قضية الأسبوع سوريا
ميغافون ㅤ

محاكمات رموز الأسد: محاسبة بلا عدالة انتقالية 

2 أيار 2026

لحظة تأسيسية

شهدت سوريا مطلع الأسبوع أولى محاكمات رموز نظام الأسد. كانت البداية مع عاطف نجيب، ابن خالة الرئيس المخلوع بشّار الأسد، والذي كان مسؤولاً عن تعذيب الأطفال الذين اتُّهموا بكتابة غرافيتي «إجاك الدور يا دكتور». كما كان أوّل من نفّذ أوامر قتل المدنيّين في تظاهرات درعا، حيث بدأت الثورة السوريّة. 

هناك رمزيّة مزدوجة باختياره لافتتاح المحاكمات، كونه قريب الأسد وكونه من الأسباب المباشرة لبداية عقدٍ من الدم.

تجمّع في قاعة المحكمة أهالي الضحايا، بعضهم جاء من درعا ليحضرا الجلسة الأولى لمحاكمة نجيب، والتي ستُستكمل في 10 أيار الجاري. ادّعى على عاطف نجيب أكثر من 40 مدنيّاً، ستتحوّل قصصهم مع النظام إلى شهادات تُدينه، وهذا للمرّة الأولى في سوريا. لم يتورّط عاطف نجيب بدمهم فحسب، بل جسّد كذلك أحد أعنف أسلحة النظام السوري، وهو الذلّ والإهانة. فهو الذي قال لأهالي الأطفال المعتقلين انسوهم وجيبوا غيرهم وإذا ما قدرتوا بعتلونا نسوانكم.

جلسوا وجهاً لوجه مع الجلاد، مكبّل الأيدي وبصفة المجرم، لعلّهم ينتزعون بعضاً من حقّهم.

في قاعة المحكمة أيضاً، ينادي القاضي على ثمانية متّهمين آخرين، أوّلهم بشار الأسد. هذه لحظةٌ مؤسّسة لتاريخ سوريا الجديد، أن يُنادى للأسد كمتّهم من قلب دمشق. كان القاضي نفسه، فخر الدين العريان، قد انشقّ عن نظام الأسد في 2013، وحُكم عليه بالإعدام وسرقة ممتلكاته، وعاد اليوم لينده على الأسد وشقيقه ماهر ووزير دفاعه السابق وخمسة من أبرز ضبّاط أفرعته الأمنيّة في درعا. تخطو هذه المحاكمة إذاً الخطوة الأولى في استعادة ضحايا النظام مكانةً في المجتمع والسلطة، كما تُطلق مسار محاسبة رجال الأسد، بعد أكثر من سنةٍ على سقوطه.

استعراض للعدالة في وجه العدالة

رغم أهمّية المحاكمات ودورها التأسيسي لمستقبل سوريا، بدت السلطات الجديدة أكثر انشغالاً بمشهدية العدالة من العدالة نفسها.

يظهر ذلك من خلال المقاطع التشويقية التي نشرتها، والموسيقى التأثيرية التي أرفقتها باعترافات المتورّطين بالمجازر. فيواجِه مثلاً وزير الداخلية أنس خطاب منفّذ مجزرة التضامن أمجد يوسف، بعد إلقاء القبض عليه، ويسأله ما عندك أطفال؟ ما عندك قلب؟ يتعمّد هذا الأسلوب لتحريك مشاعر المتلقّي، محوّلاً المحكمة إلى مادّة لشبكات التواصل الاجتماعي والاستهلاك السريع: الاعتراف إذ يُصبح رييل على الانستغرام.

لكن عندما تتحوّل العدالة إلى مادّة إعلانية، تفقد شيئاً من دورها. فرغم الشفافية المُفبركة، لم يتمّ مشاركة الناس بإجراءات التحقيق أو بالمعلومات التي قد تؤدّي إليها التحقيقات، خاصّة أنّ هناك فرصة حقيقيّة لمحاولة كشف مصير آلاف المغيّبين والمفقودين من خلال تحديد مواقع المقابر الجماعية، واستجواب المتورّطين عن هويّات ضحاياهم، وتوصيف الجرائم، وتسمية التسلسل الهرمي المسؤول عن المجازر.

كما أنّ الشفافية المزعومة تُخفي أمراً آخر، وهي «التسويات» التي استعملتها السلطات الجديدة أداةً لترسيخ حكمها. سيكشف تحقيقٌ فعلي مع أمجد يوسف تورّط ميليشيا الدفاع الوطني، أي فادي صقر، بمجزرة التضامن. إلّا أنَّ السلطة منحته الأمان من دون أي مساءلة، بذريعة تعزيز السلم الأهلي. مسار التسويات عفا أيضاً – بحجّة تمكين النهضة الاقتصادية – عن رجال أعمال الأسد وواجهته المالية الذين لولاهم لم يكن ليصمد النظام، عدا عن تورّطهم المباشر بالمجازر. قد تنسف التسويات مصداقيّة المحاكمات، أو على الأقل، قد تحدّد معايير مزدوجة للمحاسبة، ما يجعلها رهن المصلحة العليا التي تقرّرها الدولة، وليس الضحايا.

