلنوا السيطرة على ستّ مديريات في تعز والحديدة بمساحة تقارب 5400 كم²، شملت المخا وميناءَها وجزيرة ميون وأرخبيل حنيش. ووصفت المعارك بأنها الأعنف منذ هدنة 2022، وأوقعت ما لا يقلّ عن 500 قتيل ونزوح نحو 40 ألف شخص.

يعني هذا انتقال الجماعة من «التأثير عن بُعد» إلى الحضور الميداني المباشر على أحد أهمّ الممرّات البحرية في العالم. كما أنّ جزر زقر وحنيش الكبرى والصغرى تقع قبالة الساحل الإريتري مباشرة، ما يضع الحوثيين على تماس جغرافي مع الضفة الإفريقية للمرّة الأولى.

4. المواقف الدوليّة: واشنطن تتجنّب جبهةً ثالثة
لعلّ إحدى أبرز دلالات المعركة هي رفض الرئيس ترامب طلب ولي العهد السعودي شنّ ضربات أميركية على الحوثيين، مكتفياً بتقديم معلومات استخبارية ودعم في الاستهداف عبر نحو 200 عسكري أميركي في المملكة. وتقول واشنطن إنها تركّز قواتها على إيران ومضيق هرمز، وتعتقد بوجود مئات من عناصر الحرس الثوري في اليمن يعملون مع الحوثيين بهدف إغلاق المضيق في نهاية المطاف.

في المقابل، حرص الحوثيون على طمأنة التجارة الدولية، فنفوا نيّة فرض رسوم عبور، ونشروا إحصاءات عن السفن العابرة بين 11 و21 أيلول. لكنّ بياناً مشتركاً لنحو 80 دولة في 24 أيلول حذّر من أن تحرّكاتهم نحو المضيق تزيد مخاطر الشحن والتجارة العالمية. ودعا وزير الخارجية السعودي من منبر الأمم المتحدة إلى حماية حرية الملاحة في هرمز وباب المندب معاً، فيما لوّحت باكستان بتفعيل اتفاقية الدفاع المشترك مع الرياض.

ويبقى السؤال المركزي معلَّقاً: هل يمكن فصل الحسابات اليمنية للحوثيين عن المصالح الإقليمية لإيران؟ الجواب مرتبط بمصير المفاوضات الأميركية الإيرانية، وقد رفض ترامب في 26 أيلول آخر مقترح إيراني بشأن هرمز، متوقّعاً استئناف القصف بعد الانتخابات النصفية. أي أنّ باب المندب مرشّح لأن يكون الورقة الإيرانية الأولى في أيّ جولة قادمة.

صوماليلاند: الاعتراف الإسرائيلي والضفّة المقابلة لليمن

تحوّلت صوماليلاند خلال 2026 من إقليم يبحث عن «إنصاف تاريخي» إلى ركيزة في استراتيجية الأمن البحري الإسرائيلية، في مواجهة مباشرة مع الحوثيين عبر خليج عدن.

1. خلفية المطلب الانفصالي
كان الإقليم محميّةً بريطانيّةً نالت استقلالها أيّاماً في حزيران 1960، قبل أن تندمج طوعاً مع الجنوب الإيطالي في جمهورية الصومال. وبعد انهيار نظام سياد بري، أعلنت هرجيسا الانفصال عام 1991، وبنت مؤسسات مستقرّة نسبياً وعملةً خاصّةً وتداولاً انتخابياً منتظماً للسلطة. لكنّ العواصم الإقليمية والدولية تمسّكت بوحدة الصومال خوفاً من فتح باب النزعات الانفصالية في إفريقيا. وتعرف هرجيسا أنّ ورقتها الرابحة هي الجغرافيا: ميناء بربرة المطلّ على خطوط الملاحة قبالة عدن.

