تحليل الحرب على لبنان
كريستينا عيسى

على مسافة دَويّ من الموت

الصوت سلاحاً في الحرب

17 حزيران 2026

الصوت الأوّل: إعلان الحياة

تستوقفني فيديوهات لطبيبة توثّق لحظات الولادة على إنستغرام؛ في كلّ فيديوهاتها لحظة مكرّرة: يخرج الطفل من رحم أمّه إلى العالم، فتكون ثواني صمته الأولى هي الأكثر ريبة؛ صمتٌ مفعمٌ بترقّبٍ ثقيل، حتى تكسر صيحة بكائه الأولى رهبة السكون السائد.

هنا، تسبق أذنُ الأمّ عينَها في تأكيد الوجود؛ فقد يكون ابنها في حضنها وبين يديها، ملتصقًا بجسدها، لكنّ صوت بكائه هو إعلان الحياة الأول. يكبر الطفل وهو يسمع العالم قبل أن يراه كاملًا. يبني كونَه الأوّل من تكرار الصوت الآمن: دندنة أمه الهادئة قبل النوم وصوت أنفاسها المنتظمة. يحفظ النبرة ويألفها، فيغدو عالمه لحنًا مألوفًا يمنحه إحساسه الأول بالأمان والانتماء.

لا يُعزف هذا اللحن بإتقانٍ طويلًا؛ إذ سرعان ما تقاطعه أصوات خارجية من دون استئذان. قد يبدأ الشرخ بصوتٍ مرتفع عابر: صحن ينكسر في المطبخ، صراخ عائلي حادّ ينبعث من غرفة مجاورة، باب يُغلق بعنف. وإذا كانت إسرائيل على حدودك: هدير طائرة حربية، ثم دويّ انفجار. هكذا، يتعلّم الجسد باكرًا أنّ الصوت لا يُطمئِن دائمًا؛ قد يفاجِئ، يربك، يهدّد، ويعيد ترتيب علاقة الإنسان بالعالم من حوله. في الحرب، تصبح الرؤية ثانوية، والسمع هو الحاسّة القائدة؛ البوصلة التي تحدّد المسافة الفاصلة بين النجاة وعدمها. هناك، تعود حاسّة السمع إلى إحدى وظائفها الأكثر بدائية: مبشّرة بالحياة، أو نذيرة بالموت.

الصوت الثاني: نذير الخطر والموت

لطالما كانت علاقة بيروت بالأصوات علاقةً حذرة محكومة بالارتياب. فهذه المدينة التي عبرت جولاتٍ متتالية من العنف، من حرب أهلية وانفجار غيّر معالمها وحروب إسرائيلية متعاقبة، باتت ترى العالم بأذنيها. حتى وإن خمدت النيران وتلاشت سحب الدخان، يظلّ في أرجائها رنينٌ خفيّ، طنينٌ صامت لا تلتقطه أذن الزائر، لكنه يستوطن جسد من عاش هنا. لا تسمع مدن الحرب العالم بلحنه الأول، إذ أن السماء التي انفجرت ذات يوم فوق رؤوس أبنائها، لا تعود تشبه سموات الكتب والأفلام ولوحات الرسّامين. والزجاج الذي تناثر في أزقّة المدينة ذات عصر، لا يعود زجاجًا محايدًا مهما أُعيد تركيبه وتلميعه؛ فهو في نهاية المطاف، دليل هشّ على أن الكون بصلابته قد يتحول في غضون ثوانٍ إلى شظايا مبعثرة.

يصبح الصوت في الحرب جزءًا من قراءة النهار. نعرف المدينة من ضجيجها، والخطر من طنين الطائرات، والنجاة من صوت لم يُسمع بعد. يحضر الصوت في الحرب الإسرائيلية على لبنان كأداة أساسية لفرض السيطرة على المجال المحيط بالناس من الأرض إلى الهواء، متجاوزًا كونه مجرّد أثر جانبي للآلة العسكرية. ويتحول هذا الحضور المتكرّر إلى ضغط يومي ممتد عبر وسائل متعددة، منها طنين الزنانة، صوت الغارة أو البارجة البحرية. ومن بين أكثر أشكاله تكرارًا في التجربة اللبنانية، يأتي تحليق منخفض، أزيز طويل، ثم خرق متكرّر لجدار الصوت.

يقوم الخرق على دويّ مفاجئ يشبه الانفجار، يحدث حين تتجاوز الطائرة سرعة الصوت فتولّد موجة ضغط قوية؛ وقد تكون هذه الموجة، بحسب شدّتها وقربها وحالة المباني، قادرة على إحداث أضرار مادّية مثل تشقّق الزجاج أو تحطّمه. لا يحتاج الخرق أن يخلّف دمارًا مرئيًا كبيرًا كي يترك أثرًا، يكفي أن يشبه القصف، وأن يدفع الجسد إلى الاستجابة قبل أن يفهم العقل ما حدث.

