الأذى الأخلاقي
21
دقيقة

الثمن النفسي للإبادة

تحذّر الصحف العبرية والدولية، إلى جانب مؤسسات نفسية واجتماعية وحتى سياسية كالكنيست، من وباءٍ نفسي يفتك ويفكّك بنية المجتمع الإسرائيلي النفسية والاجتماعية، خصوصًا في ظلّ مجتمع استيطاني مُعسكر لا يعرف أيّ فصلٍ بين مدنيّ وعسكريّ، وهو ما تعكسه تقارير عن ارتفاع تشخيصات اضطراب ما بعد الصدمة بنسبة 112%، وانتشار أعراض الخوف والعزلة وصعوبة الانخراط في الحياة اليومية.

يترجَم هذا الانهيار بأرقامٍ صادمة وغير مسبوقة بتاريخ دولة الاحتلال رغم حروبها الكثيرة. ففي 11 شباط 2026، كشفت هآرتس أنّ عدد المعترف بهم رسميًا كمصابين باضطرابات نفسية ضمن دائرة إعادة التأهيل في وزارة الدفاع قفز خلال نحو عامين من قرابة 11 ألفًا إلى 31 ألفًا. هذا الارتفاع الحادّ لم تُواكبه زيادة موازية في الكادر العلاجي، حتى إنّ إحدى الشهادات تحدّثت عن معالج واحد لكل 850 محاربًا قديمًا مصابًا باضطراب ما بعد الصدمة. أُبعد آلاف الجنود عن مواقعهم القتالية بفعل انهيارات نفسية، وخطوط الطوارئ تغرق باتصالات جنود الاحتياط، فيما تقرّ وزارة الدفاع بأنّ عدد المصنَّفين كـ«معوّقين نفسيًا» قد يبلغ مئة ألف خلال سنوات قليلة. وتنقل تحقيقات عبرية شهادات لجنود عادوا من قطاع غزّة وهم عاجزون عن التوفيق بين ما رأوه بأعينهم وبين الرواية التي قيل لهم إنّها «أخلاقية». لا يترك واقع الميدان، كما يرونه، مجالًا لكثير من الادّعاءات الأخلاقية التي بُرّر بها القتل والدمار. وفي المقابل، تبدو مؤسسات التأهيل غير قادرة على استيعاب هذا الكمّ من الضيق والانكسار النفسي، أو التعامل مع آثاره المتفاقمة.

لكن بدلًا من الإقرار بأنّ بنيةً استيطانية استعمارية تأسّست على العنف لا يمكن أن تُنتج سوى عنفٍ مضادّ وانهيارٍ داخلي، يجري الالتفاف على الحقيقة. فتُعاد صياغة المشهد كلّه بلغة العيادات والتشخيصات الطبية النفسية، لتتحوّل النتائج إلى «اضطرابات» فردية معزولة عن سياقها، ويُختزل الخراب الأخلاقي والسياسي في أعراض نفسية تحتاج إلى علاج طبّي.

الأذى الأخلاقي

في هذا السياق، جرى الاعتراف رسميًا، من قبل الجمعية الأميركية للطب النفسي (APA)، بما يُسمّى «الأذى الأخلاقي»- أي الضرر النفسي الناتج عن الشعور بالذنب أو خرق القيم الأخلاقية، سواء عبر المشاركة في العنف أو الشهادة عليه- كإطارٍ قابل للاستخدام في التقييم العيادي. والاعتراف هنا ليس توصيفًا عابرًا، بل إدخال لمفهوم إلى اللغة المعتمدة في الطب النفسي. فالدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية (DSM)، الصادر عن الجمعية والذي يُعدّ المرجع الأساسي للأطبّاء النفسيين حول العالم، هو الأداة التي يُبنى عليها التشخيص. من خلاله تُحدَّد العلاجات، وتُصنَّف الحالات، وتُفعَّل كذلك تغطيات شركات التأمين والتعويضات. هكذا ينتقل المصطلح من نقاشٍ نظري إلى إجراءٍ عملي داخل العيادة. فتخيّل معي جنديًا يعود من قطاع غزّة بعد مشاركته في الإبادة، يعجز عن النوم، تلاحقه الصور، فيقصد طبيبًا نفسيًا. بدلًا من أن يحاسب على ما ارتُكب من مجازر وتدمير، يُشخَّص هو بوصفه مصابًا بـ«أذى أخلاقي»، حالة مرضية تستدعي علاجًا وربما تعويضًا من شركات التأمين وتستدعي أيضًا اهتمام الصحافة عالميًا. يتحوّل إلى مريضٍ يحتاج إلى رعاية، وإلى حالةٍ قابلة للدراسة والبحث، فيما يُنقل مركز الاهتمام من ضحايا العنف إلى من مارسوه. هكذا يُعاد ترتيب المشهد ويصبح المجرم الذي ارتكب أفظع المجازر موضوع علاج، وتُختزل الجريمة والإبادة في عرضٍ نفسي يُدار داخل العيادة.

هذا ما يحدث اليوم بوتيرة متسارعة. فقد بدأ أطباء وصحافيون وباحثون إسرائيليون الترويج لمصطلح «الأذى الأخلاقي» وتبنّيه لوصف ما يعانيه الجنود العائدون من قطاع غزّة ولبنان. يتحوّل المفهوم إلى إطارٍ تشخيصي جاهز يُحتوى داخله الشعور بالذنب، ويُعاد تقديمه كأزمة نفسية فردية تحتاج إلى علاج.

في ظلّ عالمٍ شاهد الجرائم بالصوت والصورة، وتتصاعد فيه المساعي الحقوقية والقانونية لوصف ما جرى ويجري في قطاع غزّة بأنه إبادة جماعية، يبدو أنّ هناك إدراكًا بأنّ لحظة المواجهة آتية لا محالة. في هذا السياق، لا يبدو «الأذى الأخلاقي» مفهومًا بريئًا، بل أداةً تؤدّي ثلاث وظائف متداخلة. 

  • أولًا، يقدّم طريقة لاحتواء التناقض الذي يعيشه الجنود بين ما يشهدونه ويشاركون فيه على الأرض، وبين الخطاب الذي يُقال لهم عن «أخلاقية» الحرب، عبر تحويل هذا التمزّق إلى معاناة نفسية فردية تُسكت السؤال عن الفعل نفسه وتخفّف من وطأة الذنب.
  • ثانيًا، يتيح إعادة توصيف الفاعلين لا بوصفهم مسؤولين عن جرائم، بل بوصفهم ذواتٍ متضرّرة تستدعي التعاطف، بما يساهم في الالتفاف على المساءلة القانونية والأخلاقية وإعادة تقديم المرتكِب في موقع الضحية.
  • ثالثًا، يعمل على مستوى الخطاب العام بوصفهِ وسيلة لإعادة توجيه الانتباه في لحظةٍ تتراكم فيها الأدلة، بحيث يتحوّل النقاش من الجرائم المرتكبة إلى معاناة من ارتكبوها، ومن مساءلة الإبادة إلى متابعة آثارها النفسية على منفّذيها.

