تعليق عنصرية
سامر فرنجية

«قضية تيليسون أوريليان»

عندما تتداخل العنصرية مع التقنية

30 أيلول 2026

القضية

البداية مع الاحتفاء العام بكتاب تيليسون أوريليان الأخير C'était ça ou mourir، والذي اعتُبر اكتشاف الموسم. في 2 أيلول، اختير الكتاب للقائمة الأولى لجائزة غونكور، وفي 21 أيلول، فاز أوريليان بجائزة Prix du Roman Fnac. كان الموضوع انتهى هنا، وتمّ تكريس أوريليان قلماً من أقلام الفرانكوفونية الصاعدة، لولا انتشار خبر استعماله الذكاء الاصطناعي في كتابة روايته. ففي اليوم الذي فاز به بالجائزة، نشر موقع مجهول الاتّهامَ، عُرف لاحقًا صاحبه، وهو صامويل فيتوسي، صحافي في مجلة لو فيغارو، مقرّب من اليمين المتطرّف. تحوّل الكتاب من موضوع أدبي إلى فضيحة وقضية رأي عام، قبل أن تنتشر اتهامات أخرى  بالسرقة الأدبية في 23 أيلول. بعدها بيومين، سحبت أكاديمية غونكور الكتاب من القائمة الأولى، وكأنّها تؤكّد الاتّهامات. بأقلّ من شهر، تحوّل كتاب تيليسون أوريليان من اكتشاف الموسم إلى «قضية تيليسون أوريليان»، قضية مزجت بين الخوف من الذكاء الاصطناعي وصعود عنصرية بلا حرج وصراع على الهوية الفرنسية.


عندما تتقاطع التقنية مع العنصرية

تقع «قضية تيليسون أوريليان» على تقاطع مسألتين.

  • المسألة الأولى هي التخوّف المتزايد من الذكاء الاصطناعي وقدرته على استعمار كامل جوانب حياتنا، كما تبيّن من التحذيرات المتصاعدة في الأسابيع السابقة عن خطر انفلات هذه التقنية من أي ضوابط، وصولًا، كما تطرح هذه القضية، إلى قدرتها على «كتابة» رواية قادرة على «الفوز» بجوائز أدبية.
  • المسألة الثانية هي مسار انفلات العنصرية من أي ضوابط في المؤسسات الغربية، والتي باتت، مع صعود اليمين المتطرّف، تصطاد أي تقدّم أو إنجاز من قبل فئات مهمشة، غالبًا من خلال التلطّي وراء اتّهام مهني وأخلاقي.

«قضية تيليسون أوريليان» نتيجة خوف مزدوج: خوف من تقنية باتت بلا ضوابط وخوف من صعود فئات مهمّشة، بات صعودها أيضاً بلا ضوابط في نظر الرجعية الغربية. وفي هذا العالم المتخوّف من فقدان الضوابط، وجدت أكثرية المقترعين الغربيين الجواب: الفاشية كالبحث عن هذه الضوابط المفقودة.

تسليح التقنية

ربّما استعمل تيليسون أوريليان تقنية الذكاء الاصطناعي، أو لم يستعملها كما يدّعي. وإن كان قد استعملها، فمن غير الواضح كيف استعملها ومدى تداخلها بالعمل البحثي أو الإبداعي أو التحريري. فالذكاء الاصطناعي تقنية، ومن غير الواضح بعد كيفية تأثيرها على العمل الأدبي، إلّا عند الساذجين الذي يعتبرون أنّ الكتابة عمل إبداعي نابع فقط من مخيّلة كاتب معزول، ليس بين مخيلته والنص إلّا قلمًا شفافًا. كان من المفترض لهكذا قضية أن تطرح هذه الأسئلة لفتح نقاش حول الكتابة والإبداع ومسألة التأليف في ظل الذكاء الاصطناعي، خاصةً إن كانت الاتهامات صحيحة، ما يعني أنّ نقّاد غونكور باتوا غير قادرين على التفرقة بين «كتابة إنسان» و«كتابة ماكينة».

