الحملة على فداء الحوراني
الدكتورة فداء الحوراني، ابنة مدينة حماة والشخصية الوطنية المعارضة، لا تملك جيوشًا ولا مقاتلين ولا أحزابًا ولا علاقات دولية ولا أموالًا ولا أطيانًا ولا دوائر نفوذ ولا شبكات مصالح. هي مجرّد شخصية سياسية وطنية وطبيبة وامرأة وأم وجدّة. لكن يبدو أنّها، بما فعلت وبما تمثّل وبما يمكن أن تقوم به، لا تزال تخيف بعض أجنحة السلطة الحالية، كما أخافت من قبل السلطة الأسدية البائدة.
فهذه السيّدة السبعينية والمعارضة المخضرمة وابنة السياسي السوري التاريخي أكرم الحوراني، وبعد أن أمضت 12 سنةً في المنفى في ضواحي باريس، كانت من أوائل العائدين في أعقاب سقوط النظام. لكنّها على عكس الكثيرين من المعارضين، دخلت بلدها بصمت، بعيدًا عن العراضات والأضواء الإعلامية. استأنفت، برويّة وهدوء، نشاطها السياسي من خلال مشاركتها في بعض الاجتماعات وتلبيتها لبعض الدعوات لإلقاء محاضرات في قاعات عامّة في بعض المدن المحيطة بحماة، مثل حمص ومصياف والسلمية. لكن هذه المداخلات الخجولة والحذرة في المجال العام لم ترق لبعض أجنحة السلطة. فبدأت بالتهويش والتضييق عليها من خلال حملات تجنّي إعلامية منظّمة في محاولة لإسكاتها ومصادرة صوتها وإبعادها عن الشأن العام. ووصل الأمر ببعض الجهلة والموتورين إلى اتّهامها زورًا وبهتانًا بأنّها من الفلول وأنّه لا يحق لها التكلّم باسم مدينة حماة كما أنّها تريد إعادة تدوير البعث ولا تستند إلّا لارث والدها السياسي وتتحمّل معه مسؤولية وصول الأقليّات إلى الحكم. وصلت الحملات إلى تحميلها ووالدها الأستاذ أكرم الحوراني بكل وقاحة وفجور المسؤولية المعنوية عن مجازر حماة الدموية التي ارتكبها نظام الأسد الأب بحق المدينة وأهلها ومن بينهم العديد من أبناء عائلة الحوراني نفسها.
لم تقتصر المضايقات على حملات التحريض الإعلامي بل تجاوزتها. فتمّ منع الدكتورة فداء من قبل جهات أمنية من إلقاء محاضرة كانت قد دُعيت إليها في المركز الثقافي التابع لوزارة الثقافة في مدينة السلمية نهاية شهر تمّوز المنصرم، الأمر الذي دفع بالمنظّمين إلى نقلها إلى منزل المرحوم المعارض عبد الكريم الضحاك في ذات المدينة. ووصل الأمر قبل عدة أيّام إلى إطلاق بعض المؤثّرين المقرّبين من السلطة، تهديدات مباشرة تتعلّق بأمنها وسلامتها الشخصية وصولًا إلى الدعوة إلى التظاهر والتجمّع في قلب مدينة حماة أمام جسر المراكب حيث كان من المفترض أن تشارك الدكتورة فداء إلى جانب شخصيات أخرى من المدينة في برنامج «صالون الجمهورية» الحواري المباشر من على قناة ومنصّة «سوريا الآن»، التابعة لشبكة الجزيرة القطرية في 28 آب الجاري، والذي خصّص حلقته في تلك الليلة لمناقشة أوضاع المدينة. دفع الأمر القائمين على البرنامج قبل ساعات من بثّه إلى الاعتذار عن عدم القدرة على تأمين مشاركة الدكتورة فداء، بعد أن دعا مدير أوقاف المدينة الشيخ معاذ ريحان إلى إلغاء مشاركتها، وتلكّأت قيادة شرطة المدنية في الاستجابة لطلب القائمين على البرنامج في تأمين الحماية لموقع التصوير، وهذا بعد أن رفض محافظ حماة السيد عبد الرحمن السهيان أن يتكلم هاتفيًا مع مقدّم البرنامج الإعلامي أحمد الفاخوري الذي حاول التواصل معه عن طريق مكتبه من أجل الحصول على تأكيدات رسمية بضمان سلامة المشاركين.
أما الأطراف القائمة على الحملة ضدّ الدكتورة فداء بمن فيهم بعض مشايخ المؤسّسة الدينية التقليدية وبعض الوجوه المحافظة في العائلات الإقطاعية الكبيرة في المدينة وبعض المنتمين إلى التيّارات الجهادية أو المقرّبين من أوساط الطليعة المقاتلة للإخوان المسلمين، فقد ألغوا اعتصامهم وأعلنوا انتصارهم في معركة منع مشاركة الدكتورة فداء الحوراني ومصادرة حقّها في الكلام والنقاش العام بخصوص واقع المدنية السياسي حاضرًا ومستقبلًا.