فمنذ أشهر، تتدفّق من داخل المؤسسة العسكرية نفسها تقارير عن الصدمة والانتحار و«الأذى الأخلاقي». من الجيش الذي يقدّم نفسه باعتباره «الأكثر أخلاقية في العالم»، ويردّد شعار «روح الجيش»، ويتبنّى عقيدة «طهارة السلاح»، أو «טוהר הנשק» (توهر هنشك)، ويطمئن جمهوره بأنّ كلّ جندي يتحرّك وفق «بوصلة أخلاقية» لا تحيد. لكنّ ما يجري موثّق بالصوت والصورة. قطاع غزّة يُدمَّر أمام أعين العالم، عشرات الآلاف من الفلسطينيين يُقتلون، بينهم آلاف الأطفال، ومستشفيات ومدارس ومخيّمات تُقصف، وجنود يوثّقون بأنفسهم اقتحام البيوت والعبث بمحتوياتها والتفاخر بذلك. وهذا ليس انحرافًا مفاجئًا. المسار بدأ مع قيام الدولة على الاقتلاع والعنف، وتراكمت «جراحه» في الأرشيف المعلن والمخفي. أمّا «البوصلة الأخلاقية» التي يُروَّج لها، فلم تضلّ الطريق اليوم؛ بل هي منذ البداية مشدودة إلى منطق القوّة. بوصلة مضرّجة بالدم، ضائعة الاتجاه.

جيش إبادة… يتحوّل إلى جيش انتحار

غالبًا ما تنشغل التحليلات بالصحة النفسية للمقموعين: بآلامهم، بآليات صمودهم، ببحثٍ دائم عن أثر أملٍ أو علامة مقاومة. لكن ربما تكمن الإشارة الأخرى في نفسية الجلاد نفسه. هناك، في العقل المعذَّب للفاعل، تظهر شقوق النظام.

قبل شهر من بدء الإبادة الجماعية في قطاع غزّة في 7 أكتوبر، كنت قد كتبت عن تصاعد مؤشرات الأزمة النفسية في صفوف جيش الاحتلال، وعن ارتفاع معدلات الانتحار داخله. حتى آنذاك، كانت الدولة تبحث عن حلول تقنية وعيادية: تجارب على حقن تُعرف بعلاج «حصار العقدة النجمية» (Stellate Ganglion Block)، تُحقن في العنق لتعطيل استجابة «القتال أو الفرار» (Fight or flight) في الجهاز العصبي، وتدريبات على «المرونة» النفسية (resilience) وتمارين محاكاة للقتال (combat simulations)، واعتماد متزايد على تقنيات عسكرية مدفوعة بالذكاء الاصطناعي لإبعاد الجندي عن المواجهة المباشرة مع المقاتلين على الأرض. كان الهدف واضحًا: إدارة الأثر النفسي للعنف، لا مساءلته.

لكنّ الحرب الأخيرة التي جرى تأطيرها بوصفها «حربًا وجودية»، جعلت من المستحيل تجنّب الاحتكاك المباشر. سواء في لبنان أو في قطاع غزّة، دفع جيش الاحتلال بقواته إلى الميدان: اجتياح وقتل واغتصاب وأحيانًا توثيق الجرائم بالكاميرا. والآن، بعد عودة كثيرين إلى بيوتهم، بعد أن انخفض الأدرينالين، وبعد أن انقشع غبار التدمير، لم يعد ممكنًا الاحتماء بصخب الميدان. لم يعد هناك رفاق يضحكون فوق أنقاض البيوت المقصوفة. لم تعد الجثث مجرّد أرقام. ما تبقّى هو رائحة لا تفارقهم، وذاكرة لا تنطفئ. هناك، يبدأ الصراخ.

قدّم جيش الاحتلال نفسه لسنوات كقصة نجاح في «منع الانتحار»، مستندًا إلى معدّل سنوي منخفض ومقارنات انتقائية مع جيوش أخرى. لكنّ الأرقام والتقارير التي بدأت تتسرّب في السنوات الأخيرة تُظهر واقعًا مختلفًا: ارتفاع في حالات الانتحار ومحاولاته، وتزايد في أعداد الجنود الذين يعودون وهم يعانون من ضيق نفسي واضطرابات مرتبطة بما عاشوه في الميدان. في سياق دولة استيطانية استعمارية مثل إسرائيل، قائمة على الأيديولوجيا الصهيونية وعلى عسكرة المجتمع والتجنيد الإلزامي، لا يمكن التعامل مع هذا بوصفه ظاهرة جانبية. يقوم المشروع نفسه على العنف المستمرّ من الإخضاع اليومي إلى الحروب المفتوحة وصولًا إلى الإبادة، وهذا العنف لا يبقى محصورًا في مكانه بل يعود مع من يمارسونه.

ما يُقدَّم أداةً لحماية المجتمع، يتحوّل إلى مصدر استنزاف له، حيث يتراكم الأثر النفسي داخل الأفراد وفي العلاقات الاجتماعية، ويظهر في شكل انتحار وانهيار وتفكك يتسع مع مرور الوقت. يصبح التحكم بالأرقام في هذا الإطار جزءًا من إدارة الصورة: يُعاد تعريف الحالات، وتُفصل عن سياقها العسكري، ويُحافظ على حدود ضيّقة لما يُعترف به، لأنّ كشف الحجم الكامل يعني الاعتراف بأنّ العنف الذي يقوم عليه المشروع لا ينتج أمنًا ولا استقرارًا، بل يعيد إنتاج الأزمة داخل المجتمع نفسه. ومع ذلك، فإنّ ما يتسرّب من هذه المعطيات يكفي لقراءة اتجاه يتصاعد، والأرقام التالية تضع هذا الاتجاه بوضوح أكبر.

الموتى الذين ترفض إسرائيل احتسابهم

في السنوات التي سبقت حرب قطاع غزّة، تراوحت الأرقام بين 11 حالة في 2021 و14 في 2022، وهي أرقام استُخدمت للدلالة على «السيطرة المؤسسية» على الظاهرة. ثم بدأ المنحنى بالصعود. سجّلت المعطيات الرسمية 17 حالة يُشتبه بأنها انتحار في 2023 و21 في 2024، وهو أعلى رقم منذ أكثر من عقد. كما أظهرت ورقة صادرة عن مركز الأبحاث والمعلومات في الكنيست، استنادًا إلى بيانات السلك الطبي العسكري، أنّ نحو 78% من حالات الانتحار في 2024 تعود لجنود قتاليين، مقارنة بنسبة في منتصف الأربعينات المئوية بين 2017 و2022. أي أنّ النسبة الأكبر من الضحايا كانوا ممن شاركوا مباشرة في القتال. وسجّل تقرير آخر للكنيست 279 محاولة انتحار بين كانون الثاني 2024 وتموز 2025، توفي منهم 36 وهو رقم تراكمي لفترة تقارب تسعة عشر شهرًا، لا يُقارن مباشرة بالمعدّل السنوي الذي درج الجيش على تسويقه في سنوات سابقة. وفقط 17% من الذين أنهوا حياتهم كانوا قد التقوا بضابط صحة نفسية خلال الشهرين السابقين لوفاتهم. ردّ جيش الاحتلال، حتى الآن، هو الإنكار. أحد علماء النفس الذين يقودون وحدة الاستجابة القتالية صرّح للصحافة بأن «معدل الانتحار في الجيش مستقر إلى حدّ كبير خلال السنوات الخمس أو الست الماضية»، بل ادّعى أنه انخفض خلال العقد الأخير. إنكار يوازي إنكارًا أعمق: الاعتقاد بإمكان الإسرائيليين ارتكاب إبادة جماعية والبقاء سليمين نفسيًا.