2. من الاعتراف إلى الشراكة الأمنية
أعلنت إسرائيل وصوماليلاند الاعتراف المتبادل في 26 كانون الأول 2025، مع دعوة من نتنياهو للرئيس عبد الرحمن محمد عبد الله (إيرو) لزيارة إسرائيل. وزار وزير الخارجية جدعون ساعر هرجيسا في 6 كانون الثاني 2026. ثم قدّم أوّلُ سفير لصوماليلاند أوراق اعتماده في القدس في 18 أيار، وقام إيرو بزيارة رسمية بين 14 و17 حزيران، أعلن خلالها وزير الدفاع يسرائيل كاتس أنّ البلدين يتعاونان «منذ سنوات» في أنشطة غير معلنة. ويتوقع إيرو أن يبدأ التعاون الأمني الرسمي مع إسرائيل قبل نهاية العام.

3. بربرة: من ميناء تجاري إلى منصّة عسكريّة
تنفي هرجيسا وتل أبيب رسمياً وجود قاعدة إسرائيلية، لكنّ المؤشرات تتراكم. فقد أفادت تقارير نقلتها CNN بوجود استخباري إسرائيلي في منطقة بربرة، وبدراسة استخدام مينائها ومطارها لدعم عمليات الغواصات الإسرائيلية في البحر الأحمر وبحر العرب. ونقلت صحيفة لوموند أنّ مطار بربرة يشهد تحوّلاً هادئاً إلى منشأة عسكرية، بخنادق مغطّاة لتخزين الذخيرة والوقود ومنصّات قد تحمل دفاعات جوية، بقيادة إماراتية وربما لخدمة مصالح أميركية وإسرائيلية أيضاً.

غير أنّ هذه الشراكة تحمل مخاطرها. فقد حذّر عبد الملك الحوثي من أنّ أيّ وجود إسرائيلي في صوماليلاند سيكون «هدفاً عسكرياً»، والإمارات التي تدير الميناء وتملك قاعدة قريبة وسّعتها مؤخراً تعرّضت بدورها لصواريخ إيرانية. ومع سيطرة الحوثيين على الضفة اليمنية للمضيق، صارت بربرة على خط المواجهة المباشر.

4. ملفّ غزّة والمقايضة الاستراتيجيّة
أفادت تقارير عديدة خلال 2025 بأنّ مسؤولين إسرائيليين وأميركيين ناقشوا مع هرجيسا إعادة توطين فلسطينيّين نازحين من غزة ضمن مفاوضات الاعتراف. وقال مسؤولون إسرائيليون لشبكة CNN في آب 2025 إنّ صوماليلاند كانت إحدى خمس دول تجري محادثات استقبالهم مقابل تعويضات مالية ودولية كبيرة. وقد نفت هرجيسا وتل أبيب ذلك، لكنّ السلطة الفلسطينية والحكومة الصومالية كرّرتا الاتهام بعد الاعتراف.

5. عزلة الاعتراف وحدوده
رغم الزخم الثنائي، بقي الاعتراف معزولاً دولياً. فقد دانه الاتحاد الإفريقي والاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون الخليجي، ووقّعت 21 دولة، بينها مصر والسعودية وتركيا وقطر وإيران، بياناً مشتركاً في 27 كانون الأول 2025 يرفضه. ودانته الصين بشدة، لأسباب تتّصل أيضاً بعلاقة هرجيسا بتايوان، وكان وزير خارجيتها وانغ يي سيزور مقديشو في 9 كانون الثاني 2026، في أوّل زيارة لوزير خارجية صيني منذ الثمانينيات، لكنّ الزيارة أُرجئت في اللحظة الأخيرة، واكتفى باتصال هاتفي بنظيره الصومالي أكد فيه دعم بكين لمقديشو. أما واشنطن، فأكدت دعمها لوحدة الصومال دون أن تدين الخطوة، وقال ترامب إنه سيدرس المقترح الإسرائيلي. وداخل هرجيسا نفسها، بدأت تظهر انتقادات لطريقة إدارة الملف، منها انتقادات الرئيس السابق موسى بيهي عبدي.

الصومال الفيدرالية: دولة ممزّقة في قلب صراع المحاور

نجحت مقديشو في حشد إدانة دولية واسعة للاعتراف الإسرائيلي، لكنها تدخل خريف 2026 وهي أضعف داخلياً مما كانت: أزمة دستورية مفتوحة، وقطيعة مع الإمارات، وولايات تتصرّف كدول مستقلة.

