نص فلسطين
محمد علي الأتاسي

في الطريق إلى حيفا

إلى ذكرى الياس خوري

2 تموز 2026

بديهيّة قرب المسافة

قبل عدّة سنوات، اتصل بي إلى بيروت عن طريق الواتساب الصديق العزيز رائف زريق من سيارته الجديدة التي كان يقودها في طريق عودته من تل أبيب إلى حيفا بعد يوم طويل من العمل والتدريس في الجامعة. كان رائف عالقًا في الزحمة، وحيدًا يقود السيارة لمسافة لا تتجاوز المئة كيلومتر بين أطراف المدينتين ويتكلم مرتاحًا عبر ميكرو مسجلة السيارة. استرسلنا في الحديث حتى وصل رائف إلى مشارف حيفا، وبين الجدّ والمزاح، قلت له: انتبه ان لا يأخذك هذا الحديث الشيّق وتدهورنا من حيث تدري ولا تدري وتكمل في قيادة السيارة على الطريق البحري المتجه إلى بيروت التي لا تبعد أكثر من 290 كم أو أن تنعطف يساراً وتكمل صعوداً عبر القنيطرة باتجاه دمشق التي لا تبعد أكثر من 200 كم عن حيفا.

ضحكنا واقفلنا الخط، لكن سذاجة سؤالي هذا، استوقفتني! أو لنقل بعبارة أخرى أن ما استوقفني هو كيف تتحول بديهية قرب المسافة بين مدينتي حيفا وبيروت أو بين مدينتي حيفا ودمشق إلى سذاجة مفرطة، إذا ما تجرّأ المرء وحاول أن يعبر هذه المسافة ولو في مخياله.

استميحكم عذراً لأنني خلال مداخلتي القصيرة هذه، تعقيباً على «وثيقة حيفا» بعد عشرين عامًا على ولادتها، ومن موقعي ككاتب سوري مقيم في بيروت، سأحاول أن أعبر بسذاجة وإصرار، جيئةً وذهاباً، مرارًا وتكرارًا، هذه المسافة التي تفصل دمشق عن القدس، أو بيروت عن حيفا. لأنني لا أزال أؤمن، ربما بسذاجة، أنّ بديهية الجغرافيا والتاريخ واللغة، بديهية صداقتي لنادرة شلهوب وبشير بشير ورائف زريق هي أقوى من بديهية الجدران الحديدية والحدود المحصنة والقوة الرعناء.

«وثيقة حيفا»

أتذكر سروري عندما وقعتُ صدفةً في العام 2009 لأول مرة على نص «وثيقة حيفا» الصادرة عن مؤسسة مدى الكرمل البحثية بعد عامين من ولادتها في هذه المدينة المعلقة بين عالمين، ليس فقط بسبب الفضول والانشداد إلى كل إنتاج ثقافي أو فكري يصل إلينا من فلسطينيّي الداخل، ولكن بسبب وضوح رؤيتها لجهة ربط ما تسميه الشعب العربي الفلسطيني في الداخل مع «سائر أجزاء شعبنا الفلسطيني وبالأمة العربية» ولربط قيام الهوية الوطنية بـ«القيم والحضارة الإنسانيّة، وعلى اللغة والثقافة العربيّتين، وعلى الذاكرة الجماعيّة المستمدّة من تاريخنا الفلسطينيّ والعربيّ والحضارتين، العربيّة والإسلاميّة»، ولإصرارها على التمسك بما تسميه «انتمائنا إلى وطننا وشعبنا وأمتنا العربية، لغةً وتاريخاً وحضارة».

كانت مفاجأتي كبيرة، ليس فقط بسبب الوقع المختلف لهذه الكلمات والمصطلحات عندما تأتي إلينا من فلسطينيّي الداخل محمّلةً ببُعدها الفكري والهويّاتي الواضح في مواجهة المشروع الصهيوني، بعيداً عن الاستقطابات السياسية للأنظمة العربية التي سبق لها أن عجنت ولفظت هذه الكلمات وتركتها لقمة سائغة في فم المطبلين والمزمرين الثوريين المنتشرين على امتداد العالم العربي. مفاجأتي أتت أيضاً من تضمين هذه الوثيقة في كافة محاورها للبعد العربي للمسألة الفلسطينية، وربطها هذا البعد بالعملية الديمقراطية في العالم العربي، وكل هذا قبل تفجر انتفاضات ما سمي «الربيع العربي» في العام 2011 التي أعادت مسألة الديمقراطية والمشاركة السياسية إلى صلب مأزق مشروعية الأنظمة العربية الحاكمة او لنقل النظام العربي الحاكم منذ الفورة النفطية وهزيمة 1967.