لكن حتى هذا التصاعد الحادّ في الأرقام يبقى قاصرًا عن إدراك الحجم الحقيقي للمسألة. تعترف دائرة التأهيل في وزارة الدفاع في المقابل بأن نحو 11 ألف جندي دخلوا برامجها النفسية منذ 7 أكتوبر، وأن أكثر من ثلث الإصابات النفسية في تاريخ الجيش سُجّلت خلال هذه الفترة وحدها. وبحلول عام 2028، تتوقّع الوزارة معالجة نحو مئة ألف «محارب قديم معوّق»، نصفهم على الأقل يعانون من اضطرابات نفسية. مدير شبكة عيادات الصدمة في مستشفى شيبا (מרכז רפואי שיבא) أشار إلى تضاعف أعداد مرضى اضطراب ما بعد الصدمة من 1,500 سنويًا إلى 3,000، قائلاً إن الانهيار النفسي يبدأ غالبًا «عندما تغادر الإطار الذي كنت فيه، حين تنتهي خدمة الاحتياط وتعود إلى البيت… نرى طلاقًا، صعوبات في العمل أو الدراسة. وفي النهاية، حين يستوعبون الأمر أخيرًا، يأتون إلينا». أمّا مدير المركز الوطني للضغط والمرونة في جامعة تل أبيب، فقال بدوره إن الذروة لم تأتِ بعد، متوقعًا أن ترتفع أعداد المصابين إلى ما يتجاوز 50 ألفًا خلال عام أو عامين بعد انتهاء الحرب– إن انتهت.

التاريخ القريب يوضح النمط. بعد الانتفاضة الثانية، بلغت حالات الانتحار العسكري ذروتها عام 2003، متجاوزةً عدد القتلى في المعارك في ذلك العام. وبعد حرب قطاع غزّة عام 2014، جرى الاعتراف رسميًا بمئات حالات اضطراب ما بعد الصدمة في السنوات التالية، فيما تأخّر أو طُعن في حالات أخرى. في عام 2020، كشف طلب حرية نفاذ للمعلومة عن مئات المحاربين القدامى المعترف بإصابتهم باضطراب ما بعد الصدمة، مع الإشارة إلى أنّ مسار الاعتراف قد يستغرق سنوات طويلة. بعض الجنود السابقين أنهوا حياتهم أثناء انتظارهم الاعتراف بحالتهم.

لكن تبقى هذه الأرقام منقوصة. فهي تحصي فقط من كانوا يرتدون الزيّ العسكري لحظة موتهم. أما من ينهون حياتهم بعد عودتهم إلى منازلهم، بصفة «مدنيين»، فيختفون من السجلّ العسكري كما لو أنّ غزّة لم تكن. وفق تقرير لوزارة الصحة الإسرائيلية، أوردته CNN قبل أن يُزال لاحقًا، يموت أكثر من 500 شخص سنويًا انتحارًا في إسرائيل، فيما يحاول أكثر من ستّة آلاف إنهاء حياتهم. إلا أنّ التقرير نفسه أقرّ بوجود نقص في الإبلاغ يقدَّر بنحو 23%. وبعد حذف التقرير، استُبدل بمحاولة «دحض شائعات ارتفاع معدلات الانتحار».

قبل عام 2023، كان معدّل الانتحار في إسرائيل يراوح بين خمس وستّ حالات لكل مئة ألف نسمة سنويًا، وهو معدل يُقدَّم على أنه يخصّ السكان عمومًا، ما وضعها في الشريحة الدنيا بين دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، وفي مرتبة متأخرة نسبيًا على المستوى العالمي. لكن ما لا توضحه التقارير الرسمية هو ما إذا كانت هذه الأرقام تشمل العسكريين العاملين ضمن هذا المعدّل أم تُحتسب بشكل منفصل، الأمر الذي يترك الصورة غير مكتملة. فالإحصاءات العسكرية لا تحصي عادةً سوى من كانوا في الخدمة الفعلية لحظة الوفاة، فيما لا يُدرج انتحار جنود الاحتياط أو من أنهوا خدمتهم بشكل منهجي ضمن المجموع العسكري، ما يجعل أيّ مقارنة بين هذه الأرقام مضلِّلة ويُبقي جزءًا من الظاهرة خارج الحساب.

والأهمّ أنّ هذه الأرقام لا تشمل أولئك الذين شاركوا في الإبادة الجماعية في قطاع غزّة، ثم عادوا إلى حياتهم المدنية، وأنهوا حياتهم لاحقًا بعيدًا عن الأضواء. وثّقت هآرتس ما لا يقلّ عن اثنتي عشرة حالة من هذا النوع، لرجال ظهرت عليهم أعراض واضحة لاضطراب ما بعد الصدمة أو ضيق نفسي حادّ. بعد تسريحهم، تتحوّل وفاتهم إلى «حالة مدنية»، وتُقطع الصلة بينها وبين غزّة في سجلات جيش الاحتلال كما في الذاكرة العامة.

تكتشف عائلات أنّ أبناءها الذين احتفت بهم الدولة كـ«أبطال» يُحرمون حتى من اعتراف رمزي عندما يموتون انتحارًا. أثارت قضية المسعف الاحتياطي روعي فاسرشتاين ضجّة واسعة. انتحر بعد أشهر من آخر حملة له في قطاع غزّة. ولأنه لم يكن في الخدمة يوم وفاته، رفض جيش الاحتلال بدايةً اعتباره «قتيلًا في المعركة»، وكان سيُدفن كمدني. فقط بعد غضب واسع، وعد رئيس الأركان بتعديلات تشريعية محدودة لـ«حالات استثنائية». لكنّ الوعد بقي كلامًا، فيما يستمرّ تجاهل ما يعيشه هؤلاء الجنود بعد عودتهم، حتى حين ينتهي الأمر بانتحارهم.