بعض القراءات التحليلية ترى في خرق جدار الصوت رسالةً ميدانيةً أيضًا، كتمهيد يسبق تصعيدًا أو موجة غارات. لا يعني ذلك أن كل خرق لجدار الصوت يحمل دلالة عسكرية مباشرة، لكن تكراره في لحظات التوتر يجعله جزءًا من الحرب ولغتها. إذ يراه آخرون أداة ضغط نفسي بالدرجة الأولى، هدفها إبقاء المدنيين في حالة ارتباك وانتظار، وإشعارهم بأن السيطرة الجوية قائمة حتى في غياب الضربة؛ حيث يبقي الناس في حالة انتظار دائمة، بين ما حدث فعلًا وما قد يحدث بعد لحظة.

لا يقتصر استخدام إسرائيل الصوت على الدويّ أو الحضور الجوي المتكرّر. ففي غزّة مثلًا، اتّخذ الصوت شكلًا أكثر مباشرة في هندسة الخوف والخداع. وبحسب تقارير حقوقية، أبرزها تقرير للمرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان، تستخدم إسرائيل الصوت في حروبها، إذ وثّق المرصد في غزة استخدام مسيّرات الـ«كوادكابتر» لبثّ تسجيلات لأطفال رُضَّع يبكون ولنساء يصرخن، بهدف دفع المدنيين إلى الخروج بحثًا عن مصدر الصوت، قبل استهدافهم بشكل مباشر. ووفقًا لإفادات وثّقها المرصد، لم يقتصر هذا الأسلوب على أصوات الاستغاثة، بل شمل أيضًا بثّ أصوات إطلاق نار واشتباكات مسلحة وانفجارات وحركة آليات عسكرية، بما يحوّل الصوت إلى أداة ترهيب نفسي تُبقي المدنيين في حالة خوف وانتظار داخل بيئة حرب مغلقة.

سرعان ما امتدّ هذا الأسلوب إلى جنوب لبنان أيضًا. فبحسب شهادات محلّية من سكّان الجنوب– وثّقها تقرير لـ«ميدل إيست آي»– لم يكن استخدام هذه الأصوات حادثة معزولة، بل جزءًا من أسلوبٍ بات مألوفًا لدى بعض اللبنانيين الذين اختاروا البقاء في قراهم الجنوبية. إذ تبثّ إسرائيل عبر مسيّراتها أصوات أطفال يبكون ويطلبون المساعدة، ولا تقتصر الأصوات على الأطفال وحسب، بل تشمل أيضًا أصوات سيارات إسعاف، وتلاوات قرآنية، ونساء يطلبن النجدة، كجزء من حربها النفسية. 

هكذا، يخرج الصوت عن سياقه الطبيعي كإشارة لخطر قائم، ويتحوّل إلى معضلة أخلاقية ونفسية تضع المدنيين بين احتمالين متناقضين: الخوف ممّا حدث، أو الخوف مما قد يحدث؛ إمّا الاستجابة لنداء إنساني قد يكون حقيقيًا، وإمّا الوقوع في فخ عسكري ناتج عن صوت مصمَّم للاستدراج. وبين ثقل الخوف من خذلان مستغيث حقيقي، والرعب من التقدّم نحو فخ المسيّرة، يتحوّل حتّى البقاء في البيت إلى استنزاف للأعصاب، يفرض على السكان شكًّا دائمًا في كل صوت وحركة من حولهم.

قالت لي صديقة، فور وصولها من لبنان إلى ألمانيا: «الصوت هنا لا يعني شيئًا، ووجوه الناس تقول إنهم لا يخافون وقعه». صخبٌ قوي في الشارع لا يوقف النهار، لا يرفع الرؤوس نحو السماء، بل يمضي كما تمضي الأصوات في المدن التي لم تتعلّم أن تبحث داخل كل دويّ عن احتمال نجاة أو موت. في لبنان، اعتاد كثيرون أزيز المسيّرات حتى صار جزءًا من الخلفية اليومية، إلى حدّ أن غيابه قد يبدو أحيانًا أكثر غرابة من حضوره. كأن السماء، في طبيعتها الأولى، عصافير وسكون وهواء، أصبحت هي المشهد الهجين على المدينة.

في حالة المسيّرات، يتجاوز الصوت ارتباطه بلحظة الانفجار ليتحوّل إلى حضور مستمرّ، لا يقول دائمًا إن ضربة ستقع، لكنه يذكّر بأن إمكان وقوعها قائم. وهذا ما يجعل أثره نفسيًا بقدر ما هو سمعي: أن يعيش المرء تحت وطأة أزيز مستمرّ، يشعره بأنّ غياب الاستقرار لم يعد مقتصرًا على الفضاء الخارجي، بل تسلّل إلى أكثر الأماكن ملاذًا: البيت، السرير، والجسد.