1. القطيعة مع الإمارات
في 12 كانون الثاني 2026، ألغى مجلس الوزراء الصومالي جميع الاتفاقيات مع الإمارات، بما فيها الاتفاقيات الأمنية والدفاعية واتفاقيات موانئ بربرة وبوصاصو وكيسمايو، متّهماً أبو ظبي بأعمال «عدائية» تمسّ السيادة ووحدة البلاد. وجاء القرار بعد أيام من اتهام السعودية للإمارات بتهريب الزبيدي عبر بربرة ومقديشو، وهو ما وصفه وزير الدولة للخارجية بأنه «القشة التي قصمت ظهر البعير». وأكد الرئيس حسن شيخ محمود أنّ أبو ظبي تعاملت مع الصومال عبر «قنوات متعدّدة» تتجاوز الحكومة الفيدرالية. ومنعت مقديشو في 9 كانون الثاني تحليق طائرات الشحن والطائرات العسكرية الإماراتية.

لكنّ قدرة الحكومة على التنفيذ محدودة. فقد رفضت بونتلاند وجوبالاند وصوماليلاند القرار، وأكدت موانئ دبي العالمية أنّ عملياتها في بربرة مستمرّة. والخاسر المباشر هو مكافحة الإرهاب: فالإمارات كانت تسهم في دفع رواتب بعض وحدات الجيش الصومالي، ونفّذت غارات على حركة الشباب في جوبالاند، ودعمت حملة بونتلاند على تنظيم الدولة في جبال كال مسكاد.

2. أزمة الشرعيّة الدستوريّة
في 14 نيسان 2026، أبلغت الحكومة الفيدرالية الدبلوماسيين الأجانب بتمديد ولاية البرلمان والرئيس حسن شيخ محمود سنة واحدة وفق التعديلات الدستورية الأخيرة، فيما اعتبرت المعارضة أن ولاية البرلمان انتهت في ذلك اليوم وولاية الرئيس في 15 أيار. وهدّد «مجلس مستقبل الصومال» المعارض، الذي يضم بونتلاند وجوبالاند، بتنظيم جدول انتخابيّ موازٍ. وفي حزيران، جدّد الرئيس رفضه الاعتراف بإعادة انتخاب أحمد مدوبي رئيساً لجوبالاند، بعد أن أعلن برلمان الإقليم تعريفه «حكومة» لا ولاية فيدرالية.

تكمن خطورة هذه الأزمة في أنها تفتح الباب أمام القوى الخارجية: الإمارات تعزز علاقاتها بالولايات المعارضة، فيما تستند مقديشو الى المحور التركي المصري القطري.

3. تركيا: الحارس البحري
وقّعت تركيا والصومال في شباط 2024 اتفاقيات دفاعية واقتصادية تمنح البحرية التركية دوراً في حماية المياه الإقليمية الصومالية وإعادة بناء البحرية الصومالية. وبدأت نهاية 2025 أعمال بناء ميناء فضائي لاختبار الصواريخ، وتجري نقاشات لإنشاء قاعدة بحرية في لاس قوري. كما رعت أنقرة «إعلان أنقرة» في 11 كانون الأول 2024 بين الصومال وإثيوبيا، الذي جمّد عملياً مذكرة التفاهم الإثيوبية مع صوماليلاند.

4. مصر: القوّة الخشنة على الأرض
تربط القاهرة أمنها المائي (سدّ النهضة) بأمنها البحري (قناة السويس). وقّعت اتفاقية دفاع مع مقديشو في آب 2024، وأرسلت قوات وأسلحة، وتشارك بأكثر من ألف جندي في بعثة الاتحاد الإفريقي لدعم الاستقرار (أوسوم)، إضافة إلى قوات ثنائية تتمركز في مناطق مثل شبيلي الوسطى. ورُفعت العلاقات إلى «شراكة استراتيجية شاملة» في كانون الثاني 2025.