كانت هذه الوثيقة، لحظة نشرها في العام 2007، موجَّهةً في الأساس إلى الداخل الإسرائيلي وتحاول أن تقدم تصور فلسطينيّي الداخل، المواطنين في إسرائيل، لوضعهم الجماعي وتدعو إلى مصالحة تاريخية مع الشعب اليهودي في ظل حل الدولة الديمقراطية المؤسسة على المساواة بين المجموعتين القوميتين. لكن، في كل محاور الوثيقة، لم يغب عنها الإصرار والتأكيد على ما تسميه «التواصل مع شعبنا الفلسطيني وأمتنا العربية».  

من هنا يمكننا أن نقرأ في واحدة من فقرات الوثيقة الاستشرافية، وفي سياق حديثها عن المصالحة التاريخيّة بين الشعبين اليهودي والعربي، أن هذه المصالحة «تندرج في إطار تغيير شامل للسياسة الإسرائيليّة، بحيث تكفّ إسرائيل عن القيام بدَوْرها الهدّام تجاه شعوب المنطقة، وبخاصّة في إطار سياسة الهيمنة الأميركيّة التي تُؤازر أنظمة عربيّة في قمع مواطنيها، وسلب مواردها، وإعاقة تطوّرها، وعرقلة العمليّة الديمقراطيّة في العالم العربيّ». 

لا شك أننا اليوم بعيدون جدا عن هذه المصالحة التاريخية وعن دولة المساواة في المواطنة بعد السابع من أكتوبر ومجازر الإبادة الجماعية التي ارتكبتها إسرائيل في غزة ومشاريع ضم الضفة وإقامة المناطق المدمرة والخالية من السكان من حول إسرائيل والحرب التوسعية المفتوحة التي تشنها إسرائيل في كل من لبنان وسوريا والمنطقة بأجملها.

«وثيقة حيفا» في سياقها التاريخي

لكن بما انني أصرّ على الإمعان في سذاجتي، وبما أن المسافة التي يقطعها العزيز رائف بين تل أبيب والجليل قصيرة بما يكفي كي تودي به إذا استمر في «القيادة المتهورة» إلى أحضاننا العربية المشرقية، فاسمحوا لي أن أعود اليوم لقراءة «وثيقة حيفا» ليس فقط من منطلق ما بعد السابع من أكتوبر وما بعد الموت السريري لحل الدولتين، ولكن من منطلق أوسع «ماكرو» ينظر إلى ما حدث ويحدث في المشرق العربي منذ هزيمة الـ67 وبداية العصر النفطي وظهور الدول الريعية، ويضعه في سياق تراجع المشروع القومي وسقوط وتفكك الدول الوطنية وتوسع الهيمنة الاميركية وإقامتها لقواعد عسكرية في كل المنطقة وشنّها الى جانب حليفتها إسرائيل حروباً مدمّرة أو حروباً بالوكالة أدّت في العقود الثلاثة الأخيرة إلى ازدهار مدن الملح المحميّة أميركيًا، وتوسّع مشروع الهيمنة الإيراني داخل المنطقة في المقابل، ودمار حواضر ومدن الهلال الخصيب بمعظمها من البصرة الى بغداد الى الموصل، مرورا بالرقة وحلب وحماه وحمص ودمشق، ووصولا الى طرابلس وبيروت وصيدا وصور.

منذ نهاية القرن التاسع عشر، حاول رواد النهضة العربية التفكير بإطار وطني جامع خارج إطار الرابطة العثمانية التي كانت في طور الأفول. مقولة «الدين لله والوطن للجميع» التي أتت في هذا السياق لم تكن مجرد شعار سياسي، كانت بداية البحث في ظل مخاض ولادة الدول الوطنية الناشدة لاستقلال، عن رابطة مدنية تقوم على مبدأ المواطنة والمساواة.