خلال الحرب العالمية الأولى، وثّق الطبيب النفسي البريطاني تشارلز مايرز مصطلح «صدمة القذائف» (Shell Shock) لدى الجنود الذين تعرّضوا للقصف المدفعي المستمرّ، رابطًا بينه وبين ظهور أعراض عصبية ونفسية حادّة مثل القلق، الأرق، الكوابيس، خفقان القلب، الدوار، والتشويش الذهني. اليوم، ومع تطوّر تكنولوجيا الحروب، تشير الأبحاث النفسية الحديثة إلى نمط مستجدّ من القلق المرتبط بالطائرات المسيّرة، يُعرف بـ«فوبيا المسيّرات» (Dronophobia)؛ حيث يُمثّل صوت الأزيز المتواصل محفّزًا للاستثارة العصبية المفرطة، والخوف، واضطرابات النوم، والسلوك التجنّبي. وفي هذا السياق، بدأت دراسات حديثة في الطب النفسي تتناول مصطلح «فوبيا المسيّرات» بوصفه إحدى المساهمات الناشئة في اضطراب ما بعد الصدمة، لا كتشخيص مستقلّ بذاته، بل كاستجابة نفسية مرتبطة بطبيعة التهديد الجوي المستمرّ. إذ تبرز في هذا النمط ثلاثة ملامح أساسية: أولها فرط الاستثارة الناتج عن الإحساس الدائم بأن ما هو فوق الإنسان يراه ويجعله قابلًا للاستهداف؛ وثانيها «فرط اليقظة المرتبط بالصوت»، حيث يتحوّل أزيز المسيّرة إلى محفّز مباشر للخوف؛ وثالثها امتداد هذا الأثر إلى الحياة اليومية، حين تصبح أصوات عادية قادرة على استدعاء الإحساس نفسه بالخطر. 

الصوت في مواجهة الصورة

تُصدَّر الحرب إلى العالم عادةً بعناصرها البصرية كأبنية مدمّرة ومشاهد نزوح. ومع تكرار هذه الصور واعتيادها، سواء عبر شاشة الهاتف أو التلفزيون، أو إن كنت أقلّ حظًّا، في الحيّ المجاور، يصبح غضُّ النظر الآليةَ الدفاعية الأسرع والأكثر شيوعًا لحماية النفس. منذ بداية الحرب على غزّة وامتدادها إلى لبنان، كان الانسحاب من الفضاء الرقمي خيار كثيرين، بما تبعه من آراء مؤيّدة ورافضة. لكن الابتعاد، واختيار «عدم الرؤية»، كانا في جوهرهما محاولة لبناء جدار عازل عن الواقع، إيمانًا بأن إغلاق النافذة البصرية يمنح النفس نوعًا من النجاة المؤقّتة.

خلف هذا الهروب، يظهر السؤال عمّا يبقى من الواقع حين نلتفت عنه، كما في أحد أشهر أسئلة الفلسفة الإدراكية: إذا سقطت شجرة في غابة، ولم يكن هناك أحد ليسمعها، هل تصدر صوتًا؟ إذا كان إدراكنا للأشياء يمرّ عبر الحواس، هل يكفي ألّا نرى كي ننجو؟ فالصوت لا ينتظر إذنًا، ولا يتبدّد بمجرد حذف تطبيق من الهاتف. يقتحم الجسد والمساحة كواقع مادي يفرض نفسه قسرًا. يمكن للصورة أن تُمرَّر بالإبهام، أن تُخفى، أو أن تُستبدل بصورة أخرى. أما الصوت فلا يمنحنا هذه الرفاهية. إذ حينما يصل لا يبقى الخارج خارجًا تمامًا. يدخل الغرفة، ويقطع النوم، ويجبر الجسد على الإصغاء رغمًا عنه، فتعرف أنّ الخطر موجود، حتّى لو لم ترَه؛ وتبقى متّصلًا بالحدث، مهما حاولت الانفصال عنه.

الصوت كذاكرة أخيرة

نشكل علاقتنا بالمدن والناس والأيام عبر أغنية، ولحن، وضجيج مألوف. ثم تسرق إسرائيل هذا الصوت حين ترفع صوت طائراتها المسيّرة، فيرتفع صوت المدينة فوقها عنادًا.

يوماً ما، قد تخون الذاكرة البصرية كل هذا الدمار؛ قد تتلاشى ملامح الركام، وتتغير جغرافيا الشوارع، وقد يُمحى أرشيف الصور في العالم الافتراضي، أو لا يبقى منه إلا ما تسمح به المعايير البيضاء، صور مهذّبة لا تجرح ولا تؤذي العين.

العين التي تملك امتياز الابتعاد؛ يمكنها أن تغمض، أن تختار ما ترى، وأن تنجو من المشهد. أما الأذن، فتجبرنا على البقاء داخل الحقيقة كما هي. من هنا، تصبح الذاكرة السمعية شاهدةً وحيدة على حياة المدينة وموتها، مؤكدةً أنّ الصورة لا تكفي وحدها، بل لا بدّ من «الصوت» لتوثيق الوجود في أكثر لحظاته تجرّدًا.

آخر الأخبار

مواد إضافيّة
ميسي يصبح الهدّاف التاريخي لكأس العالم
تولين تبحث عن شهدائها
تحليل

على مسافة دَويّ من الموت

كريستينا عيسى
حين تصنع السياسة قمصان كأس العالم
بعد تدمير مطعمه للمرّة الثالثة، عباس يحارب التعب
16-06-2026
يوميات
بعد تدمير مطعمه للمرّة الثالثة، عباس يحارب التعب
جولة في الجنوب: الإسعاف هدفاً للحرب الإسرائيلية