5. قطر والسعودية: سدّ الفراغ الإماراتي
وقّعت قطر اتفاقية تعاون دفاعي مع الصومال في الدوحة في 19 كانون الثاني 2026، تشمل التدريب العسكري وتبادل الخبرات وتطوير القدرات الدفاعية. وتسعى مقديشو إلى دعم قطري وسعودي لسدّ فجوة رواتب القوات التي كانت الإمارات تسهم في دفعها. أما السعودية، فتنسّق مع القاهرة وأنقرة لدعم مقديشو، لأنّ استقرار الضفة الإفريقية شرط لمشاريع رؤية 2030 على ساحلها الغربي.

6. المظلّة الدوليّة الهشّة
مدّد مجلس الأمن ولاية بعثة أوسوم حتى نهاية 2026، لكنّ مستقبلها بات مهدّداً. ففي مذكرة مؤرخة 1 تموز 2026، أبلغت واشنطن الاتحاد الإفريقي أنها ستعارض استمرار دعم مكتب الأمم المتحدة لدعم الصومال (UNSOS)، الذي يؤمّن للبعثة النقل والإمدادات والخدمات الطبية. ثم قبلت في أيلول بفترة تقليص مدتها 12 شهراً تبدأ في كانون الثاني 2027، يعقبها إغلاق المكتب الذي تبلغ ميزانيته نحو 500 مليون دولار، مؤكدة أنها لن تموّله بعد ذلك. وهذا يضع مقديشو وشركاءها في سباق مع الوقت لإيجاد تمويل بديل، وسط شكوك في قدرة الجيش الصومالي على مواجهة حركة الشباب وحده.

إثيوبيا: من حلم البحر إلى حرب الأقاليم

دخلت إثيوبيا خريف 2026 وهي تواجه أخطر تحدٍّ داخليّ منذ نهاية حرب تيغراي، في وقت لم يتخلَّ فيه آبي أحمد عن حلم المنفذ البحري. فالطموح الخارجي والانفجار الداخلي وجهان لأزمة واحدة.

1. عقدة البحر: من بربرة إلى عصب
في كانون الثاني 2024، وقّع آبي أحمد مع رئيس صوماليلاند السابق موسى بيهي عبدي مذكرة تفاهم تمنح إثيوبيا شريطاً ساحلياً بطول 20 كم قرب بربرة لخمسين عاماً، مقابل الاعتراف بالإقليم. أثار الاتفاق غضب مقديشو والقاهرة، ثمّ جمّده «إعلان أنقرة» في كانون الأول 2024 الذي وعد إثيوبيا بمنفذ تجاري عبر الأراضي الخاضعة للحكومة الصومالية. لكنّ التقارير تشير إلى تعثُّر هذا المسار أيضاً لأسباب تتعلّق بالجدوى.

بعدها انتقل التركيز إلى ميناء عصب الإريتري. يؤكد آبي أحمد أنه «لن يطلق رصاصة واحدة» على جيرانه، لكنه يرفض بقاء بلاده حبيسة، في حين تكلّفها موانئ جيبوتي نحو 1.5 مليار دولار سنوياً. وقد رفعت عروض عسكرية لافتات تقول إنّ إثيوبيا لن تبقى حبيسةً «شئتم أم أبيتم»، ما قرأته أسمرة تهديداً مباشراً.

2. أزمة الفيدراليّة الإثنيّة ورؤية «التآزر»
حُكمت إثيوبيا منذ التسعينيات بنظام الفيدرالية الإثنية الذي هندسته جبهة تحرير شعب تيغراي. وحين تولّى آبي أحمد السلطة عام 2018، طرح رؤية «مِديمِر» (التآزر) لصهر الهويات الفرعية في هوية وطنية جامعة، ودمج الأحزاب الإثنية في حزب الازدهار. لكنّ القوميات الكبرى رأت فيها إحياءً للمركزية القديمة. فجاءت حرب تيغراي (2020–2022) التي يقدّر الاتحاد الإفريقي ضحاياها بنحو 600 ألف قتيل، ثمّ تمرّد ميليشيات فانو في أمهرة بعد قرار حل القوات الإقليمية، واستمرار تمرد جيش تحرير أورومو.