ربّما كان ليُفتح هكذا نقاش لو كان المتّهم أبيض. لكن بدل هذا النقاش، انفجر استهجان، مدفوع من وسائل إعلام مقرّبة من اليمين المتطرف، استنتج أنّ مَن يحاول ادّعاء تمثيل الفرانكوفونية هو منتحل شخصية. الإبداع ما زال أبيض لهؤلاء، أو عليه البقاء هكذا. لكن في هذا الاستهجان مفارقة، وهي ازدواجية المعايير وردّات الفعل حول الذكاء الاصطناعي. فانفجر الهلع الثقافي حول دور الذكاء الاصطناعي في مساعدة كاتب على كتابة روايته، لكن في ظل تقاعس الحكومات الغربية على ضبط هذه التقنية. وهذا يمتدّ إلى الشركات الخاصّة والجامعات. ففي الأسبوع ذاته الذي تخوّف فيها أرباب الثقافة الغربية على مصيرها، كانت جامعة أوكسفورد تفتح مكتبتها لتدريب نموذج الذكاء الاصطناعي، وهذا بعد أن تبيّن أن هذه الشركات لا تبالي بتدمير الكتب القديمة التي تستعملها لتغذية برامجها. خوف إذن على الإبداع، لكن استمرار عام في تغذية هذه الماكينات بكامل الإنتاج الثقافي الغربي، حتى وصل الأمر إلى أنّ أكثر من 20 بالمئة من الفيديوهات على شبكات التواصل الاجتماعي باتت منتجة من الذكاء الاصطناعي كما نسبة الأغاني التي يتمّ تحميلها على منصات الموسيقية. والمفارقة أيضًا، أنّ فاضح هذه القضية، صامويل فيتوسي، مستثمر في شركات الذكاء الاصطناعي.

متى نحتفي بجامعات تستثمر بتقنيات الذكاء الاصطناعي وتفتح مكاتبها أمام أنظمته، ومتى نخاف من دور الذكاء الاصطناعي في مساعدة كاتب على كتابة روايته؟ قد يكون هناك جوابًا مركبًا لهكذا سؤال، لكنّ لليمين المتطرف، الصاعد في معظم الدول الغربية، هناك جواب أسهل: العنصرية. 

عنصرية بلا حرج

أمام هذه المفارقات، لا بد من التوقّف عند هوية «المتّهم»، اللاجئ من أصول هايتية، والسياق العام لصعود عنصرية بلا حرج في الغرب. فتأتي هذه القضية بعد صعود موجات ردّات فعل رجعية على الحركة النسوية واللا-عنصرية، وبعد الحملات المتصاعدة على سياسات التنوّع والإنصاف والشمول (DEI)، وبعد تحرير العنصرية من ضوابطها الليبرالية الماضية وبعد قضية جايسون أرداي المشابهة. ما نشهده مع تقاطع هذه الحملات هو استياء رجعي لدى فئات واسعة من المجتمعات الغربية حيال ما تعتبره تشكيكًا متزايدًا لامتيازاتها تحت شعارات محاربة الذكورية أو العنصرية. وكأنّ تلك الفئات تقول: عالمنا الثقافي يتهاوى تحت اتّهامات التحرّش والاغتصاب، فسنواجه العالم الصاعد باتهامات السرقة الأدبية واستغلال الذكاء الاصطناعي.

يحاول البعض، تفاديًا لمواجهة القضية، نقل الحديث حول مسألة الذكاء الاصطناعي وخطورته. وهذا نقاش مهم، لكنّه نقاش يضلّل إن لم يبدأ من طبيعة هذه القضية، أي العنصرية. قد يكون تيليسون أوريليان قد استعمل الذكاء الاصطناعي، أو لم يستعمله، لكن لو كان أبيض، لما كان ليكون من «قضية»، بل نقاش عام. «القضايا» هي لمن يحاول كسر الامتياز. 

الذكاء الاصطناعي بات بيننا، وعلينا التفكير بطرق للتأقلم معه. وهذا نقاش سيبقى معنا لسنوات، إن لم يكن لعقود من الزمن. لكنّ اليوم، ومع الاحتمال شبه المؤكّد لوصول اليمين المتطرّف إلى سدّة الرئاسة في فرنسا، العنصرية هي المشكلة الداهمة، هذا قبل أن تصبح مشروع حكم الغد. 

آخر الأخبار

مواد إضافيّة
تعليق

«قضية تيليسون أوريليان»

– سامر فرنجية
حدث اليوم - الثلاثاء 29 أيلول 2026
29-09-2026
أخبار
حدث اليوم - الثلاثاء 29 أيلول 2026
مختارات من الصحافة الإسرائيلية 29/9/2026
البابا ليو يستمع إلى ضحايا العنف الجنسي
29-09-2026
أخبار
البابا ليو يستمع إلى ضحايا العنف الجنسي
بعد 14 عاماً، قلعة دير سمعان في حلب تفتح أبوابها
29-09-2026
تقرير
بعد 14 عاماً، قلعة دير سمعان في حلب تفتح أبوابها
النيابة العامة الفرنسية تطلب السجن لكارلوس غصن ورشيدة داتي
29-09-2026
أخبار
النيابة العامة الفرنسية تطلب السجن لكارلوس غصن ورشيدة داتي