في ذات الفترة ومع انتهاء الحرب العالمية الثانية، ولدت دولة إسرائيل بمساندة الدول الغربية والحركة الصهيونية كدولة دينية يهودية على طراز خاص او لنقل كدولة-أمّة وفقاً لمفاهيم القرن التاسع عشر، كونها تخصّ يهود العالم قاطبة دون غيرهم، وتسقط مفهوم المواطنة المتساوية عن سكان فلسطين وتضع ما تبقى من سكان أصليين في منزلة المواطنة الثانية والمنقوصة.

هذه المفارقة بين توق عرب المشرق الخارجين من عباءة الرابطة العثمانية، إلى تأسيس دول مدنية تقوم على رابطة المساواة في المواطنة، وبين فرض الهيمنة والاستعمار الغربي عليهم قيام دولة قومية دينية استعمارية وتوسّعية، ستطبع بمفاعيلها مسارات الصراعات والأزمات التي هزت خلال عقود طويلة ولا تزال تهز منطقتنا، وهذا ما تشير إليه الوثيقة عندما تتكلم عن الوجود الفلسطيني في الداخل في سياق «الحقب والأحداثَ التي عرفَها الشرقُ العربيّ، في نهوضه وانتكاسه، ويقظته وحركة تحرّره، ومواجهاته للغزو والاحتلال والاستعمار. في أواخر القرن التاسع عشر، بدأت الحركة الصهيونيّة مشروعها الكولونياليّ-الاستيطانيّ في فلسطين. ولاحقًا، قامت، بتساوق مع الاستعمار العالميّ وبتواطؤ الرجعيّة العربيّة معها، بتنفيذ مشروعها الرامي إلى احتلال وطننا وتحقيق هدفها بتحويله إلى دولةٍ لليهود».

أسئلة وتساؤلات وثيقة حيفا في العام 2007 عن الهوية الوطنية الفلسطينية التي تقوم على القيم والحضارة الإنسانية، وعلى اللغة والثقافة العربيتين، ورؤيتها لبناء مجتمع ديمقراطي قائم على أسس العدل والحرية والمساواة وتأكيدها على مكانة المرأة ورفض التهميش الاجتماعي ونقدها لخطاب التعصب الطائفي والقبلي والعائلي والجهوي ودعوتها إلى المواطنة الديمقراطية، هي ذاتها اليوم الأفكار والاسئلة التي باتت تطرح مجددا وبقوة في معظم دول المشرق العربي وخصوصا في العراق وسوريا حيث واكب سقوط الأنظمة الديكتاتورية وتوسع المشروع الأميركي الإسرائيلي وقيام التحالفات الابراهيمية وتمدد المشاريع الإقليمية الإيرانية والتركية، الى إعادة تشكيل الدول وفقا للتجاذبات الإقليمية، وإلى إعادة بناء جيوشها ومؤسساتها وأجهزتها على أسس وعصبيات طائفية ومذهبية وجهوية! ومن هنا عاد سؤال المواطنة المتساوية والديمقراطية ليطرح نفسه بقوة خصوصا في ظل تبعية هذه الأنظمة الحاكمة للقوى الإقليمية وتجاهلها لإرادة شعوبها ومواطنيها.

«وثيقة حيفا» والمحرقة

كان يحلو لبعض العنصريّين المتطرّفين في الماضي أن يشبّهوا علاقة إسرائيل بالمنطقة بحصار مسعده التوراتي أو بصورة فيلا في الادغال او بواحة للديمقراطية محاطة بالاستبداد المشرقي العربي المتوثب للانقضاض عليها من كل جانب. لكننا بتنا اليوم نعيش في عصر إبراهيمي جديد سقطت فيه كل الأقنعة وأصبحت إسرائيل الكبرى حقيقية كولونيالية واقعة، ليس على الأرض إلى الآن، ولكن بالتأكيد في الجو حيث يفرض سلاح الجو الإسرائيلي سيطرة شبه كاملة فوق كل دول المشرق العربي. عصر جديد هو عصر «الجينوسايد» في غزة والتطهير العرقي والأبارتايد في الضفة والاحتلال وقضم الأراضي وهدم القرى والبلدات في جنوب لبنان وجنوب سوريا، والتضييق على فلسطينيي الداخل وتكبيلهم بمواطنية الدرجة الثانية، فكيف لنا في ظل كل هذه التحولات أن نعيد قراءة وثيقة حيفا ودعوتها للمصالحة التاريخية بين الشعب العربي الفلسطيني والشعب اليهودي في إسرائيل، بما فيها «الاعتراف بحق الشعب اليهودي الاسرائيلي بتقرير مصيره والعيش مع الشعب الفلسطيني وسائر شعوب المنطقة بسلام وكرامة وأمان»، وهل من مكان بعد اليوم لأمنيات كهذه؟ وهل تقبل إسرائيل أساساً بها إذا قبل الجانب الآخر بها؟

