تعليق سوريا
محمد علي الأتاسي

خريطة طريق لإنقاذ سوريا

من المرحلة الانتقاليّة إلى المرحلة التأسيسيّة

24 نيسان 2026

من الإعلان الدستوري المؤقت إلى الدستور

تعيش سوريا اليوم في ظل الولاية القانونية للإعلان الدستوري المؤقت الذي صدر بتوقيع الرئيس أحمد الشرع في 13 آذار 2025. وهذا الإعلان هو عبارة عن وثيقة دستورية مؤقتة أعدّتها لجنة قانونية مصغّرة عدد أعضائها سبعة، عيّنهم الرئيس الشرع بنفسه. تهدف هذه الوثيقة إلى تنظيم شؤون الدولة، ومن المفترض أنها تشكل المرجعية الدستورية التي تحكم الفترة الانتقالية التي تمر بها البلاد، والممتدة لمدة خمس سنوات.  

كان واضحًا منذ البداية أنّ من بين الثغرات الكبرى التي انطوى عليها نص الإعلان الدستوري المؤقت، أنه لم يلحظ في أيّ من مواده أية آلية واضحة او مهل محددة لصياغة دستور جديد للبلاد، ولم يوضح الى أي مشروعية شعبية أو انتخابية سيستند هذا الدستور الجديد. كما لم يحدّد النص مَن هي الهيئة أو الجهة المخوّلة كتابة هذا الدستور الدائم الذي من المفترض أن يتحدّد من خلاله شكل نظام الحكم والعلاقة بين السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية وحدود ومهامّ وصلاحيات كل واحدة منها.

عند قراءة نص الإعلان الدستوري المؤقت، نكتشف أنه لم يأتِ على ذكر «الدستور الدائم» المنشود سوى في مادّتين فقط من موادّه، وبشكل غامض وخجول. ففي المادة 26 ينص الإعلان على البندين التاليين: 

    1. يتولى مجلس الشعب السلطة التشريعية حتى اعتماد دستور دائم، وإجراء انتخابات تشريعية جديدة وفقا له.
    2. مدة ولاية مجلس الشعب ثلاثون شهراً قابلة للتجديد.

أما المادة 52، فتنصّ على أن نهاية المرحلة الانتقالية تكون بعد إقرار دستور دائم للبلاد وفقا للآتي: 

تحدّد مدة المرحلة الانتقالية بخمس سنوات ميلادية تبدأ من تاريخ نفاذ هذا الإعلان الدستوري. وتنتهي بعد إقرار دستور دائم للبلاد وتنظيم انتخابات وفقا له.

وبالتالي، يمكننا ببساطة أن نلحظ غياب أي إشارة إلى الآلية التي سيتمّ من خلالها كتابة هذا الدستور الجديد ومَن هي اللجنة الدستورية المخوّلة كتابته، والتي ستُلقى على كاهلها مهمّة كهذه، ومَن سيعيّنها، وما هي التوافقات الوطنية التي ستستلهمها في عملها، وإلى أي مشروعية شعبية أو انتخابية ستستند لتصوغ نص الدستور الدائم للبلاد الذي من المفترض أن يمثل إرادة الأمّة ويقرَّر من خلاله شكل نظام الحكم في البلاد.

الشرع والدستور الدائم

تمّت الإشارة إلى هذا الغموض والخلل في نصّ وبنية الإعلان الدستوري المؤقت مراراً وتكراراً في أسئلة الصحافيين الأجانب للرئيس أحمد الشرع، في المقابلات القليلة التي أجراها منذ وصوله إلى السلطة. وللأمانة لم تساعد أجوبة الرئيس الشرع في توضيح المسار وإزالة العديد من النقاط الملتبسة، بل على العكس زادتها غموضاً.