أعداد كبيرة من المقاتلين، بمن فيهم جنود الاحتياط الذين يتنقّلون بين الجبهة والحياة المدنية، يحملون ضغطًا نفسيًا حادًّا. وحين يقترن هذا التعرّض المكثّف بتأخّر ظهور أعراض مثل اضطراب ما بعد الصدمة والاكتئاب وإدمان المواد، فإن النتائج غالبًا ما تتراكم ببطء. خطر الانتحار يرتبط عادةً بالصدمة غير المعالجة، بالعزلة بعد التسريح، وبغياب المتابعة طويلة الأمد. بهذا المعنى، قد تكون الأرقام الحالية مجرّد بداية مسار أطول.

لفهم الحجم، يكفي النظر إلى توقعات وزارة الدفاع نفسها: مئة ألف معوّق بحلول 2028، نصفهم يعانون من حالات نفسية. حتى لو أقدم جزء صغير منهم سنويًا على الانتحار، فإن المعدل الوطني سيرتفع تدريجيًا، خصوصًا بين الفئات العمرية المنتجة. وإذا استمر المنحنى بالصعود، قد تخرج إسرائيل من موقعها المتدنّي نسبيًا ضمن تصنيفات دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى مراتب أعلى. الأثر لن يظهر دفعة واحدة، بل عبر تراكم بطيء.

مقال من مجلة «الفدائيون» التابعة لحملة التضامن مع فلسطين في بريطانيا (1970).

قد تمتدّ المعركة البيروقراطية للاعتراف بالإصابة سنوات. البرلمان الإسرائيلي استمع إلى شهادات تفيد بأن الاعتراف قد يستغرق بين عامَيْن وسبعة أعوام، فيما وثّقت تقارير حالاتٍ وصلت إلى ثمانية أعوام، غالبًا بعد معارك قانونية مكلفة.

غالبًا ما يتفاقم الأمر في فترات «الهدوء» التي تسعى إليها إسرائيل. حين يعود الجنود إلى بيوتهم، تسقط فجأة البنية الصارمة للحياة العسكرية: التسلسل الهرمي، اليقظة الدائمة، رفقة الوحدة. إحدى الدراسات الطولية (longitudinal) الإسرائيلية، التي تتبّعت الجنود عبر الزمن بعد انتهاء خدمتهم، أظهرت ارتفاع معدلات اضطراب ما بعد الصدمة من 4.4% عند نهاية الخدمة الإلزامية إلى نحو 8% خلال أشهر من العودة إلى الحياة المدنية. ومع اندلاع الحرب في 7 أكتوبر، ارتفعت النسبة إلى أكثر من 12%. بعد عدوان 2014 على قطاع غزّة، كانت النسبة نحو 7.8%.

الانفجار الاجتماعي يظهر بأوضح صوره حين يعود هؤلاء إلى بيوتهم. خلال السنة الأولى من جائحة كوفيد-19، أشارت دراسة تداولتها وسائل إعلام إسرائيلية إلى ارتفاع بنسبة 315% في شكاوى العنف الأسري بين الأزواج. آنذاك، تراكبت العزلة والضغط والصدمة غير المعالجة. واليوم، يمكن أن يتكرّر مشهد مشابه حين تعود أعداد كبيرة من المشاركين في الإبادة الجماعية إلى منازلهم محمّلين بضغط قتالي غير معالَج، لتظهر نتائجه ليس فقط في العيادات، بل داخل البيوت، وفي النسيج الاجتماعي نفسه.

ومع ذلك، ما يبدو أنّ إسرائيل وحلفاءها منشغلون به ليس ما يعيشه هذا المجتمع من ضيق نفسي وما يترتّب عنه من أعراض ومشاكل، بل كيفية احتوائه. كيف يُضبط الاعتراف حين يتسرّب من أفواه الجنود العائدين. كيف يُدار الذنب حين تتناقض أسطورة «أكثر جيوش العالم أخلاقية» مع الفيديوهات والشهادات والبثّ الحي الذي لا يمكن محوُه. المشكلة، في نظر المؤسسة، ليست ما حدث في قطاع غزّة، بل ما قد يُقال عنه بعد العودة منها. وفي هذا الفراغ بين الاعتراف والإنكار، تبرز مفاهيم مثل «الأذى الأخلاقي» بوصفها طريقة لتحويل ما يعيشه الجنود من ذنب واضطراب بعد مشاركتهم في العنف إلى حالة نفسية تُعالج داخل العيادة.

«الأذى الأخلاقي» يصل في الوقت المناسب… لإنقاذ الجلّاد

منذ تسعينيات القرن الماضي، استخدم علماء النفس مصطلح «الأذى الأخلاقي» لوصف الضيق الذي ينشأ حين تنتهك أفعال الشخص– أو امتناعه عن الفعل– أعمق معتقداته الأخلاقية. المفهوم يُفترض أنه يختلف عن اضطراب ما بعد الصدمة التقليدي: ليس خوفًا أمام تهديد، بل شعورًا بالذنب والعار، وكراهية الذات، والإحساس بالخيانة، وفقدان المعنى.

لم يظهر المفهوم بوصفه تطويرًا عياديًا محايدًا. بل برز في أعقاب حرب فيتنام، حين واجه أطباء نفسيون أميركيون أشكالًا من الانهيار لم تُفسَّر بالخوف وحده. كثير من المحاربين القدامى لم يكونوا مسكونين بما فُعل بهم، بل بما فعلوه هم: قتل مدنيين، تنفيذ أوامر اعتبروها انتهاكًا أخلاقيًا. الأطر التقليدية لاضطراب ما بعد الصدمة، المركّزة على النجاة من التهديد، بدت عاجزة عن احتواء الذنب والعار وانهيار الثقة.

الطبيب النفسي جوناثان شاي، في عمله مع قدامى محاربي فيتنام ضمن وزارة شؤون المحاربين القدامى الأميركية، عرّف الأذى الأخلاقي بوصفه نتاج «خيانة لما هو صواب» (betrayal of what's right) من قبل سلطة شرعية في موقف عالي المخاطر، مشيرًا صراحة إلى مسؤولية القيادة والبنية، أو إلى خيانة الذات. لاحقًا، صاغ بريت ليتز وزملاؤه المفهوم بصورة أكثر منهجية، معتبرين أنّ الأذى الأخلاقي هو الأثر النفسي والاجتماعي والروحي لارتكاب أفعال تنتهك معتقدات أخلاقية عميقة، أو الفشل في منعها، أو الشهادة عليها. في هذه الصياغات المبكرة، ظلّ البعد البنيوي حاضرًا: لم يكن الأذى الأخلاقي منفصلًا عن ثقافة الجيش، وقواعد الاشتباك، والقرارات السياسية التي وضعت الجنود في بيئات مفسِدة أخلاقيًا.

لكن مع الوقت، هاجر المفهوم خارج ساحة المعركة. صار يُستخدم في سياقات مدنية، من فضائح الاعتداءات داخل المؤسسات الدينية إلى الانتهاكات الجنسية في مؤسسات مختلفة، حيث تنتج خيانة السلطة تمزّقًا أخلاقيًا عميقًا. ومع هذا الانتشار، بدأ المفهوم يتحوّل من لغة نقدية تشير إلى مسؤولية بنيوية، إلى مفهوم عيادي قابل للإدارة.