صحيح أنّني نحوت هنا نحو المقاربة الموسّعة الماكرو في قراءة «وثيقة حيفا»، لكنّ الإجابة على أسئلة كهذه هو خارج قدرتي واستطاعتي، لكنني مع ذلك أريد أن أتوقّف عند نقطة محددة ميّزت «وثيقة حيفا» عن غيرها من الوثائق التي صدرت في الفترة ذاتها عن فلسطينيي الداخل، بما فيها وثيقة التصور المستقبلي ووثيقة الدستور الديمقراطي، ألا وهي مقاربتها المغايرة لموضوع المحرقة، وربطها المصالحة التاريخية بضرورة الوعي بتاريخ اليهود المأسوي في أوروبا، والذي بلغ ذروته في إحدى أفظع الجرائم الإنسانية، وهي المحرقة التي أحلّتها النازية باليهود. وتشير الوثيقة إلى أنها تعي المآسي التي عاشها الناجون منها، وتتعاطف مع ضحايا المحرقة، من ابيد ومن نجا. وتنتقد في ذات الوقت تسخير الكارثة ونتائجها لشرعنة حق اليهود في إقامة دولتهم على حساب الشعب الفلسطيني، فهذا التسخير يختزل قيمة العبر الكونية الإنسانية والأخلاقية من هذا الحدث الكارثي الذي يخصّ البشرية جمعاء. 

وفي هذه الإشارة الأخيرة مفتاحٌ مهمّ لفَهم كيف تحوّلت المحرقة في العقود الأخيرة ليس فقط إلى «دين مدني» بالمعنى الإيجابي للدول والمجتمعات الغربية يحول دون تكرارها في أوروبا، على ما يذهب المؤرخ الإيطالي انزو ترافستو في كتابه «نهاية الحداثة اليهودية: تاريخ انعطاف محافظ»، ولكن كيف تم التلاعب بذاكرة المحرقة بعد السابع من أكتوبر في الغرب في محاولة لتحويلها إلى حجة دامغة لإلصاق تهمة معاداة السامية بمنتقدي إسرائيل وللتغاضي عن الإبادة التي ارتكبتها إسرائيل بحق الفلسطينيين في غزة، والسكوت عليها إذا لم يكن تبريرها. 

في كتابه الجديد «إسرائيل: ما الذي حدث من خطأ؟» (?Israel: What Went Wrong)، يرى المؤرخ الإسرائيلي- الأميركي عومير بارتوف أن الصهيونية في شكلها الحالي قد وصلت إلى طريق مسدود أخلاقياً ومادياً، وينتقد بارتوف بشدة طريقة توظيف ذكرى الهولوكوست داخل المجتمع الإسرائيلي. ويرى أن التذكر «الهَوَسي» للمحرقة يُستخدم كـ«ورقة توت» لتبرير أي ممارسات عنيفة وتغذية مشاعر الانتقام، فضلاً عن حجب حقيقة المعاناة الفلسطينية عن وعي الإسرائيليين. ويرى برتوف أن تحويل «معاداة السامية» إلى سلاح سياسي لإسكات أيّ نقد مشروع للسياسات الإسرائيلية في الجامعات والمحافل الدولية هو تكتيك يضرّ باليهود أنفسهم ويحجب الخطر الحقيقي لليمين المتطرف العالمي.

كما يطالب بتروف بضرورة تخلي إسرائيل عن الأيديولوجيا الصهيونية بشكلها الحالي. ويدعو بدلاً من ذلك إلى تبني مشروع كونفدرالي (مثل مبادرة «أرض واحدة للجميع») يقوم على دولتين مستقلتين تضمنان حرية الحركة والعيش المشترك والعدالة التاريخية للفلسطينيين.