الطريف أن المرة الوحيدة التي تطرّق فيها الرئيس الشرع بالتفصيل لصياغة دستور جديد للبلاد كانت بعد أيام قليلة من وصوله إلى السلطة، وسبقت بأشهر صدور الإعلان الدستوري المؤقت. ففي أول مقابلة تلفزيونية أعطاها لوسيلة إعلام عربية في 29 كانون الأول 2024، أجاب الرئيس الشرع عن سؤال قناة «العربية» حول المهامّ التي تنتظر القيادة الجديدة قائلاً: 

نحتاج إلى إعادة صياغة دستور. وصياغة دستور جديد وكتابته تحتاج وقتاً طويلاً وخبراء قانونيين وتستغرق سنتين أو ثلاثاً. وهناك الكثير من التفاصيل التي تحتاج أن تناقش داخل هذا الدستور لأننا في إعادة تأسيس الدولة. فصياغة الدستور يجب أن لا يكون وجبات سريعة ويجب أن يصاغ بعناية شديدة جدا وعليه رقابة وأن يستشار به خبراء قانونيين وشرعيين دوليين بحيث يكون دستوراً يصلح إلى أن يستمر لأطول مدة ممكنة. فالفرصة التي أتيحت لنا اليوم، لا تتاح كل خمس او عشر سنوات، وهذا مفرق تاريخي ونحنا نتكلم اليوم بعد تقريبا ستين عاما واذا كل ستين عاما تأتي فرصة مثل هذه فيجب ان يؤسس لشيء فيه من القوانين ودستور يكون ناظم لحياة المجتمع بحيث لا تتكرر نفس التجربة السابقة وتذهب سورية الى ما ذهبت اليه خلال الستين عاما الماضية.  

هذا التأنّي في مسار صياغة دستور جديد، والذي عبّر عنه الرئيس الشرع غداة وصوله إلى السلطة، سرعان ما سيتلاشى بعد انعقاد مؤتمر الحوار الوطني ليوم واحد وإقرار الإعلان الدستور المؤقت الذي يمنح الرئيس صلاحيات واسعة. وبات واضحًا من تصريحات الرئيس الشرع التي تواترت في الآونة الأخيرة أنّ مسألة كتابة دستور جديد للبلاد ستتمّ بعيدًا عن المشروعية الشعبية وبعيداً عن مجلس تأسيسي منتخب ديموقراطياً، وستحصل عملياً في ظل هذا المجلس المسمى مجلس الشعب، والذي تمّ تعيينه بشكل مباشر أو غير مباشر من قبل الرئيس نفسه ليمثّل السلطة التشريعية في البلاد خلال الفترة الانتقالية.

ففي المقابلة التي أجرتها الصحافية كريستيان أمانبور مع الرئيس الشرع في منتدى الدوحة في 6 كانون الأول 2025، ولدى سؤالها هل من الممكن أن يعطيها فكرة شاملة عن متى ستحدث انتخابات فعلية مثلًا لرئيس أو لرئيس مجلس وزراء؟ 

أجاب الشرع:

بعد تحرير دمشق، قمنا بإجراء مؤتمر وطني شامل شارك فيه الكثير من الناس وانبثق عنه إعلان دستوري مؤقت ريثما يكتب الدستور، وهذا الإعلان أعطى صلاحية للرئيس الحالي أنّ يستمر لمدة خمس سنوات، ثم بعد ذلك ستبدأ الانتخابات. خلال هذه الخمس السنوات ستنص على الكثير من القوانين والإجراءات الداخلية وأيضا سيكتب الدستور خلال الخمس سنوات وسيعرض على الشعب بشكل عام. والدستور هو الذي سيكون هو الجزء الحاكم في البلد او المرجعية الأساسية لآلية ونظام الحكم في البلد. فبعد خمس سنوات بالتأكيد سنذهب الى حالة من الانتخابات. 

والواضح هنا أن الرئيس الشرع يفترض ضمنيا أن الدستور سيُكتَب من مجلس الشعب المعيَّن من قبله، قبل الذهاب الى انتخابات حرة، وأنه يفترض أن هذا الدستور سيُعرض على الشعب بشكل عام من دون أن يوضح آلية عرضه على الشعب وهل ستتم بطريقة الاستفتاء أو من خلال التصويت في مجلس الشعب نفسه المعين من قبله وغير المنتخب!

بعدها بعدة أسابيع، وخلال زيارته إلى لندن، أجرى الرئيس الشرع لقاءً في معهد تشاتم هاوس بتاريخ 1 نيسان 2026. ولدى سؤاله عن متى سيصبح بإمكان الناس إنشاء أحزاب سياسية، أجاب الشرع: 

بما أن الدستور القديم قد أبطل العمل فيه بعد الإعلان الدستوري، فسيجري النظر في القوانين بعد إنشاء مجلس الشعب، سينبثق عنه لجان واللجان ستعيد صياغة الدستور وضمن الدستور سيلحظ قوانين للأحزاب وبعد لحظ قوانين الأحزاب نكون قد بنينا البنية التحتية لإجراء انتخابات فستشارك الأحزاب في الحكومة والسلطة. 

