تعليق الحرب على لبنان
سامر فرنجية

«اللوبي اللبناني»

دعاة الحروب الدائمة

19 آب 2026

لقد رأيتُه، رأيتُ النفق…

في لحظة دمويّة في الجنوب، ومع ازدياد الكلام عن احتمال تصعيد عسكري إسرائيلي، نشرت باحثة لبنانية مقيمة في الولايات المتّحدة بوستًا تزعم فيه وجود أنفاق في منطقة كسروان وجبيل، رأتها بنفسها عند قيامها بنزهة لهضم الغداء قبل عدّة سنوات. الغريب في هذا البوست هو «خفّته القاتلة»، فمن الواضح أنّه ما مِن فائدة استخباراتية لنزهة الباحثة في جرود كسروان، لكنّ هذا لم يمنعها من تبرير أيّ ضربة مستقبلية، غير آبهة بما ستخلّف من ضحايا. بهذه الخفّة، كرّست الكاتبة نفسها لتبرير أيّ قتل قادم، معتبرة نزهتها الهضميّة بمثابة قرار اتّهامي بحقّ من سيُعدَم في الأيام القادمة. 

«اللوبي اللبناني»

بوست الباحثة ليس معزولًا. فبعد تبريرها الاستباقي لقصف منطقة  كسروان وجبيل، جاء تبرير آخر بعد الضربة التي طالت بلدة أنصار، قدّمه إعلامي مقيم في الخليج وبّخ من خلاله لبنان الرسمي لاستعماله عبارات «درامية» في وصف مقتل عائلة بأكملها. البوستان جزء من شبكة أخبار وتبريرات تتناقلها مجموعة من الصحافيين والباحثين، يتداولونها حتى تصبح شبيهة بحقيقة علمية. هذه الشبكة من الأخبار والتبريرات هي ما بات يُعرف بـ«اللوبي اللبناني» في الخارج، وهو أشبه بمجموعة ضغط تهدف إلى تبرير الحملة العسكرية الإسرائيلية على لبنان بوصفها الحلّ الوحيد لسلاح حزب الله.

لوبي الحرب الدائمة

بدأنا نشهد صعود هذا اللوبي مع الإبادة في غزّة، لكنّه تألّق مع الحرب على لبنان. فالمعادلة بسيطة من الخارج، كما كانت بسيطة عند الداعمين العراقيين للاحتلال قبل غزو العراق أو عند مشجّعي شاه إيران قبل بدء الحرب على إيران، وهي: لبنان قابع تحت احتلال لا مخرج منه إلّا من خلال عنف خارجي، وهو عنف مبرّر، مهما كان شنيعًا، أمام الشرّ المطلق الذي يمثّله هذا الاحتلال. معادلة بسيطة، ولكنّها كارثية سياسيًّا وإنسانيًّا. لكن لمن يدفع للحرب مجددًا، تكمن الكارثة في وقف الحرب، فالمطلوب حربٌ مُطلَقة، لا تتوقّف مهما كان ثمنها الإنساني. 

المصلحة في الحرب

في عالم ما زال يتعافى من كارثة حروب العراق وأفغانستان، ويعاين كارثة الحرب على إيران، من المستغرب أنّ هناك من لا يزال يراهن على فكرة التغيير من الخارج والحروب «التغييرية»، خاصّةً عندما يأخذ هذا الخارج شكل نتنياهو وترامب. لكن بالنسبة لهؤلاء، الحرب ليست خياراً سياسياً وحسب، بل باتت أيضاً مصلحةً شخصية. فــ«لوبي الحرب» يدرك أنّ لا مكان له أو لمشاريعه خارج حالة استمرار الحرب إلى ما لا نهاية. هو يشبه حالة أحد مموِّلي هذا اللوبي، أنطون صحناوي، رجل ربط مصيره السياسي والمالي بأكمله باستمرار الحرب. لهؤلاء، باتت الحرب حاجة مصيرية.

لوبي الحرب في لبنان

لكنّ «لوبي الحرب» لا يؤثّر على السياسة الخارجية في الولايات المتّحدة مهما كرّم وحاضر وكتب. هو مجموعة ضغط موجّهة إلى الداخل اللبناني، تهدف إلى دفع الخطاب السياسي نحو مزيد من التطرّف في ما يتعلّق بالموضوع الإسرائيلي. وهذا ما يفسّر غضب المجموعة الدائم على الحكومة التي تتقاعس في إعلان حالة الاستسلام المطلق أو قيادة الجيش التي تحاول تذكير القابعين بالولايات المتّحدة بشأن خطورة بعض اقتراحاتهم. في خليط من الوشاية والتخوين والسماجة، يعمل هذا اللوبي، مع نظيره اللبناني المتمحور حول وسائل الإعلام التابعة لصحناوي، إلى دفع الوسط السياسي اللبناني للرضوخ لأيّ شرط إسرائيلي. 

الرداءة الصاعدة

لكن خارج التبرير المقزّز للقتل والتخوين لكلّ مَن يعاكس رواية الجيش الإسرائيلي، فإنّ ما يميّز هذا اللوبي هو الرداءة السياسية. ففي خلطة تعيد تدوير بعض مقولات الجبهة اللبنانية من جهة، وتزوير بعض تراث الليبرالية العربية من جهة أخرى، لم يقدّم هذا التركيب الإعلامي غير رداءة فكرية، تشبه السلام المعروض حاليًا على لبنان. والرداءة هذه ليست مجرّد نتيجة لرداءة أصحاب هذه المقالات والبوستات، بل هي أسلوب جماعي بات يأخذ شكل تبرير مجزرة أو المطالبة بأخرى أو نشر صورة عشاء مع مرتكب المجازر. وللرداءة دور، وهو تعنيف الخطاب السياسي لضمان ترجمة أهلية للحرب الخارجية. فللظواهر الطفيليّة التي تحوم حول المدافع والصواريخ، يبدو الاقتتال حاجةً مصيرية لوجودها.

آخر الأخبار

مواد إضافيّة
تعليق

«اللوبي اللبناني»

سامر فرنجية
حدث اليوم - الثلاثاء 18 آب 2026
18-08-2026
أخبار
حدث اليوم - الثلاثاء 18 آب 2026
ترامب يخسر في قضية اعتدائه على إي جين كارول
18-08-2026
أخبار
ترامب يخسر في قضية اعتدائه على إي جين كارول
مختارات من الصحافة الإسرائيلية 18/8/2026
القضاء اللبناني يسلّم عادل عيسى للسلطات السوريّة
إسرائيل تعثر على رفات آخر جنودها المفقودين في «السلطان يعقوب»
18-08-2026
أخبار
إسرائيل تعثر على رفات آخر جنودها المفقودين في «السلطان يعقوب»