اللامبالاة شرط التأجيل
تقدم النائب أديب عبد المسيح باقتراح قانون معجل مكرر ينص على تمديد ولاية مجلس النواب حتى تاريخ أقصاه نهاية أيار 2027.
لم يكن الأمر مستغربًا أو خارجاً عن السياق. فالكلام عن تأجيل الانتخابات يتصاعد منذ أشهر، بذريعة الخلاف حول القانون الانتخابي وظروف البلد الراهنة. لكنّ هذه الأسباب ليست إلّا غطاء للسبب الفعلي، وهو عدم وجود رغبة عند الأحزاب والكتل الأساسية، لأسباب مختلفة، بخوض هذا الاستحقاق في اللحظة الراهنة. بدأ يظهر توافق سياسي عابر للاصطفافات، لا يخشى فكرة تبني اقتراح التأجيل. فجاء اقتراح النائب عبد المسيح ليجسد هذا التوافق.
لكنّ القصة ليست هنا. أن تضحّي الطبقة السياسية بمبدأ دورية الانتخابات ليس جديدًا. فقد تمّ تأجيل الانتخابات عدّة مرات بين عامي 2013 و2015، كما تمّ تأجيل الانتخابات الرئاسية والبلدية تكرارًا.
الفارق مع اللحظة الراهنة هو أنّ هذه التأجيلات كانت تواجه اعتراضات آنذاك، اعتراضات تمسّكت بمبدأ دورية الانتخابات وتواريخها الثابتة كمطلب سياسي في وجه محاولات تهرّب السلطة من مسؤوليتها وحرمان المواطنين والمواطنات من حقّهم الأساسي في الاقتراع.
كانت الانتخابات مطلبًا سياسيًا في الماضي، وتبدو اليوم كمجرّد تدبير إداري.
اللامبالاة الراهنة في وجه سعي السلطة لتأجيل الانتخابات، بالمقارنة مع الاعتراض السابق أمام محاولات كهذه، ما هو إلا إشارة لفقدانٍ عامّ للثقة، لا بحزب أو تيار، بل بالنظام ومؤسساته. الاعتراض السابق يفترض تمسّكاً بالمؤسسات، وإن من موقع مناهض. أمّا اللامبالاة، فتعني الخروج من تلك المؤسسات.
أسباب اللامبالاة
اللامبالاة ليست نابعةً من ضجر أو ترف.
فهناك شعور عام، ليس خاطئاً تماماً، بأنّ المسائل الأساسية في البلد تبحث عن حلول لها خارج المجلس النيابي، وأنّ تركيبة المجلس لن تؤثّر عليها، لا سيّما مسألة سلاح حزب الله ومعالجة آثار الانهيار الاقتصادي. ففي الملف الاقتصادي، بات واضحاً أنّ القوى السياسية برمّتها- باستثناء بعض الشخصيات المستقلّة- تقف في صفّ المصارف. وأيّ قانون إصلاحيّ- على قصوره- لم ولن يتبنّاه مجلس النوّاب، إلا بضغط خارجيّ. أمّا ملف السلاح، فالتسويات والمفاوضات لا تجري في مجلس النوّاب، بل في القصر الجمهوري تحديداً، وهي بدورها خاضعة للضغوط الخارجية، بما فيها التهديد الإسرائيلي بعدوان جديد، أكثر ممّا هي خاضعة لتوازنات المجلس النيابي.
ما يفاقم هذا الشعور هو انتهاء المشاريع السياسية التي كانت تنظر إلى الانتخابات كإحدى ساحاتها الأساسية. فبعد الانكسار الذي تعرّض له حزب الله وحلفاؤه، لا يوجد مشروع سياسي على مستوى الوطن لدى أيٍّ من القوى السياسية المتنافسة في الانتخابات. فوز أيّ حزب وأيّ لائحة هو فوز لذاك الحزب وتلك اللائحة فحسب، ولا انعكاس له على المستوى الوطنيّ العام. لنأخُذ الكتلة النيابية الأكبر في المجلس الحالي، أي القوات اللبنانية، كمثال. مهما سجّلت القوات من انتصارات انتخابية، فإنّ أقصى ما تطمح إليه هو توسيع فارق المقاعد بينها وبين التيار الوطني الحر. لكنّها لن تتمكّن أبداً من احتكار التمثيل المسيحي أو من «إنهاء» دور الشخصيات المسيحية المستقلة. وفي كلّ الحالات، فشلت كل محاولات سمير جعجع في قيادة مشروع وطنيّ عابر للطوائف يرث مشروع حزب الله.
أمّا على الصعيد السنّي، فقد أثبتت الطائفة السنّية، في أكثر من مناسبة، أنّها لا تزال تعتبر سعد الحريري زعيماً أساسياً لها. لكنّ الحريري وتيار المستقبل ككلّ ممنوعان (من قِبل السعودية) من خوض الانتخابات. وهذا ما يجعل طائفة تشكّل نحو ثلث الشعب اللبناني لا تبالي بالانتخابات القادمة.
ورغم بعض الأصوات التغييريّة في المجلس الحالي، فإنّ تجربة وصول «كتلة تغييريّة» قادرة على إحداث فارق بتوحّدها في وجه المافيا الحاكمة، هي تجربة باءت بالفشل أسرع بكثير ممّا تصوّره كثيرون.
اللامبالاة نابعة من إحساس عامّ بأنّ المسائل الأساسية في البلد تبحث عن حلول لها خارج المجلس النيابي. كما هي نابعة من انتهاء المشاريع السياسية الوطنية التي تحتاج إلى ما يشبه الاستفتاء الشعبي، سواء كانت مشاريع طائفية أو تغييرية.