لماذا فداء الحوراني؟
لا شكّ أن مدينة حماة الجريحة والمنكوبة بمجزرة 1982 والممارسات الطائفية للسلطة الأسدية والتهميش المتعمّد لها خصوصيّة معيّنة تجاه بقيّة المدن السورية سواء لعمق الانقسامات السياسية والجهوية داخلها أو لعلاقة المدينة بالأرياف المحيطة بها أو لموقعها الجغرافي والسياسي المركزي في قلب الكيان السوري. كل هذا وغيره كثير، جعلها تدفع أفدح الأثمان خلال فترة حكم الأسدَين، وصولًا إلى مشاركتها بالمظاهرات السلمية المهيبة في بداية الثورة السورية، والتي شكّل كسرها ودخول الجيش لأحيائها في شهر آب من العام 2011 نقطة التحوّل الرئيسية في مسار الثورة باتجاه العسكرة والأسلمة والعنف المنفلت العقال من طرف النظام.
لكن يبقى السؤال لماذا تُمنع الدكتورة فداء الحوراني بالذات من الكلام والنقاش في الفضاء العام من حول مدينتها؟ وكيف تتحوّل سيدة معارضة، لها حضور وطني جامع وسبق لها أن دفعت أفدح الأثمان في مواجهتها لنظام الأسد الابن، من سجن وملاحقة وتخفّي ومنفى ومصادرة أملاك، إلى عدو مزعوم لأهل حماة يجب إسكاته وسلبه حقّه في الكلام العام؟
المتّتبع لمسار الدكتورة فداء الحوراني السياسي في العقدين المنصرمين يدرك مدى تلاصق هذا المسار مع نضالات الحركة الوطنية الديمقراطية السورية في مواجهة الاستبداد الأسدي، منذ ربيع دمشق في العام 2000 ومرورًا بصدور وثيقة إعلان دمشق في 16 تشرين الأول 2005 موقّعة من بعض الأحزاب السياسية ومن عدّة شخصيات وطنية على رأسها الدكتورة فداء، ومن ثمّ إطلاق وثيقة إعلان دمشق-بيروت في 12 أيّار 2006، ووصولًا إلى انعقاد المجلس الوطني لإعلان دمشق في 1 كانون الأوّل 2007، في جلسة عُقدت رغم أنف السلطات في العاصمة السورية بمشاركة معظم القوى السياسية السورية المعارضة والتي انتخبت على إثرها الدكتورة فداء رئيسة للمجلس الوطني للإعلان، في أوّل وآخر انتخابات يصح تسميتها بالحقيقية والحرّة تجري في عهد بشار الأسد ورغمًا عنه. وقد قام النظام السوري على أثرها باعتقالها في 16 كانون الأوّل إلى جانب العديد من قيادات إعلان دمشق، وتمّ الحكم عليها في 29 تشرين الأول 2008 بالسجن لمدّة عامَين ونصف بتهمة «إضعاف الشعور القومي ونقل أخبار كاذبة من شأنها أن توهن نفسيّة الأمة».
خرجت من السجن عشيّة الثورة السورية التي ستعيدها إلى العمل السياسي في إطار قيادة إعلان دمشق إلى جانب رياض الترك، إضافة إلى لعبها دورًا محوريًا في معالجة جرحى المظاهرات في مدينة حماة في مشفى الحوراني الذي أسّسته في المدينة وكان المشفى الوحيد الذي قبل باستقبال المصابين برصاص الأمن، وقد أحاط الأهالي مبناه وشكّلوا حاجزًا بشريا لحمايته ومنع قوات النظام من اعتقال المصابين والجرحى من المشفى في أيار 2011. وقد أدّى ازدياد الضغط الأمني على الدكتورة فداء بعد اقتحام النظام للمدينة في 31 تموز 2011 إلى مغادرتها مدينة حماة والتخفّي في دمشق، في ذات الوقت الذي انضمّ فيه ابنها الوحيد محمد أكرم العليان إلى الجيش الحرّ في ريف حماة، لتغادر بعدها سوريا خفية إلى الأردن ومنه إلى فرنسا في العام 2013، حيث ستواصل نشاطها المعارض المستقلّ بعيدًا عن تشكيلات المعارضة السورية الخارجة من المجلس الوطني إلى الائتلاف الوطني لقوى الثورة السورية لافتقاد هذه البنى إلى الاستقلالية واعتمادها الكامل على الدعم الإقليمي والدولي. أما مشفى الحوراني الذي صادرته السلطات الأسدية بعد خروج الدكتورة فداء من سوريا ووضعت عليه حارسًا قضائيًا، فهو لا يزال يتحكّم فيه إلى اليوم، ولا تزال الدكتورة ممنوعه من استعادته.