مؤخرًا، أُعيد إحياء المفهوم بقوّة. أشادت أدبيات عيادية بقرار الجمعية الأميركية للطب النفسي الاعتراف بـ«المشكلات الأخلاقية أو الدينية أو الروحية» بوصفها محورًا مشروعًا للعلاج، معتبرة أنّ هذه الخطوة تفتح مسارات جديدة للفحص والتدخل. باحثون مرتبطون ببرامج أكاديمية تعنى بدمج العلوم الاجتماعية بأسئلة الفضيلة والمعنى لعبوا دورًا في تثبيت هذا الاعتراف داخل الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية (DSM)، ما منح المصطلح شرعية رسمية في التصنيف النفسي السائد. قُدّم المفهوم بوصفه جسرًا بين الطب النفسي واللاهوت والصحة العامة، وقادرًا على استيعاب تجارب «الفاعل» و«الشاهد» و«الضحية» معًا.

أحد قادة هذا المسار قال: علينا أن نتعامل مع الأذى الأخلاقي بالجدية نفسها التي نتعامل بها مع الإصابات الجسدية. خطاب يبدو إنسانيًا، لكنّ توقيته لافت. فلا يوجد ما يربط مؤسستيًا بين هذه المبادرات وإسرائيل، إلا أنّ سرعة تبنّي المصطلح في الإعلام الإسرائيلي، وفي التعليقات العيادية، وحتى في النقاش البرلماني، تكشف شيئًا أبعد من مجرد انتقال مفهوم أكاديمي. في سياق قطاع غزّة، يُستخدم المصطلح للإشارة إلى ما يواجهه الجنود من صدمة ناتجة عن أفعال شاركوا فيها أو شهدوها: قتل واسع، استهداف مدنيين، وتدمير منهجي، وما يرافق ذلك من شعور بالذنب وتصدّع في الصورة التي قُدّمت لهم عن أنفسهم وعن «مشروعية» ما يفعلونه، إضافة إلى اهتزاز الثقة بالمؤسسة العسكرية، وبالأيديولوجيا التي برّرت هذا العنف، وفي مقدّمها الصهيونية التي قُدّمت لهم كأساسٍ للشرعية التي دفعتهم إلى ذلك. المصطلح الذي ظلّ لسنوات محصورًا في رعاية المحاربين القدامى أو في نقاشات الخذلان والخيانة من قِبل القادة والمؤسسات العسكرية، وأحيانًا ضمن أطر أخلاقية ودينية أوسع، صار فجأة الإطار الأبرز لفهم تداعيات الإبادة الجماعية في قطاع غزّة على الجنود الإسرائيليين.

«الأذى الأخلاقي» لا يمحو الفاعلية كما يفعل أحيانًا اضطراب ما بعد الصدمة؛ بل يعترف بالخرق الأخلاقي. في سياق دولة استعمارية استيطانية مثل إسرائيل، تقوم على الأيديولوجيا الصهيونية والعسكرة المستمرة، فإنّ إدخاله في الأطر المؤسسية وتحويله إلى فئة تشخيصية قابلة للعلاج يجعله أداةً لتنظيم الضمير لا لفتح باب المحاسبة. حين يُدوَّن في الأدلة التشخيصية، ويُدمج في بروتوكولات العلاج، ويُختصر في عناوين إعلامية، يُعاد احتواء ما يكشفه من عنف: يتحوّل الذنب المرتبط بالإبادة والعنف الاستعماري إلى مسألة نفسية فردية. يصبح ضمير الجلاد هو موقع الإلحاح، فيما تتراجع بنية الاستعمار الاستيطاني والعقيدة الصهيونية التي أنتجت هذا العنف إلى الخلفية. هذا لا يعني أنّ المعاناة النفسية مختلَقة، بل أنّ طريقة تأطيرها ليست بريئة وأنّ الإطار المختار لقراءتها يحمل نتائج. اضطراب ما بعد الصدمة يستدعي التعاطف مع من تعرّضوا للخطر، و«الأذى الأخلاقي» يستدعي التعاطف مع من خالفوا قيمهم. كلاهما، من دون حقيقة ومساءلة وتغيير بنيوي، قد يتحوّل إلى لغة تمتصّ بها السلطة أزمتها، وتنجو.

هنا يصبح الدرس الفوكوي حاضرًا: السلطة الحديثة تحمي نفسها بإنتاج التشخيصات التي تُعرَّف من خلالها المعاناة. مؤسسات الرعاية ليست محايدة؛ فهي تخلق فئات تُبقي البنية السياسية قائمة. التبنّي السريع لمفهوم «الأذى الأخلاقي» ينسجم تمامًا مع هذا النمط. الذنب الذي قد يشير إلى الفلسطينيين وإلى عنف الدولة وإلى وحشية الاحتلال، يُعاد توجيهه إلى الداخل بوصفه أزمة نفسية فردية. وما إن يُطبَّب، حتى يفقد خطورته السياسية. يُلصق بالفرد، فيُصبح قابلًا للعلاج، ومفصولًا عن السياسة. ما تكشفه الأرقام عن الانتحار واضطرابات ما بعد الصدمة يشير إلى أزمة تتكوّن لدى الجنود نتيجة ما شاركوا فيه أو شهدوه. لكن مع إدراج الأذى الأخلاقي كفئة تشخيصية، يتغيّر موقع هذه الأزمة: سؤال ماذا فُعل بالفلسطينيين يتراجع، ويحلّ مكانه سؤال كيف يعيش الفاعل ما فعله. هكذا تُختزل المسؤولية في ضمير فردي منفصل عن العقيدة العسكرية وسلاسل القيادة والنظام الاستعماري الذي جعل العنف ممكنًا. الانهيار الأخلاقي يُستوعب داخل حوكمة علاجية، وما كان يمكن أن يفتح باب المساءلة السياسية يُعاد تصنيفه كمسألة عيادية.

اللغة العيادية لا تبقى في العيادة. حين تنتقل إلى الإعلام والنقاشات البرلمانية، تصبح مختصرة ومرنة، متاحة للجميع لإعادة صياغة المسؤولية. وفي أيلول 2025، جرى تحديث رمز في الدليل التشخيصي ليشمل صراحةً اضطرابات في الإحساس بالصواب والخطأ، واضعًا «المشكلات الأخلاقية» ضمن فئة يمكن التعامل معها طبيًّا، أي أنّ الشعور بالذنب أو الشك في ما فُعل يُعاد تعريفه كمسألة نفسية تحتاج علاجًا، لا كسؤال عن المسؤولية أو ما جرى. وعاء تشخيصي جاهز، يعترف بالضيق لكنه يُبقي المساءلة القانونية والسياسية على مسافة آمنة.