اللامبالاة «التغييريّة»
لا شكّ أن تجربة «النواب التغييريّين» ساهمت في إرساء حالة اللامبالاة هذه.
في السنوات الماضية، استطاع العديد من نوّاب التغيير اقتراح قوانين إصلاحية وتوجيه أسئلة للحكومة. كما ناقش بعض نوّاب التغيير قضايا تعلّقت معظمها بالتجاوزات البيئية وهدر المال العام واستقلالية القضاء وحقوق المودعين. لكنّ هذه المبادرات الإصلاحية بقيت متفرّقة، مبعثرة، فرديّة، لا تساندها كتلة سياسيّة بخطاب جامع. أخفقت الكتلة التغييرية بخلق حالة سياسيّة كتلك التي أوصلتها إلى البرلمان، أي 17 تشرين. فمنذ انتخابهم، لم يتمكّن نواب التغيير من بناء مشروع سياسي معارض يمكن توظيفه باستحقاقاتٍ ديمقراطية أساسية لاحقاً. كان الاختبار الأبرز الانتخابات البلديّة التي لم ينجح خلالها نوّاب التغيير حصد مقاعد تغييرية. وإذا نظرنا إلى العهد الجديد الذي تماهى مع مشروع التغيير، لم يستطع أيضاً تحقيق أي إصلاح سياسي يبتعد عن إعادة ترميم السلطة التالفة، بل أقرّ فتاتاً إصلاحيّة، لتمرير تعييناتٍ تعاكس مفعول الإصلاح، ووصلت إلى حدّ مكافأة دولة القانون المزعومة لإحدى المدّعى عليهنّ بملف المرفأ، غراسيا القزّي.
لم يشكّل الأداء المخيّب للآمال السياسية للكتل التغييرية مصدر خيبة من بعض الأفراد «التغييريين»، بل امتدّ لكي يشكّك بإمكانية «البديل السياسي»، وبالتالي ليغذّي حالة اللامبالاة العامة.
اللامبالاة والدولة المنهارة
اللامبالاة، بهذا المعنى، هي ردّة فعل واقعية أمام وضع البلاد.
هي اعتراف بأن مسرحيات العمل الديموقراطي هي مجرّد مسرحيات، لا تؤثّر على مجرى الأمور في البلاد المحكومة باعتبارات أخرى، خارجة عن مؤسسات الدولة. كما هي اعتراف بانتهاء صلاحية نموذج من الاعتراض كان رائجًا في السنوات الأخيرة، ويتطلب مشاركة بالانتخابات كمنفذ وحيد للتعبير عن رفض النظام القائم. وأخيرًا، هي الشعور الملازم لحالة الانهيار العام، والذي فرض على الناس لسنوات تدبير أمورهم خارج المؤسسات الرسمية.
قد يعترض البعض على هذا الشعور، لكنّه واقعي.
خطورة اللامبالاة أنّها أيضًا «أداة حكم»، تسمح لمن في السلطة أن يدير أمور البلاد من دون أي مساءلة أو مشاركة. من خلال تكريس فكرة أن إدارة البلاد باتت خارج المؤسسات، في كواليس الاجتماعات الجانبية البعيدة عن أي مساءلة شعبية أو في إملاءات الخارج البعيدة عن أي سيادة وطنية، يتمّ تفريغ المؤسسات من أي بعد ديموقراطي، مهما كان غير مثاليّ، لتطبّع فكرة أنّنا مجرّد رعايا، تُدار مسائلنا المشتركة من قبل نخب، لا إمكانية للتأثير على قرارتها إلّا من باب المعرفة أو المونة.
اللامبالاة هي الشعور الملازم للدولة المنهارة. وإن كان هذا الشعور مفهومًا كإحساس عام، فإنّ خطورته تكمن في كونه أيضًا أداة حكم، تسمح للنخب بالتفرّد بإدارة شؤون البلد، من دون أي اعتبار لمبدأ المساءلة أو المشاركة، حتى ولو كان لفظياً.
التمسّك بانتخابات مخيّبة للآمال
التمسّك بموعد الانتخابات وبضرورة حصولها دوريًا، حسب جدول خارج عن الاعتبارات الراهنة، هو مطلب سياسي أساسي، وإن كانت نتائج الانتخابات مخيبة سلفاً لأي أمل إصلاحي. فضرورة حصول الانتخابات في موعدها هي الدفاع عن:
- المؤسسات الدستورية ومنطقها الداخلي، الخارج عن اعتبارات اللحظة.
- أوليّة القانون والدستور على مطلب الوفاق بين الأطراف السياسية.
- حق المساءلة والمشاركة، مع كامل الشوائب التي تحيط بهما في لبنان.
- فكرة أن على «المسؤولين» القيام بامتحان دوري، حتى لا يعتادوا على ممارسة الحكم خارج أي اعتبار شعبي.
الدفاع عن الانتخابات ليس نابعًا من «نتائجها» المحتملة. فلن يتطلب الأمر الكثير من الدراسات والإحصاءات لمعرفة أن النتيجة ستكون، إن جرت الانتخابات، مخيبة للأمل. التمسّك بموعد الانتخابات هو الدفاع عن احتمال السياسة في لبنان، أمام نخب سياسية تنظر إلى فكرة المشاركة كإزعاج لعملية إدارة البلاد.
حرماننا من الانتخابات ليس فقط حرماننا من حق التصويت والترشح، بل أيضًا من حق المقاطعة. هو إهانة جديدة للناس، تحرمهم من حقهم البديهي بالرفض.