انقلاب إصلاحي
ما بدا مستحيلاً لأكثر من سنتين تحقّق بلمح البصر تقريباً، وكأنما بسحر ساحر: انتخاب رئيس للجمهورية اللبنانية. لا ألاعيب هذه المرة ولا مماحكات، ولا تطيير للنصاب، وإنّما جلستان متتاليتان وها هو جوزاف عون رئيساً بـ99 صوتاً.
ثمّ جاء خطابُ قسمٍ دغدغ أحلامَ الكثيرين وعواطفهم: حصر السلاح بيد الدولة، بسط سلطتها على كامل الأراضي اللبنانية، تطبيق الدستور، الإصلاح، الشفافية، المحاسبة، محاربة الفساد، إلغاء السرية المصرفية… خطابٌ دغدغ الأحلام والعواطف حدّ أنّ البعض دفعته حماستُه إلى الإعلان أنّنا بتنا على مشارف عهد شهابيّ ثانٍ.
وكأنّ الآلهة– التي جاوز كرَمُها كلّ الحدود– شاءت أن تغدق علينا الهِبات، سُمّي نوّاف سلام رئيساً للحكومة، وهو الذي كان كثرٌ قد طرحوا اسمه خلال انتفاضة 17 تشرين، ما دفع البعض إلى اعتبار تسميته انتصاراً لتلك الانتفاضة.
وتتالت هِبات السماء، فأدلى سلام بتصريحات تتناغم مع خطاب القسم، لا بل تتجاوزه في التشديد على الإصلاح ومحاربة الفساد وتطبيق الدستور وما إلى ذلك.
ثمّ نجح في تشكيل حكومة بسرعة قياسية مقارنةً بالوقت الذي تستغرقه عادةً هذه العملية في لبنان. وبالرغم من أنّه رضخ لبعض مطالب الثنائي الشيعي فمنحَهم وزارة الماليّة، مثلاً، فإنّه لم يعطِهم الثلث المعطّل، وهي سابقة منذ اتفاق الدوحة.
انتشر التفاؤل كعدوى جماعية، فصرنا نسمع كلاماً عن دخول لبنان طوراً تاريخيّاً جديداً، وعن أنّ مجيء عون وسلام ليس أقلّ من انقلاب على ما يُسمَّى «الطبقة السياسية». لكن إذا سلّمنا بصحّة ذلك، يبقى السؤال: مَن الذي انقلب على الطبقة السياسية؟ بالتأكيد ليس عون وسلام، فهما لم يأتيا بنفسيهما. وليس النوّاب الذين انتخبوا الأوّل وسمّوا الثاني، وإلا لكانوا قد انقلبوا على أنفسهم.
الخارج عندما يصبح داخلاً
إذا اكتفينا بالنظر إلى الداخل اللبناني، لن نعثر على أيّ شيء يُفسِّر مجيء عون وسلام، وسيبقى هذا الحدث بلا مُسبِّب، كما لو أنه معجزة. لكن ما أن نحوّل أنظارنا إلى الخارج حتّى تتّضح الصورة بسرعة، فندرك أنّ الحرب الإسرائيلية هي التي أتت بهما.
لا يحمل هذا القول أيّ انتقاد لهما ولا ينطوي على أيّ تلميح خبيث أو مُسيء، بل يهدف فقط إلى التشديد على واقعةٍ ربّما يعلمها الجميع، وهي أنّ انتخاب عون وتسمية سلام كانا من بين النتائج الكثيرة لتلك الحرب وهزيمة حزب الله فيها.
بكلمات أخرى، كانت فاعليّة الداخل اللبناني شبه معدومة إزاء مجيئهما، مقارنةً بالعامل الخارجي الحاسم، أي الحرب، والذي ينبغي أن نضيف إليه عاملاً خارجيّاً آخر، وإن كان أقلّ تأثيراً: سقوط نظام بشار الأسد.
ما حدث لم يكن استثناءً، بل صورة مضخَّمة لمدى تأثير العوامل الخارجية على السياسة الداخلية اللبنانية. صحيح أنّ جميع الدول تتأثّر– بنسبٍ متفاوتة– بالعوامل الخارجية، لكنّ حالة لبنان تختلف جذريّاً: ففي هذا البلد، لا يوجد أيّ حاجز أو غشاء يفصل بين الداخل والخارج. ما يفِد من الخارج يصبح، في هذا البلد، فوراً وبلا أيّ مقاومة أو غربلة، عاملاً داخليّاً.