في إسرائيل، يصف أطباء وصحافيون جنودًا ومجندات يعودون من قطاع غزّة وهم عاجزون عن التوفيق بين ما رأوه أو فعلوه وبين السردية الرسمية التي قُدّمت لهم. وتُروى قصص عن عسكريين لا تعود هذه السردية تنسجم مع الصور التي تطاردهم بعد انطفاء الأدرينالين. بعض الدراسات تشير إلى أنّ الأذى الأخلاقي قد يدفع بعض المحاربين إلى انخراط سياسي بوصفه محاولةً لـ«إصلاح أخلاقي»، فيما ينهار آخرون داخليًا، عاجزين عن التعبير عن معاناتهم من دون إدانة أنفسهم.

هذا التركيز امتداد لتاريخ طويل حوّلت فيه الطبابة النفسية– عبر أداتَيّ اضطراب ما بعد الصدمة والأطر المشابهة– مرتكبي جرائم في فيتنام والعراق وأفغانستان إلى موضوع تعاطف. لكن في سياق احتلال مستمر، لا «ما بعد حرب» فيه، يصعب احتواء ما يتكشف. إذا كان الذنب في حقبة اضطراب ما بعد الصدمة يُهمَّش، فهو اليوم يُحتوى.

هذا النمط ليس جديدًا. لطالما حوّلت جماعات مهيمنة المساءلة السياسية إلى مفردات نفسية. نقاشات «ذنب البيض» في سياقات ما بعد الاستعمار أعادت توصيف العنصرية البنيوية كعبء عاطفي على البيض، محوّلة الانتباه من العدالة الإصلاحية إلى إدارة الانزعاج. وصعود الحديث عن «اكتئاب ذكوري» في بعض السياقات أعاد أحيانًا تأطير النقد النسوي كمصدر ضيق للرجال، مزيحًا مسألة السلطة الجندرية إلى سردية جرح رجولي. في كل مرة، يُليَّن الصدام السياسي داخل لغة علاجية.

من الصدمة إلى الأذى الأخلاقي: سلالة المراوغة النفسيّة

قبل أن تصبح «الصدمة» لغة الطب النفسي المعاصرة، ظهرت مفاهيم سابقة لوصف الانهيار النفسي في الحرب، مثل «صدمة القذائف» (Shell Shock) و«عصاب الحرب» (War Neurosis) خلال الحرب العالمية الأولى. واجه آلاف الجنود حالات من الارتعاش والشلل والكوابيس وفقدان القدرة على الكلام، ما أثار جدلًا حادًا بين الأطباء والعسكريين: هل هي إصابة عصبية ناتجة عن الانفجارات، أم علامة على ضعف أخلاقي أو جبن؟ لم يكن السؤال طبيًّا فقط، بل سياسيًا أيضًا، إذ خشيت القيادات العسكرية أن يقوّض الاعتراف بالانهيار النفسي الانضباط القتالي. وهكذا ظلّت هذه الحالات معلّقة بين تفسير طبي وتعريف أخلاقي، وهو التوتر نفسه الذي سيعيد الظهور لاحقًا في مفاهيم مثل الصدمة واضطراب ما بعد الصدمة.

ترى هانا بروكتور أن مفهوم الصدمة النفسية هو بناء تاريخي وسياسي تشكّل عبر مؤسسات الطب النفسي والعمل الإنساني. فمنذ أواخر القرن العشرين، خصوصًا بعد إدراج اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD) في الدليل التشخيصي للطب النفسي عام 1980، انتشرت لغة الصدمة على نطاق عالمي وأصبحت إطارًا رئيسيًا لفهم العنف والمعاناة. 

دخل اضطراب ما بعد الصدمة إلى الدليل التشخيصي للطب النفسي (DSM-III) عام 1980، وهو التحوّل الذي غيّر طريقة تعريف المرض النفسي. فبدلًا من التركيز على الأسباب الاجتماعية أو النفسية العميقة للمعاناة، ركّز الدليل على الأعراض القابلة للملاحظة والتصنيف. ومع انتشار هذا الدليل– الذي أصبح مرجعًا معياريًا يكاد يشبه «النصّ المقدّس» في الممارسة النفسية– تحوّل التشخيص إلى أداة عالمية لفهم الصدمة. غير أنّ نشأة هذا التشخيص كانت مرتبطة أصلًا بنشاط سياسي. فقد طالب محاربون قدامى في حرب فيتنام بالاعتراف بمعاناتهم النفسية وبالحصول على علاج تموّله الدولة. لكنّ تطبيق التشخيص لاحقًا في سياقات مختلفة أدّى أحيانًا إلى مفارقة لافتة: إذ أصبح من الممكن أن يظهر مرتكبو العنف أنفسهم بوصفهم ضحايا للصدمة. فالجندي الأميركي الذي يعاني من كوابيس عن مجزرة ماي لاي، مثلًا، أصبح رمزًا لمعاناة الصدمة في الثقافة الأميركية، بينما تراجعت معاناة الضحايا الفيتناميين إلى الخلفية. ومع مرور الوقت، أُزيل عنصر الذنب من تعريف اضطراب ما بعد الصدمة في النسخ اللاحقة من الدليل التشخيصي. ففي النقاشات الأولى حول ما سُمّي «متلازمة ما بعد فيتنام»، كان يُعترف بأن بعض الجنود يعانون لأنهم شاركوا في أعمال عنف شعروا بمسؤوليتهم الأخلاقية عنها. لكن هذا البعد اختفى تدريجيًا، وبحلول DSM-IV عام 1994 لم يعد الشعور بالذنب جزءًا من تعريف الاضطراب.

تشرح بروكتور كيف نشأ ما يُسمّى «صناعة الصدمة»، حيث تبنّت المنظمات الإنسانية الدولية برامج جاهزة لعلاج اضطراب ما بعد الصدمة في أعقاب الحروب والكوارث والهجمات «الإرهابية». هذه البرامج تقدّم الصدمة بوصفها استجابة نفسية فردية لأحداث قاسية، وغالبًا ما تُطبَّق في سياقات مختلفة حول العالم من دون أخذ الظروف السياسية والاجتماعية الخاصة بكل مكان في الاعتبار. هذا التاريخ مهمّ لفهم المرحلة الراهنة. فالصدمة واضطراب ما بعد الصدمة لم يعودا مجرّد تشخيص، بل أصبحا جزءًا أساسيًّا من الطب النفسي الإنساني، ومن برامج الصحة النفسية العالمية، ومن إدارة ما بعد النزاعات. ما بدأ استجابةً لحروب محدّدة، تحوّل إلى قالب عالمي يُصدَّر بسهولة بين السياقات والجغرافيات المختلفة عادةً لأغراض سياسية. وقد شبّههما المعالج النفسي الألماني ديفيد بيكر بـ«كوكاكولا الطب النفسي» الذي جرى تصديره عالميًّا كجزء من مشروع أوسع من الإمبريالية الثقافية: منتج عالمي، جاهز للاستخدام، مفصول عن الخصوصيات السياسية التي تولّد المعاناة. 