3. «تحالف البقاء» والهجوم الجديد (أيلول 2026)
في أيار 2026، استولت جبهة تيغراي على حكومة الإقليم من الإدارة المؤقتة التي أنشأها اتفاق بريتوريا. وفي 20 أيلول، أعلنت مع ستّ جماعات مسلحة أخرى، بينها فانو وجبهة عفار وجيش تحرير أورومو، تأسيس «تحالف القوى الشعبية الإثيوبية من أجل البقاء» بهدف إسقاط حكومة آبي أحمد.

وفي ليلة 22–23 أيلول، سيطرت قوات تيغراي على مطارات مقلي وشيري وأكسوم، فعلّقت الخطوط الجوية الإثيوبية رحلاتها، فيما وصفت حكومة الإقليم تحرّكها بأنه «حرب دفاعية» ضدّ «غزو» فيدرالي، وامتدّ القتال إلى إقليم عفار. وجاء ذلك بعد ضربات بالمسيّرات، منها ضربة على ألاماتا قالت سلطات الإقليم إنّها أوقعت 14 قتيلاً. وتفيد التقارير الميدانية بسيطرة جبهة عفار المتمرّدة على بلدة أبالا شرق مقلي، وباشتباكات على الطريق A2 بين ألاماتا وولديا، وبإعلان الجيش صدّ هجوم نحو سيكوتا.

4. انعكاسات الحرب على البحر الأحمر
للهجوم ثلاثة أبعاد تتجاوز الداخل الإثيوبي. أولاً، يهدّد القتال في عفار الطريق A1 إلى جيبوتي، الذي تمرّ عبره أكثر من 90% من تجارة إثيوبيا الخارجية. ثانياً، تتهم أديس أبابا إريتريا بـتمويل التحالف، وهو ما تنفيه أسمرة، ما يحوّل الحرب الأهلية إلى حرب بالوكالة بين البلدين. ثالثاً، تمتد خطوط إمداد تيغراي في الغرب نحو السودان، حيث تقاتل بعض وحداتها إلى جانب الجيش السوداني. هكذا تتشابك جبهات إثيوبيا وإريتريا والسودان في رقعة واحدة متّصلة بالبحر الأحمر.

لكنّ التحالف المتمرّد نفسه هشّ: فالنزاعات الحدودية بين أمهرة وتيغراي وأوروميا، والخلاف حول مستقبل الفيدرالية الإثنية، قد تفجّره من الداخل على المدى الطويل.

إريتريا: القفل الشمالي وعقدة الموانئ

تتحرّك إريتريا بدافع الخوف على سيادتها من الطموح البحري الإثيوبي، وقد وضعت موانئها وجيشها في خدمة محور إقليمي يهدف إلى احتواء أديس أبابا. ومع سيطرة الحوثيين على أرخبيل حنيش المقابل لساحلها، صارت أسمرة أيضاً على تماس مع جبهة اليمن.

1. من سلام 2018 إلى الخصومة
أنهى اتفاق 2018 بين آبي أحمد وأسياس أفورقي عقدين من «اللاسلم واللاحرب»، ونال بموجبه آبي أحمد جائزة نوبل للسلام. ثمّ تحوّل إلى تحالف عسكري حين قاتل الجيش الإريتري إلى جانب القوات الفيدرالية في تيغراي. لكنّ اتفاق بريتوريا (تشرين الثاني 2022) وُقِّع دون تنسيق كامل مع أسمرة، وأبقى الجبهة كياناً سياسياً، فاعتبره أفورقي طعنةً في الظهر. وزاد الشرخ حين وصف آبي أحمد فقدان عصب بأنه «خطأ» يجب «تصحيحه».

2. لماذا عصب خط أحمر؟
تملك إريتريا ساحلاً يتجاوز ألف كيلومتر على البحر الأحمر، وميناءَيْن رئيسيَّيْن هما مصوع وعصب القريب من باب المندب، والذي لا يبعد سوى نحو 60 كم عن الحدود الإثيوبية. وترى أسمرة أن امتلاك إثيوبيا منفذاً سيادياً أو قوة بحرية سيقلب ميزان القوى لصالح الهضبة، ويفتح الباب لابتلاع موانئها تحت شعار «الحق التاريخي».