أمّا الداخل اللبناني الذي يتشرّب ما يأتيه من الخارج من دون أيّ مناعة، فهو قائم على عصبيّات أهليّة وطائفيّة تحكم علاقات الجماعات اللبنانية ببعضها، في دوامة من التناحر والتحالف، والتحارب وتقاسم المغانم. وأيّ حدث أو فعل سياسي لا ينضوي ضمن هذه العصبيات يكاد يكون معدوم الأثر. تلك كانت حالة انتفاضة 17 تشرين: حركة احتجاجية شعبية ضخمة نشأت خارج الاصطفافات الطائفية والعصبيات الأهلية إلى حدٍّ كبير، ولأنها كانت كذلك، ظلّ أثرها على المجتمع والحياة السياسية ضئيلاً، إن لم يكن معدوماً. أمّا انتفاضة 14 آذار 2005، فلو لم يُغذِّها انقسامٌ واحتقانٌ طائفيّان أهليّان، لما كان لها هذا الأثر المديد على المجتمع والسياسة اللبنانيَّين– وليس في هذا القول أي محاولة للانتقاص من أهمية ذلك الحدث.
حتّى ما يفِد من الخارج، فإنّه إمّا يصطبغ بالعصبيات الأهلية والطائفية، أو يفقد أثره شيئاً فشيئاً ويتلاشى. ولعلّ المثال الأبرز على عامل خارجي اصطبغ بالعصبيات المتحكمة بالمجتمع اللبناني هو الصراع مع إسرائيل. ذاك أن الصراع هذا هو في الآن عينه، أقلّه منذ نهاية الحرب الأهليّة، صراعٌ داخليّ بين الجماعة التي احتكرت المقاومة وغيرها من الجماعات.
لبْنَنَة الإصلاح
وجد جوزاف عون بسرعة مكاناً له في نظام العصبيات الأهلية والطائفيّة، فأصبح بمثابة زعيم يتمتّع بشعبيّة لا بأس بها في البيئة المسيحيّة، وأقام ما يشبه الحلف مع أحد أكبر الزعماء اللبنانيين، نبيه برّي؛ وهو حلفٌ كانت ثماره التعيينات الأمنية وتعيين حاكم جديد لمصرف لبنان. أمّا نوّاف سلام، فقد ظلّ كجسم غريب دخيل على النظام اللبناني؛ فلا طائفة تحتضنه، وهو ليس زعيماً ولا مشروع زعيم. يرفض اللعبة الطائفية، ويريد أن يحكم بالدستور فقط، الدستور الذي لم يفارق يده طوال الشهر الأول الذي أعقب تعيينه. مثله مثل عون، أتت به عوامل خارجية، لكنّه، على عكس الأوّل، لا يمكنه أن «يتلبْنَن». لذلك من المرجّح أن يتضاءل أثره على الحياة السياسية شيئاً فشيئاً.
للخارج وقعٌ مفرط، بل هائل، على السياسة الداخلية اللبنانية، غير أنّ تأثيره في البنى والعلاقات الاجتماعية التي ينبثق منها النظام السياسي يكاد لا يُذكَر. وهنا تحديداً تكمن «مناعة» لبنان: في مفارقة أنّ أبوابه مشرّعة للخارج، إلّا أنّ كلّ ما يعبرها إمّا «يتلبنن» أو يتلاشى سريعاً. لذلك لا يمكن للإصلاح أن يأتي من الخارج، فالفساد والمحسوبيات والزبائنيّة والمحاصصة ليست سوى ظواهر سطحيّة تعكس طبيعة البنى والعلاقات الاجتماعية. لا حلول سحريّة، ولا إصلاح سيهبط علينا من السماء. أمّا الساسة والرؤساء الذين يهبطون علينا من السماء، فإمّا أن يتحالفوا مع نبيه برّي وأمثاله، أو تنتهي صلاحيتهم السياسيّة بعد وقت ليس بطويل.