تنتقد بروكتور هذا التحوّل لأنّه ينقل النقاش من السياسة إلى الطب النفسي. ففي العقود السابقة، كان الحديث يدور حول العنف والقمع والمقاومة، بينما أصبحت اللغة السائدة اليوم تدور حول الضحايا والصدمة والمرونة والعلاج. بهذا المعنى، يمكن لخطاب الصدمة أن يُخفي الجذور السياسية للعنف، وأن يحوّل قضايا مثل الاستعمار أو القمع إلى مسائل نفسية فردية. وتشير بروكتور أيضًا إلى أن الاعتراف بالصدمة عادة يتأثر بالسياق السياسي. فبعض أحداث العنف يُعترَف بها بوصفها «صادمة» وتستدعي تدخلًا إنسانيًا واسعًا، بينما تُهمَّش أحداث أخرى أو تُمحى من الذاكرة العامة. ففي حالات مثل إندونيسيا، تتحوّل تفجيرات بالي عام 2002 إلى موقع مركزي لإحياء الذكرى والتدخلات العلاجية النفسية، بينما بقيت مجازر عام 1965– التي قُتل فيها نحو مليون شخص في حملة تطهير ضدّ الشيوعيين– لعقود بلا اعتراف رسمي، بلا قبور معلّمة، وبلا اهتمام بمعاناة الناجين. هذا التباين يبيّن أن الاعتراف بحدث ما بوصفه «صدمة» لا يعتمد فقط على شدة العنف، بل أيضًا على السياق السياسي والاجتماعي. 

كما لاحظ ديريك سومرفيلد لاحقًا، عمّم خطاب الصدمة نموذجًا غربيًا للمعاناة، وفصلها عن خصوصياتها التاريخية. انتقادات مشابهة صدرت عن أطباء نفسيين فلسطينيين لاحظوا أن معاناة كثير من مرضاهم لا تنبع من حدث صادم منفصل في الماضي، بل من واقع يومي من الاحتلال والعنف المستمر. فالعلاج النفسي الفردي، كما تقول سماح جبر، قد يصبح غير كافٍ أو حتى مضلِّلًا إذا تجاهل السياق السياسي الذي يولّد المعاناة.

هكذا أمكن للطب النفسي أن يثبت الألم، وأن يبقى في الوقت نفسه محايدًا إزاء العنف الذي أنتجه. هذا «الحياد» لم يكن بريئًا. توسيع سلطة التشخيص يتطلّب غالبًا تضييق مساحة المواجهة الأخلاقية. فحين يُعاد تعريف العنف بوصفه تجربة خوف وعجز، يمكن الاعتراف بالجنود كضحايا من دون فتح سؤال عمّا فعلوه. تصبح الصدمة قابلة للقياس والتعميم والتصدير، لأنها تفصل المعاناة عن الحكم السياسي. 

نتائج ذلك كانت عميقة. خطاب الصدمة سمح بالاعتراف بالضحايا مع إبقاء المسؤولية البنيوية في مكانها. وُصفت الصدمة كأداة لإدارة الذاكرة السياسية: تعترف بالخسارة لكنها تغلق باب المساءلة. تحوّل العنف إلى مسألة إدارة نفسية، لا إلى مسألة عدالة. حتى التعاطف العام أُعيد تنظيمه. ففي الولايات المتحدة بعد 11 أيلول، تحوّل الجندي المصاب بالصدمة إلى الشخصية الأخلاقية المركزية التي تُروى الحرب من خلالها، فيما تراجعت معاناة العراقيين والأفغان إلى الخلفية. لم تكن الصدمة توصيفًا للألم فحسب، بل ترتيبًا له ضمن هرمية. من داخل هذا التاريخ يظهر «الأذى الأخلاقي». ارتبط بأسماء مثل بريت ليتز وغيره ممن سعوا إلى تسمية ما عجز اضطراب ما بعد الصدمة عن احتوائه: العار، الخيانة، انهيار الثقة بالذات. بخلاف الصدمة، يتحدث الأذى الأخلاقي صراحة عن التعدّي. يعترف بأن المعاناة قد تنبع لا مما تعرّض له الشخص، بل مما ارتكبه.

للوهلة الأولى، يبدو وكأن الأخلاق عادت إلى الطب النفسي بعد عقود من التحييد. لكن هذه العودة محكومة بإطار دقيق. فالأذى الأخلاقي يعيد صياغة الانهيار الأخلاقي بوصفه إصابة في الذات، لا دليلًا على ظلم بنيوي أو جريمة سياسية. الضمير يصبح متغيرًا عياديًا، والذنب عرضًا نفسيًا، والانهيار هدفًا علاجيًا. التحليل يبقى داخل حدود النفس الفردية. بهذا المعنى، لا يقطع الأذى الأخلاقي مع تاريخ الطب النفسي، بل يطوّره. حين يواجه المجال معاناة ناتجة عن المشاركة في العنف لا عن التعرّض له فقط، يصبح الادعاء بالحياد أصعب. فيقدّم الأذى الأخلاقي حلًا وسطًا: الاعتراف بالتمزّق الأخلاقي من دون تجاوز حدود العيادة. تتبدّل اللغة، لكنّ السياسة قد تبقى كما هي.

الأذى الأخلاقي: من جيش إبادة إلى «فئة مرضى»

هنا تحديدًا يدخل «الأذى الأخلاقي» بوصفه خطابًا مغريًا للإعلام الإسرائيلي ولعدد من الأطباء النفسيين. يبدو وكأنه يعيد إدخال الذنب إلى اللغة العيادية، لكن بصيغة مضبوطة بعناية، لا تتحول إلى اعتراف. الذنب يصبح عارضًا. الجندي لم يعد فقط مسؤولًا عن ارتكاب جرائم فظيعة؛ بل صار «مصابًا بأذى أخلاقي». معاناته حالة تُغطّيها وسائل الإعلام، تدرّسها الجامعات، ويعالجها الأطباء. أما الأفعال الإبادية التي أنتجت هذا «الأذى»– تدمير أحياء كاملة، استخدام دروع بشرية، إطلاق نار عشوائي– فتختفي من السردية. التشخيص يعيد تمركز الألم الإسرائيلي، ويدفع الألم الفلسطيني خارج الإطار.

حين يُدمج الفاعلون والشهود والضحايا في فئة واحدة وهي «المتضرّرون أخلاقيًا»، تُطمس الفروقات التي تقوم عليها العدالة. يمكن للدولة الاستيطانية أن تعترف بأن شيئًا فادحًا حدث على مستوى الضمير، من دون أن تسأل إن كان الخطأ في المشروع ذاته. يتحوّل الضمير إلى مشكلة تقنية/ طبية، يتولاها المعالجون بالتهدئة والتطبيع.