الحلّ الوطني الديمقراطي
إلى جانب مسارها النضالي الطويل الذي دفعت خلاله أفدح الأثمان، لم تتوانَ الدكتورة فداء، في الحاضر كما في السابق، عن العمل من أجل بناء دولة القانون والمواطنة وفصل السلطات والتعددية الحزبية وترسيخ مبادئ الحريّات السياسية والفردية والمساواة بين الجنسَين، كما لم تتلكّأ في الدفع من أجل أن تتوّج المرحلة الانتقالية بإجراء انتخابات حرّة ونزيهة لمجلس تأسيسي يصوغ دستورًا جديدًا للبلاد ويصون كرامة المواطن السوري ويقرّ مبدأ المساواة في المواطنية لجميع المكوّنات المجتمعية ويؤسّس لمبدأ التداول السلمي للسلطة.
المؤسف، لكن المفهوم، أنّ بعض أصحاب السلطة الحاليين يلتقون مع السلطة الأسدية البائدة، في أنّهم يرون في الدعوة إلى هكذا مشروع وطني سوري ديمقراطي، خطرًا وجوديًا على مشروعهم السلطوي القائم على الغلبة والعنف واحتكار السلطة والطائفية والذكورية الفجّة وتفتيت المجتمع إلى طوائف ومذاهب وعشائر وتقليب الفئات الاجتماعية والمذهبية بعضها على بعض. ويشترك الطرفان في بحثهما عن شوكة القوّة وأسباب البقاء إلى تغليب الغطاء الدولي والدعم الإقليمي على التعدّدية السياسية والمشروعية الشعبية المنبثقة من صندوق الاقتراع ومن الإرادة الشعبية.
ورغم أنّ هذا المشروع الوطني الديمقراطي، الذي يؤكّد على مركزية النضال الديمقراطي السلمي ويقطع مع الاستبداد والانقلابات العسكرية والحكم الفردي والممارسات الطائفية، قد بدأت براعمه في الظهور في الحقل السياسي السوري منذ نهاية السبعينات من القرن المنصرم وأسّس له في بيان التجمّع الوطني الديمقراطي الشهير في آذار من العام 1980 في خضم الصراع الدموي بين النظام الأسدي وتنظيم الطليعة المقاتلة للإخوان المسلمين، ودفع في سبيله آلاف السوريين أثمان باهظة من سجن وتعذيب وقتل ونفي على مدى عقود طويلة، وتمّ العودة إليه وإعادة التأكيد على مبادئه في فترة ربيع دمشق القصيرة بعد وفاة الديكتاتور حافظ الأسد وتبوّء ابنه بشّار سدّة السلطة، حتى جاءت ثورات الربيع العربي لتبيّن أنّ آمال السوريين لا تختلف عن تطلّعات شعوب المنطقة كافّة إلى الحرية والكرامة والمشاركة السياسية، وطوقها في الخروج من فكَّي الكماشة التي حبسوا فيها عقودًا طويلة بين تأبيد الديكتاتوريات العسكرية والممالك البترودولارية وبين التلويح بالخطر الإسلامي القادم.
إرث أكرم الحوراني
محاصرة الدكتورة فداء الحوراني لم يرتبط فقط بما تجسّده في مسيرتها كشخصية معارضة. فجرى محاولة النيل منها كامرأة وكابنة للسياسي السوري المخضرم أكرم الحوراني، الذي أسّس في بداية الخمسينات من القرن المنصرم، الحزب العربي الاشتراكي الذي اندمج لاحقًا بحزب البعث وصار اسمه حزب البعث العربي الاشتراكي وقاد الحوراني الكتلة النيابية لهذا الحزب التي كانت ثاني أكبر الكتل النيابية في برلمان 1954 بعد كتلة حزب الشعب. تحالف الحوراني لاحقًا مع خالد العظم وترأّس الحوراني خلال تلك الفترة المجلس النيابي في أغنى وأخطر مراحل التاريخ السوري عشيّة الوحدة بين مصر وسوريا وتنصيب الرئيس جمال عبد الناصر رئيسًا للجمهورية العربية المتّحدة وتعيين أكرم الحوراني نائبًا له، قبل استقالته وابتعاده عن مصر الناصرية ومن ثم عن حزب البعث وخروجه النهائي من سوريا بعد انقلاب 8 آذار 1963 ووصول البعث للحكم.