3. الحرب بالوكالة
يتّهم وزير الخارجية الإثيوبي إريتريا وجبهة تيغراي بعقد «حلف لشن الحرب على إثيوبيا» وتمويل جماعات مثل فانو. وقدّرت دراسة استشرافية أنّ غزواً إثيوبياً واسعاً لإريتريا غير مرجَّح في 2026، لكنّ الاشتباكات بالوكالة على الحدود قد تتصاعد سريعاً إلى مواجهة أوسع. ويبدو هجوم «تحالف البقاء» في أيلول 2026 ترجمةً مباشرةً لهذا السيناريو.

4. حلف القاهرة– أسمرة– مقديشو
لمواجهة التهديد الإثيوبي، تخلّت أسمرة عن عزلتها التقليدية. ففي تشرين الأول 2024، استضافت قمّةً ثلاثيّةً جمعت أفورقي والسيسي وحسن شيخ محمود، أسست تحالفاً غير رسمي يطوّق إثيوبيا من الشمال (إريتريا) والشرق (الصومال)، بغطاء مصري عسكري ودبلوماسي. ويشمل التعاون تبادل المعلومات الاستخبارية ومراقبة الجزر والممرّات في جنوب البحر الأحمر. هكذا حوّل نظامٌ يُصنَّف بين الأكثر انغلاقاً في العالم موقعه الجغرافي إلى ورقة مساومة رابحة.

السودان: الساحة الخلفيّة للتنافس السعودي الإماراتي

يبقى السودان الساحة التي يتجسّد فيها الانقسام الإقليمي بأوضح صوره: الإمارات تدعم قوات الدعم السريع، والسعودية ومصر وتركيا تقف مع القوات المسلحة السودانية.

1. شبكة الإمداد الإماراتيّة تحت الضغط
اعتمدت قوات الدعم السريع اعتماداً كبيراً على مسيّرات ومنظومات دفاع جوي زوّدتها بها الإمارات، ما مكّنها من تعزيز سيطرتها على غرب السودان وحصار مدن في الوسط مثل الأبيض أواخر 2025. وكانت رحلات النقل الإماراتية تسلك مساراً شمالياً عبر الأجواء المصرية والسعودية، وجنوبياً عبر إثيوبيا والصومال وجنوب السودان مع بوصاصو نقطة عبور. لكنّ توقُّف الرحلات على المسار الشمالي منذ مطلع كانون الثاني 2026، ومنع مقديشو تحليق الطائرات الإماراتية، ضيّقا هذه الشبكة، رغم استمرار النشاط في قاعدة بوصاصو.

2. الرهان السعودي المتردّد
ذكرت رويترز في كانون الثاني 2026 أنّ باكستان في المراحل الأخيرة من صفقة أسلحة مع السودان بقيمة 1.5 مليار دولار، تشمل 10 طائرات هجومية خفيفة من طراز K-8 وأكثر من 200 مسيّرة وأنظمة دفاع جوي، وربما مقاتلات JF-17، مع حديث عن دور سعودي محتمل في تسهيلها. لكنّ رويترز عادت فأفادت في 20 نيسان بأن إسلام آباد جمّدت الصفقة بعد أن طلبت الرياض إلغاءها وأعلنت أنها لن تموّلها. ويكشف هذا التراجع حدود الانخراط السعودي: فالرياض تقف سياسياً مع الجيش السوداني، لكنها تتحاشى حتى الآن التورّط العسكري المباشر، في وقت تنشغل فيه بجبهة الحوثيين. وتبقى اتفاقية الدفاع المشترك السعودية الباكستانية الموقعة في أيلول 2025 الإطار الأوسع لهذه الحسابات.