وإذا كان الرئيس الشرع قد أوضح هنا للمرة الأولى رؤيته بأن هناك لجاناً ستنبثق عن مجلس الشعب المعين وسيناط بها صياغة دستور جديد للبلاد، بعيداً كما هو واضح عن المشاركة الشعبية والمشروعية الانتخابية أو حتى الاستشارات المجتمعية، فإنه عاد قبل عدة أيام في منتدى أنطاليا الدبلوماسي بتركيا بتاريخ 17 نيسان 2026، ليؤكّد مرة أخرى في حوار أجري معه أنّه 

سيكون من ضمن جدول أعمال البرلمان السوري أن يكون هناك صياغة لدستور وداخل الدستور ستُسنّ الكثير من التشريعات وسيجري التصويت عليها أيضاً، ومن ضمنها سيدخل في تفاصيل مرحلة ما بعد الخمس سنوات الانتقالية.

من الواضح من كل ما سبق أنّ الرئيس السوري أحمد الشرع يريد لمجلس الشعب المعيَّن بشكل مباشر أو غير مباشر من قبله، أن يصوغ دستوراً دائماً للبلاد من خلال لجان تشكل داخله يناط بها كتابة الدستور الجديد، من دون ان يكون واضحاً ما إذا كان إقراره في النهاية سيتمّ عن طريق استفتاء شعبي أو من خلال التصويت عليه داخل مجلس الشعب نفسه. وفي كلتا الحالتين، فإنّ دستوراً كهذا سيكون فاقداً للمشروعية الشعبية وغير معبِّر عن الإرادة الحرّة للشعب السوري الذي من المفترض أنه هو، ولا أحد سواه، مصدر كل السلطات.  

خريطة طريق لإنقاذ سوريا

سبق لكاتب هذه السطور، وللكثيرين غيره من السوريات والسوريين، أن أشاروا ونبهوا منذ اليوم الأول لسقوط النظام الأسدي، إلى ضرورة استعادة دستور 1950 خلال الفترة الانتقالية. كما أكدّوا على أهمية أن تتوج المرحلة الانتقالية، مهما طالت مدّتها، بكتابة دستور دائم للبلاد يحدّد شكل نظام الحكم ويحفظ الحريات الأساسية ويفصل السلطات، وأن هذا الدستور يجب أن يقوم على توافقات مجتمعية وسياسية وأن ينبثق من مجلس تأسيسي منتخب ديموقراطياً يمثّل الإرادة الشعبية الحرة لعموم الشعب السوري. ونحن هنا لا نأتي بجديد، وسبق في عدة مراحل انتقالية من تاريخ سوريا الحديث أن تمت العودة الى الشعب والى صندوق الاقتراع لانتخاب مجلس تأسيسي يعبّر عن إرادة الشعب الحرة وينبثق عنه دستور جديد للبلاد كما حدث في انتخابات العام 1928 وفي انتخابات العام 1950.   

من يقرأ تصريحات الرئيس الشرع الأخيرة يدرك خطورة الكارثة المحدقة بمستقبل هذا البلد.  ليس فقط لأن هذا الدستور سيولد بعيداً عن المشروعية الشعبية، ولكن لأنه سيفصّل على مقاس السلطة التنفيذية التي تمسك بكل مفاصل الحياة السياسية والاقتصادية والتشريعية، في ظل غياب مفجع للقوى السياسية والمجتمعية القادرة على لجم جنوح سلطويّ كهذا.

مع ذلك، ومن أجل ذلك، لا يزال من الممكن بلورة أهداف واضحة ومحددة يمكن الوصول إليها حتى نهاية المرحلة الانتقالية، تجنِّب البلاد الدخول في نفق مجهول يؤدي إلى استعصاء سياسي وتهميش فئات واسعة من المجتمع وإعادة إنتاج سلطة الفرد الواحد.