محاكم تنتظر قانونها

هذه المخاوف تنبع من مشكلة بنيوية، تتحمّل مسؤوليتها السلطات الجديدة، وهي غياب قانون للعدالة الانتقالية.

تستند المحاكمات الحالية إلى القانون السوري القديم. المشكلة أنّ هذا القانون ليس شاملاً بالقدر الذي تحتاجه محاكمات العدالة الانتقالية. طالب حقوقيّون بإصدار قانونٍ خاص للعدالة الانتقالية، يفصّل جرائم الحرب والجرائم ضدّ الإنسانية، ويحدّد عقوبات تراعي درجات الإجرام وجبر الضرر للأهالي. كان ليسمح قانون العدالة الانتقالية بإنشاء محاكم خاصّة بالحرب السوريّة، تحاول استيعاب أحداث 14 عاماً من الإجرام الذي تورّطت به كافّة الجهات.

إذا نظرنا إلى نموذج العدالة الانتقالية الذي اتّبعته رواندا بعد إبادة 1994، على سبيل المثال، نرى أنّ المحاسبة هناك جاءت على شكل العقاب والمحاسبة. يتّصل ذلك بالسياق السوري، خاصّةً مع السجال الذي يدور حول عقوبة الإعدام. في رواندا، تقاسمت المحاكم ثقل عمليّة المحاسبة، إذ تولّت المحكمة الجنائية الدولية والمحاكم الوطنية محاسبة المسؤولين الكبار عن تخطيط وتنفيذ الإبادة وجرائم التعذيب. بالمقابل، تأسّست محاكم «غاشاشا»، وهي محاكم محلية صغيرة ضمّت وجهاء المناطق وتولّت عمليّات المصالحة والحوار والمواجهة. 

قد يكون هذا النموذج مفيداً في سوريا، إذ تورَّطت بالحرب نسبة واسعة من الأفراد والمجموعات، بدرجاتٍ متفاوتة من الأذى، بين كتابة التقارير وتنفيذ الأوامر وإصدارها والتخطيط للمجازر. وهذا ما ظهر بالمحاكمات التي جمعت بين الثأر الفردي والعدالة الجماعية. يقول أحد الضحايا إنَّ نجيب دمّرني ودمّر عائلتي، ويحمّله مسؤولية قتل عائلة أخيه بشكلٍ مباشر. من جهةٍ أخرى، هتف الأهالي في قاعة المحكمة عند اقتياد نجيب إلى قفص الاحتجاز، درعا البلد يا جبل عالي، متعمّدين استحضار مدينتهم التي تحرّرت من بطشه. وهنا تأتي أهميّة المحاكمة بمساعدة مجتمعاتٍ كاملة على محاولة التعافي والمحاسبة.

محاكمة النظام السابق وجرائمه، بتعقيداتها وأبعادها المختلفة تحتاج إلى قانون عدالة انتقالية، يحيط بمسار المحاكمات. برّرت السلطة غياب قانونٍ للعدالة الانتقالية، الذي كان يمكنه تحديد سلّم واضح للعقوبات، بتأخُّر تشكيل مجلس الشعب المخوّل بالتصديق على القوانين. كما تحجّجت بالغضب والضغط الشعبي الذي يدفع تجاه المحاسبة. لكنّ تفادي صياغة قانون للعدالة الانتقالية قد يوجّه العدالة ويحمي مجموعات ارتكبت جرائم حرب وارتبطت بالسلطة كفصائل جبهة النصرة وجيش الإسلام، أو التنظيمات الأكثر تطرّفاً كداعش، أو القوّات المدعومة دولياً كقوّات سوريا الديمقراطية، أو حتّى الفرق العسكريّة التي تورّطت بمجازر الساحل والسويداء. وهذا ما تحاول السلطة تحقيقه من خلال السطوة على العدالة.

يُبقي غياب قانونٍ للعدالة الانتقالية المحاكمات ضمن إطار محاكمة الأسد، وليس ضمن إطار مصالحة ومساءلة شاملة تحاسب كلّ أطراف الانتهاك وتكشف تورّط مختلف الفصائل بقتل السوريين. تبقى العدالة التي قد ينتزعها الضحايا إذاً ناقصة، تحاول استرضاء بعضهم وتتجاهل غيرهم، بمحاكماتٍ تردّ جزءاً من الحقّ.

آخر الأخبار

مواد إضافيّة
فيديو الانتقام من بنت جبيل
قضية الأسبوع

محاكمات رموز الأسد: محاسبة بلا عدالة انتقالية 

ميغافون ㅤ
بلديّات ومخاتير الجنوب: «دون أرضنا لا سيادة»
30-04-2026
تقرير
بلديّات ومخاتير الجنوب: «دون أرضنا لا سيادة»
حدث اليوم - الخميس 30 نيسان 2026
30-04-2026
أخبار
حدث اليوم - الخميس 30 نيسان 2026
مختارات من الصحافة الإسرائيلية 30/4/2026
منتجع سياحي فوق مقابر الطنطورة الجماعية
30-04-2026
تقرير
منتجع سياحي فوق مقابر الطنطورة الجماعية