وإذا لم تدَّعِ الدكتورة فداء الحوراني يومًا تبنّيها لتوجهات والدها السياسية ولا قدّمت نفسها كوريثة سياسية له، لأنّها كانت ولا تزال ابنة زمانها ومكانها بمثل ما كانت ابنة لوالدها، فهذا لم يدفعها يومًا إلى التنكّر لتجربة والدها السياسية ولا دفعها إلى إجراء قطيعة فكرية مصطنعة مع ما تمثّله هذه التجربة في الحياة السياسية السورية.
وبمثل ما تمّ محاصرة ومهاجمة الدكتورة فداء الحوراني بميراث والدها الاشتراكي والتهجّم الذكوري التشبيحي عليها بوصفها امرأة تحمل خطابًا سياسيًا معارضًا، تمّ الأمر نفسه مع رولا الركبي الناشطة النسوية السورية وابنة مدينة حماة التي دعيت مؤخّرًا إلى إلقاء كلمة المجتمع المدني في جلسة إحاطة واستماع أمام مجلس الأمن بخصوص الوضع في سوريا. فقامت القيامة على رولا لانتقادها أوضاع حقوق الإنسان في سوريا وتم تعييرها هي الأخرى باشتراكية والدها الدكتور فيصل الركبي الذي كان ضمن قائمة أكرم الحوراني التي نجحت عن مدينة حماة في الانتخابات النيابية للعام 1954 وهزمت القائمة التي دعمتها التيارات المحافظة وعائلات كبار الملّاك والإخوان المسلمين.
لنفهم لماذا يخيف إرث الخمسينات من القرن المنصرم، بعض أصحاب الغلبة في السلطة الحالية، المأخوذين والمروجين لكاريزما وحكم القائد الفرد في سوريا اليوم، لندع جانبًا السيّدتين العزيزتَين فداء الحوراني ورولا الركبي اللتين لم تدّعيا يومًا انتسابهما للحزب العربي الاشتراكي ولا لحزب البعث، ولنقرأ ما كتبه رياض الترك في العام 2000 عشية ربيع دمشق في نصّه التأسيسي الشهير «إلى متى تبقى سوريا مملكة الصمت» والذي نشره في ملحق النهار في 22 تموز، غداة وفاة حافظ الأسد وتنصيب ابنه بشّار رئيسًا للبلاد زورًا وبهتانًا، يكتب الترك:
إنّ تاريخ سورية الحديث لم يبدأ مع عهد الرئيس حافظ الأسد و لن ينتهي برحيله ولكن القائمين على شؤون الحكم وحرصًا منهم على مصالحهم وامتيازاتهم يفرطون بأحد أهم منجزات شعبنا السوري. فالنظام الجمهوري لم يكن يومًا ملكًا لأحد. لقد جاء ثمرة نضالات مديدة كلّفت شعبنا ثمنًا باهظًا امتدّت من مقاومة الاحتلال الفرنسي عام 1920 إلى الظفر بالاستقلال عام 1946، إلى مواجهة الانقلابات العسكرية والتدخّلات الأجنبية ومقارعة الأحلاف والمشاريع المشبوهة. لقد رفض الرعيل الأوّل من رجالات الجمهورية السورية الذين قدّموا الغالي والنفيس في سبيل القضية العربية أن يفرّطوا بالجمهورية. فتوطّدت ديمقراطيًا مبادئ النظام الجمهوري البرلماني في أعقاب إسقاط ديكتاتورية أديب الشيشكلي وإجراء الانتخابات البرلمانية عام 1954 وصولًا إلى الوحدة مع مصر... و ليتذكّر من يحلو لهم شعارات «الحزب القائد للدولة والمجتمع» كيف كان حزب البعث في الخمسينات من القرن الماضي حيث بلغ ذروة قوّته وتوحّدت تياراته وأوصل سبع عشر نائبًا من أعضائه إلى البرلمان وانتخب النواب أحد قادته المناضل الكبير المرحوم أكرم الحوراني رئيسًا للبرلمان. يوم كان في سورية حياة ديمقراطية وتعدّدية سياسية وصحافة حرّة ولينظروا الآن كيف فقد هذا الحزب الذي يبلغ عدد أعضائه مليون ونصف مليون أي دور قيادي في حياة سورية السياسية.
يا ليت بعض القائمين على سدّة الحكم اليوم يقرأون بتمعّن هذا الكلام علّهم يدركون ولن يدركوا، أنّ التضييق على الأصوات النقدية المعارضة لنساء ورجال سوريا الأحرار لن يفيدهم شيئًا، وأنّ قوة البلد ورفعته ورخاء أهله، لا تكون إلا من خلال التعدّدية السياسية والمشروعية الانتخابية وفصل السلطات وتنوّع الأفكار وبناء دولة القانون والعدالة التي يحكمها وينظم شؤونها دستور عصري تصيغه جمعية تأسيسية منبثقة من صندوق الاقتراع.