3. جبهتان متزامنتان (أيلول 2026)
احتدمت المعارك في شمال كردفان منذ الصيف: استعاد الجيش بلدة جبرة الشيخ ومحيطها في 25 تموز 2026 مؤمِّناً طريق إمداد وتجارة حيوياً، ثمّ صدّ في 13 آب هجوماً للدعم السريع بأكثر من 250 آلية. وتهدف عملياته إلى تأمين الطريق بين الخرطوم والأبيض، وحرمان الدعم السريع من مراكز إمدادها الصحراوية، تمهيداً للتقدّم غرباً نحو دارفور. وفي المقابل، فتحت قوات الدعم السريع مع الحركة الشعبية– شمال جبهةً في ولاية النيل الأزرق، وسيطرت على موقعي باكوري وسركم جنوب شرق الدمازين. وتكتسب هذه الجبهة أهمية إضافية لأنها تقع على تخوم إثيوبيا وقرب سد النهضة، ما يربط الحرب السودانية مباشرةً بالتوتّر المصري الإثيوبي، وبخطوط الإمداد التيغرانية الممتدّة نحو السودان.

القوى الدولية: الصين تراقب وواشنطن تتردّد

1. الصين: عينٌ على المضيق من جيبوتي
كشف تقرير لمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) في 17 أيلول 2026 أنّ الصين أضافت إلى قاعدتها في جيبوتي، الوحيدة المعترف بها خارج أراضيها، هوائيات ومعدات اتصالات فضائية ومجمّعَي اتصالات جديدين منذ منتصف 2024. ويرى التقرير أن الحروب التي تشمل الحوثيين وإيران والولايات المتحدة وإسرائيل رفعت قيمة ما يمكن تجمعيه من معلومات استخبارية انطلاقاً من القاعدة. وتغطي المعدّات الجديدة الطيف التردّدي كاملاً، ما يرجّح أنها مخصّصة للتنصّت على الاتصالات. وتقع القاعدة على بعد أقل من 10 أميال من القواعد الأميركية والفرنسية والإيطالية واليابانية، ونحو 35 ميلاً من باب المندب. سياسياً، ترى بكين في الاعتراف الإسرائيلي بصوماليلاند محاولة لبناء محور غربي تايواني عند مدخل البحر الأحمر، فعمّقت تحالفها مع مقديشو.

2. الولايات المتحدة: أولويّة هرمز
تتعامل واشنطن مع المنطقة بمنطق الأولويات: إيران ومضيق هرمز أوّلاً. لذلك رفض ترامب الانخراط المباشر في جبهة اليمن، واكتفى بدعم استخباري للسعودية. وفي ملف صوماليلاند، تؤكد الخارجية الأميركية أنّ سياستها لم تتغيّر، لكنّ ترامب قال إنه «يدرس» الاعتراف، والتقى قائد القيادة الأميركية في إفريقيا الجنرال داغفين أندرسون الرئيس إيرو في تشرين الثاني 2025 لبحث التعاون في مكافحة الإرهاب والأمن البحري. وتبقى دوائر جمهورية مؤثّرة تضغط باتجاه الاعتراف، فيما يبدو أن واشنطن تترك لإسرائيل والإمارات تحمّل الكلفة السياسية في الوقت الراهن.

خريطة المحاور وسيناريوهات المستقبل

لم تعد المنطقة منقسمة إلى محورين فقط كما كان يبدو مطلع 2026، بل إلى ثلاثة معسكرات متداخلة، يضغط ثالثها على الجميع من الضفة اليمنية للمضيق:

  • المحور الإماراتي الإسرائيلي: تقوده أبو ظبي وتل أبيب، وتقترب منه إثيوبيا بدرجة أقل. أدواته الموانئ والقواعد في بربرة وبوصاصو، والاعتراف بصوماليلاند، ودعم قوات الدعم السريع في السودان. ويتحرك أساساً عبر الكيانات الطرفية: صوماليلاند وبونتلاند وجوبالاند.

  • المحور السيادي العربي التركي: يضمّ السعودية ومصر وتركيا وقطر، ويستند إلى الحكومة الفيدرالية في مقديشو وإلى إريتريا. أدواته القوات المصرية على الأرض، والبحرية التركية، والتمويل القطري، والتحالف البحري السعودي، ودعم الجيش السوداني والحكومة اليمنية. ويرفع شعار وحدة الدول وسيادتها في وجه مشاريع الانفصال.

  • المحور الإيراني الحوثي: طرف ثالث لا ينتمي إلى أيّ من المعسكرين، لكنه صار يمسك بمفتاح المضيق. أدواته الصواريخ والمسيّرات والحصار البحري على السعودية، والسيطرة الميدانية على ميون وحنيش. ويربط مصير باب المندب مباشرةً بمصير المفاوضات الأميركية الإيرانية.