سبق للرئيس الشرع وللكثير من مؤيّدي السلطة الانتقالية أن برّروا غياب إجراء انتخابات حرّة وشفافة بسبب ما سمّاه الرئيس الشرع في مقابلته الأولى مع تلفزيون «العربية» غياب البنية التحتية الانتخابات العامة والرئاسية. وأضاف الشرع في المقابلة ذاتها، مسهباً أنّ هذه البنية 

هي متعذرة جداً وبحاجة لبناء من جديد ونحن اليوم نتكلم عن هجرة أكثر من 15 مليون إنسان بين نازح ولاجئ، والكثير من هؤلاء الناس ليس لديهم قيود ثابتة، واليوم إذا سألت كم عدد سكان سوريا لا أحد يعرف، لذا عملية إحصاء السكان في سوريا ستحتاج إلى وقت وعملية التواصل القانونيين مع الجاليات السورية المتواجدة خارج البلاد من خلال السفارات لإعادة توثيق الولادات الجديدة والوفيات القديمة. أتكلم عن حالة واسعة جداً وتحتاج إلى دقة في الإحصاء الدقيق لكل الشعب السوري المتواجد سواء في الداخل أو في المهجر، وهذا الأمر يحتاج إلى وقت وممكن يدوم أربع سنين. نعم نحن نحتاج إلى وقت طويل والإحصاء ليس بالأمر السهل ودون هذا الأمر تكون العملية الانتخابية غير صادقة. وأي عملية انتخابية دون إحصاءات دقيقة عن أعداد الناخبين ومن سيشارك في الانتخابات فكيف سنعلم ان الشعب ادلى بصوته واختار بشكل صحيح؟  لذلك تحتاج أن تهيئ البنية التحتية قبل أن نذهب إلى حالة انتخابات. 

إذا افترضنا أنّ هذا الكلام فيه جانب من الصحة، فإنه من المفروض في نهاية الفترة الانتقالية أن يتم تجاوز كل هذه العقبات، خصوصاً انه تمّ توحيد معظم البلاد وتمّت عودة مؤسسات الدولة إلى كافة المحافظات إذا استثنينا محافظة السويداء.

وإذا كان نص الإعلان الدستوري في المادة 26 منه يشير إلى أن مدة ولاية مجلس الشعب المعين هي ثلاثون شهراً، فهذا يعني أنه يمكننا نظريًا في حال صدقت النوايا أن نقرّ خلال مدة الولاية الحالية لمجلس الشعب وقبل انتهاء الفترة الانتقالية، قانوناً للانتخابات وقانوناً للأحزاب يستوحيان ويبنيان على القوانين التي كانت سائدة في خمسينات القرن المنصرم. حينها، يمكن، وفي نهاية فترة الثلاثين شهراً، إجراء انتخابات برلمانية عامة ينبثق عنها مجلس تأسيسي منتخب من الشعب، تُعهَد إليه مهمة كتابة الدستور الجديد للبلاد ويحدَّد من خلاله شكل الحكم وآلية انتخاب رئيس الجمهورية ومبادئ فصل السلطات والحفاظ على الحريات العامة والفردية واحترام حقوق الأقليات.

لا شيء يمكن له على الإطلاق أن يبرّر، لا اليوم ولا غداً، ولادة دستور دائم لسوريا الجديدة من رحم مجلس شعب غير منتخب ولا يحوز على المشروعية الشعبية ولا يمثل إرادة الأمّة. وكل الحجج التي تمّ سوقها لتمرير قيام مجلس شعب كهذا، بحكم سلطة الأمر الواقع، يمكن العمل منذ اليوم على تفكيكها وتجاوزها خلال مدة الثلاثين شهراً للوصول إلى قانون أحزاب وقانون انتخابات عادل تجرى على أساسه انتخابات حرة ونزيهة. 

قد تبدو مطالب كهذه بعيدةَ المنال في ظلّ توازن القوى الحالي وسيطرة شخصيات وفصائل «هيئة تحرير الشام» على مفاصل السلطة الرئيسية. لكنّ طريق الألف ميل يبدأ بخطوات واضحة وبسيطة، وهذا يتطلب ولادة قوى سياسية ومجتمعية فاعلة تقطع مع الممارسات السياسية القديمة وتكون واضحة الأهداف الوطنية والمطالب الجامعة. 

آخر الأخبار

مواد إضافيّة
«توسّعت إسرائيل بـ1,025 كيلومتراً مربّعاً من الأراضي»
تعليق

خريطة طريق لإنقاذ سوريا

محمد علي الأتاسي
مقتل جندي في اليونيفيل متأثّراً بجراحه
شهيدان في غارة تولين فجراً والاحتلال يهدّد بإخلاء دير عامص
سانشيز: علينا دعم لبنان بوجه محاولة إسرائيل احتلاله
محاولة جديدة للانقلاب على قانون الإعلام