في السياق ذاته، وفي مقابلة مع جريدة «لوموند» أجراها عمير بتروف مؤخراً من حول كتابه الجديد وردّاً على السؤال الأزلي «ما الحل؟»، أجاب بتروف:

في رأيي، السبيل الوحيد الممكن هو قيام كونفدرالية. ستكون هناك إسرائيل وفلسطين، لكن بحدود مفتوحة. سيتمتّع مليونا عربي إسرائيلي بجنسية مزدوجة. يمكن للفلسطيني أن يعيش في حيفا، وللإسرائيلي أن يعيش في الضفة الغربية. سيخضع كل منهما لقوانين الإقليم الذي يقيم فيه. يشبه الأمر إلى حد ما الاتحاد الأوروبي: المواطن الفرنسي المقيم في برلين مُلزَم باتباع القوانين الألمانية، لكنه يصوّت في فرنسا». ولا ينسى بتروف الإشارة إلى انه «يجب تقييد الهجرة العكسية لتجنب اختلال ديموغرافي كبير»، قبل أن يضيف «من شأن هذا النظام أن يمنع الانفصال العنيف. سيختار العديد من المستوطنين الذين غادروا لأسباب اقتصادية، العودة إلى إسرائيل إذا ما قُدِّم لهم تعويضٌ قائم على الحوافز.» 

ينهي بتروف كلامه بأنّه «لا توجد حاليًّا أيّة إمكانية سياسية لبدء مثل هذه العملية. لكن العمل ممكن. لن يأتي التغيير من داخل البلاد، بل من خارجها.» 

مشكلتي مع كلام بتروف هذا، على أهميته وجرأته، وفي العودة الى سذاجتي واصراري على حق وامكانية رائف في أن يصل بسيارته في الطريق من حيفا إلى بيروت أو دمشق، وأن أبادله الزيارة في الاتجاه المعاكس، هو أن العديد من الباحثين والمثقفين الإسرائيليين المعنيين بنقد البعد الكولونيالي الاستيطاني للدولة العبرية والمهتمين بالتفكير بحلول بديلة، من مثل عاموس غولدبرغ وعمير بتروف، ينسون أو يتناسون أنّ هذه الأرض الممتدّة من النهر الى البحر ومهما اصطلح على تسميتها هي بحكم الواقع والتاريخ والجغرافيا جزء لا يتجزأ من المشرق والمنطقة العربية الأوسع بعطالتها وحراكها وخيباتها وآمالها. هي جزء ينتمي الى ماضي وحاضر ومستقبل السكان الأصليين في هذه المنطقة وثقافتهم ولغتهم ومشاكلهم، أكثر بكثير من انتمائها الى التحالفات الابراهيمية المستحدثة والهيمنة الأميركية وتعقيدات التاريخ الأوربي الحديث.

وحتى إذا ابتعدنا عن هذه المفاضلة العقيمة في الانتماء الى المنطقة وتاريخها، وقررنا ان نترك إسرائيل بحالها وراء جدرانها الحديدية والباطونية والنفسية، فإن إسرائيل من خلال سياساتها التوسعية واختراقاتها الاستخباراتية وهجوماتها المتكررة، لن تتركنا بحالنا وستبقى حاضرة وفاعلة في التوازنات والاستقطابات السياسية الداخلية السورية أو اللبنانية أو العراقية، ولن تسمح لهذه المنطقة وشعوبها في أن تستقيم وتُنتج توافقات بديلة. والأهمّ من كل هذا وذاك، وفي سياق الإجابة على سؤالي الساذج في بداية المداخلة، فإنّها لن تسمح لرائف ولي خلال عمرنا البيولوجي المتبقي أن يستقلّ واحدنا سيارته ويتجه لزيارة الآخر الذي لا يبعد عنه إلا 2 إلى 3 من القيادة. 

إلياس مجدّدًا

هنا يحضر صديقنا المشترك الروائي الكبير إلياس خوري، الذي عبر الحدود مراراً وتكراراً من لبنان إلى الجليل وصولاً إلى اللدّ بقلمه وقصصه وخياله الروائي، من دون الحاجة إلى سيارات ولا طرقات ولا أذونات سفر. عبره بقلمه ومخيّلته وشخوصه وحكاياته.