أمام هذه الخريطة، يمكن تصوّر ثلاثة مسارات للمستقبل القريب، تتوقف كلها على قرار يُتخذ خارج المنطقة، في واشنطن وطهران:

  • الانفجار متعدّد الجبهات: يتحقق إذا استُؤنفت الحرب الأميركية الإيرانية بعد الانتخابات النصفية، ونفّذ الحوثيون تهديد إغلاق باب المندب، بالتزامن مع تحويل بربرة إلى منصة عسكرية إسرائيلية. عندها قد تصبح صوماليلاند هدفاً حوثياً مباشراً، ويتحوّل هجوم «تحالف البقاء» إلى حرب إثيوبية إريترية مفتوحة، مع انزلاق السودان أكثر. وفي هذه الحالة يُغلق مضيقا الطاقة، هرمز وباب المندب، في آن واحد.

  • الاحتواء المُدار: يقوم على توازن ردع متعدّد، من القوات المصرية والبحرية التركية في الصومال، إلى التحالف البحري السعودي، والوساطة الباكستانية المستمرّة بين واشنطن وطهران. يحرص الحوثيون فيه على إبقاء الملاحة الدولية مفتوحة مع مواصلة الضغط على السعودية وحدها، وتُجبَر إثيوبيا بفعل حربها الداخلية على العودة إلى منطق «إعلان أنقرة». هذا المسار يمنع الانهيار الشامل، لكنه يُبقي المنطقة معلّقة على التفاهم الأميركي الإيراني.

  • التفتُّت البطيء: وهو الأقرب إلى الواقع الراهن، فلا حرب شاملة ولا تسوية، بل تآكل متواصل للدول المركزية. يتفكك الصومال عملياً بين حكومة فيدرالية وولايات تتعامل مع الخارج مباشرة، ويترسّخ في اليمن واقع السيطرة الحوثية على المضيق، وتنزلق إثيوبيا إلى حرب أقاليم طويلة. وفي هذا الفراغ تتقدم القوى الخارجية، كلٌّ بقواعده وموانئه ووكلائه.

والأرجح أن تتعايش هذه المسارات جزئياً، فيبقى التفتت البطيء هو القاعدة، مع لحظات انفجار موضعية تعقبها جولات احتواء مؤقتة.

أثبتت الأشهر الأخيرة أن البحر الأحمر لم يعد يُقرأ بمعزل عن الخليج، ولا القرن الإفريقي بمعزل عن اليمن. فحين أُغلق هرمز صار باب المندب شريان الطاقة البديل، وحين سيطر الحوثيون على ميون صارت بربرة على خط المواجهة، وحين انفجرت تيغراي من جديد صار طريق جيبوتي وجزر حنيش جزءاً من المعادلة نفسها.

والمفارقة أن القوى الإقليمية التي تتصارع على الموانئ والقواعد تواجه دولاً تتفكك من الداخل: صومال بلا توافق دستوري، ويمن بلا دولة مركزية، وإثيوبيا تعود إلى حرب الأقاليم، وسودان منقسم بين جيشين. التحالفات تُبنى وتنهار في أشهر، أما الجغرافيا فثابتة. ومن يملك القدرة على حماية الممرّات المائية وإعادة بناء الدول المطلّة عليها، لا مجرّد استئجار موانئها، هو من سيمسك في النهاية بمفاتيح هذا الشريان العالمي.

آخر الأخبار

مواد إضافيّة
استفزازات صحافيين إسرائيليين تنهي مؤتمر منتخب إيرلندا
اعتصام مفتوح في نقابة الصحافيين حتى الإفراج عن فريق «متصدقش»
دراسة

البحر الأحمر والقرن الإفريقي

– سعود المولى
قيل هذا الأسبوع: 27 ايلول - 3 تشرين الأول
حدث اليوم - السبت 3 تشرين الأول 2026
الاحتلال شرَّد الراعي قاسم وماعزه
03-10-2026
تقرير
الاحتلال شرَّد الراعي قاسم وماعزه