في آخر لقاء معه قبل مرضه، كنا نستغيب رائف بالمزاح والصداقة كما جرت العادة، حاولت مشاكسته ومفاجأته بسؤال إذا ما كان يرغب ويشتهي أن يزور حيفا والجليل بدلاً من البكاء على الأطلال كما حالنا مع الأندلس، فأجابني الياس: 

يا ريت فيي روح... واشتهي وأحب وأتمنى أن أزور فلسطين، ولكن التشبيه بين الأندلس وفلسطين غلط، لأن فلسطين ما زالت فلسطين ولم تتحول الى الاندلس مفقود، وهي حيّة وتقاوم ولأنّ الفلسطينيين لا يزالون يعيشون في فلسطين ويجعلوا حلمنا في العودة وزيارة فلسطين ملموس وحقيقي. 

ويضيف الياس بأنه في النهاية وسواء كان الحل بدولة ثنائية القومية أو دولة ديمقراطية لجميع أبنائها، فالمشروع يجب أن يمرّ بتحرير فلسطين من الصهيونية.

الهويات المركّبة والعبور فوق الحدود

قد يبدو للبعض كلام الياس خوري حالماً وبعيد المنال، كما هو بعيد المنال أن يصل رائف بسيارته من حيفا الى بيروت أو دمشق رغم قصر المسافة التي تفصل هذه المدن بعضها عن بعض. لكن المؤرخ الإسرائيلي من أصول عراقية وأستاذ العلاقات الدولية في جامعة اوكسفورد أفي شلايم، عبر هذه المسافة التي قد تبدو للبعض مستحيلة، ببساطة وذكاء في كتابه الأخير «العوالم الثلاثة: مذكرات يهودي عربي»، والذي عمل فيه على استعادة هويته اليهودية العراقية العربية من براثن الأيديولوجيا الصهيونية التي نشأ عليها في إسرائيل. يكتب آفي شلايم في خاتمة كتابه الآتي: 

كانت الحركة الصهيونية في الأصل والجوهر، حركة أوروبية قادها يهود أوروبيون أرادوا أن يخلقوا دولة يهودية لليهود الأوروبيين. دولة كانت تطمح أن تكون في الشرق الأوسط، ولكن ليس من الشرق الأوسط. لم تسعَ إلى مزج الثقافات، بل استبدال الثقافة الأوروبية بالثقافة المحلية. عمّقت الحركة الصهيونية، بحكم طبيعتها، الانقسامات بين الإسرائيليين والفلسطينيين، وبين إسرائيل والشرق الأوسط، وبين اليهودية والإسلام، وبين اللغة العربية واللغة العربية. الحركة الصهيونية ودولة إسرائيل عملتا بنشاط على محو ماضينا المشترك، وتاريخنا معاً، وإرثنا الذي استمرَّ لقرون، وإرث التعددية، والتسامح الديني، والتحرر من الأحقاد القومية أو المحلية… وإرث التعايش.

من هنا، وسواء عبرت سيارة رائف يوماً من الجليل باتجاه بيروت أم إلى دمشق أو لم تعبر، فإن «وثيقة حيفا» وغيرها من الوثائق السابقة أو اللاحقة، عليها دائمًا ان تعبر الحدود في النقاش وتبادل الأفكار واجتراح الحلول.

هذا النص يستند الى مداخلة قصيرة ألقيتُها عبر الزوم خلال ورشة عمل عقدت في رام الله تحت عنوان «عشرون عامًا على وثيقة حيفا ووثائق الرؤية المستقبلية: نحو مستقبل متخيل جديد».

آخر الأخبار

مواد إضافيّة
نص

في الطريق إلى حيفا

محمد علي الأتاسي
وين فينا نسبح؟
حدث اليوم - الأربعاء 1 تموز 2026
01-07-2026
أخبار
حدث اليوم - الأربعاء 1 تموز 2026
اكتمال مجلس الشعب السوري بعد عامٍ ونصف
01-07-2026
أخبار
اكتمال مجلس الشعب السوري بعد عامٍ ونصف
مختارات من الصحافة الإسرائيلية 1/7/2026
حصيلة محدثة في لبنان: 4,297 شهيداً، 12,196 جريحاً