عبر تصنيف الجنود بوصفهم «مصابين بأذى أخلاقي»، يمكن لإسرائيل تأطير معاناتهم من دون مواجهة أسبابها. وعندما يُذكر السبب، يُعاد ربطه غالبًا بـ7 أكتوبر، أو يُقدَّم كاستجابة له، كما تفعل بعض المقالات الغربية. في هذه الأثناء، يلجأ بعض هؤلاء الجنود الذين شاركوا في أفعال إبادة إلى مزارع «علاجية»، وإلى رعاية حيوانات «تنظر إليهم بصمت»، وتساعدهم على «الشفاء». تصف تقارير كيف أصبحت تلك المزارع ملاذًا لعشرات المحاربين القدامى، حيث تُدمج الاستشارات النفسية بالعلاج بالحيوانات، وسط زقزقة العصافير وصوت الدجاج. هكذا يُعاد تأطير الفاعل من مشارك في الإبادة إلى ذات تبحث عن توازن داخلي.

إذا كان خطاب الصدمة قد سمح للطبّ النفسي بالحفاظ على حياد أخلاقي، وإذا كان الأذى الأخلاقي يعيد الأخلاق لكن بصيغة مُدارة، فإنّ المسألة تتعلق بتشابك المعرفة النفسية مع السلطة. السؤال لم يعد فقط كيف يعاني الجنود، بل كيف تُنظَّم هذه المعاناة ضمن نظام سياسي قائم. هنا تحديدًا يصبح نقد فرانز فانون للسوسيولوجيا المرضية للاستعمار ضرورة.

العقل يقول ما تعجز الدولة عن قوله

أيُّ نقاش عن الأخلاق يجب أن يبدأ– وينتهي– بأزمة الطب النفسي الأخلاقية. فرانز فانون فهم مبكرًا أنّ هذا الحقل لم يكن يومًا محايدًا. كطبيب نفسي في الجزائر الاستعمارية، شاهد كيف تُترجم اللغة العيادية العنف السياسي إلى أمراض فردية. الجلاد والضحية كانا يدخلان الجناح نفسه، وتُوصَف معاناتهما بوصفها «أعراضًا»، لا بوصفها نتاج نظام استعماري قائم على الهيمنة والاحتلال. بدأ الطب النفسي إنسانيًا ومحايدًا، لكنه كان يعيد الناس بهدوء إلى النظام ذاته الذي حطّمهم.

بالنسبة إلى فانون، لم يكن ذلك انحرافًا عابرًا، بل مشكلة بنيوية في الحقل نفسه. فالطب النفسي لا يقف خارج السلطة أو الاستعمار، بل ينظّم كيف تُعاش السلطة في الجسد والعقل، ثم يحتويها ضمن لغة تخدم النظام. سمّى ذلك «السوسيولوجيا المرضية» (sociogeny): المعاناة النفسية بوصفها نتاجًا لعالم سياسي. الاستعمار، كتب فانون، كان «مموّنًا خصبًا للمستشفيات النفسية»،(a fertile purveyor for psychiatric hospitals) لأنه ينتج تناقضات لا يستطيع الوعي احتمالها. ما يظهر في العيادة كقلق أو انهيار لا ينفصل عن النظام الاجتماعي الذي أنتجه.

هذا التحذير لم يكن معزولًا. كثيرون أشاروا إلى أنّ علم النفس والطب النفسي وُلدا داخل التشكيلات السياسية والاقتصادية التي صنعت الإمبراطورية، والهرمية العرقية، والرأسمالية. ولم يكونا مجرّد شاهدين عليها، بل أداة في تثبيتها. حتى حين اعتذرت الجمعية الأميركية لعلم النفس عام 2021 عن دورها في ترسيخ تفوّق البيض داخل الولايات المتحدة، جاء الاعتذار محدودًا، من دون مساءلة لتشابك الحقل مع الاستعمار والاحتلال وإنتاج المعرفة العنصرية على المستوى العالمي. نادرًا ما جعل علمُ النفس السلطةَ موضوعًا لتحليله، ولهذا كان في كثير من الأحيان أداة استقرار لا أداة نقد.

منذ القرن التاسع عشر، استُخدمت الفئات النفسية لتصنيف الشعوب الخاضعة وضبطها. «العبيد» الفارّون وُصفوا بأنهم مصابون باضطراب عقلي، وحركات التحرر قُدّمت كدليل على «هوس قبلي» أو خلل بيولوجي. عُدّت أنظمة المعرفة الأصلانية دليلًا على «وعي بدائي»، في إطار مشروع «الطب النفسي العرقي» الذي رتّب الثقافات على سلّم تطوّري. ارتبط الطب النفسي المبكر بحركة تحسين النسل، مانحًا شرعية علمية للتعقيم القسري وإيداع الشعوب المعرقنة في مؤسسات مغلقة، وانتزاع أطفال السكان الأصليين بحجة «التمدين». في كل هذه السياقات، تُرجمت المطالب السياسية وحركات المقاومة إلى أعراض سريرية. وحتى حين وُجّه النظر إلى نفسية المستعمِر، كان الهدف غالبًا التبرئة لا المساءلة: تصوير الفاعل بوصفه ضحية ضيقه.

بعد ستين عامًا، يبدو تحذير فانون– وتحذيرات الشعوب الأصلية التي خضعت لعنف الطب النفسي– ملحًّا من جديد. مع تصاعد حالات الانتحار، وتوسّع تشخيصات اضطراب ما بعد الصدمة، وانتشار لغة «الأذى الأخلاقي» في إسرائيل، يجد الطب النفسي نفسه أمام حدود حياده المزعوم. السؤال لم يعد فقط كيف يعاني الجنود، بل لماذا يجب طبابة هذا الألم أصلًا بدلًا من مساءلته سياسيًا. في هذا السياق، يبدو صعود مفهوم الأذى الأخلاقي أيضًا استراتيجية بقاء للحقل نفسه، يمتصّ عبرها أزمته الأخلاقية.

فإذا كان للمفهوم أي قيمة سياسية، فهي في ما يكشفه لا في ما يخفيه. الوباء النفسي الذي يتشكّل بين جنود جيش الاحتلال يشير إلى واقع ترفض الدولة الاعتراف به: أن إسرائيل ترتكب إبادة جماعية في قطاع غزّة. وأن دولة استيطانية تخوض حرب إبادة لن تدمّر فقط الشعب الذي تستهدفه، بل ستصيب أيضًا كثيرين ممّن جُنّدوا لتنفيذها. فبدلًا من مواجهة الكلفة النفسية لنزع الإنسانية الذي ينتجه المشروع الصهيوني، تتجه إسرائيل– في ما تسميه حروبها الوجودية– نحو جيش من الروبوتات يُحضَّر للحملة الإبادية التالية. فإذا كان الجسد البشري ينهار تحت وطأة التناقض، فالحل ليس العدالة، بل استبداله بآلة لا ضمير لها.

حين يرتفع عدد المنتحرين، وحين تتضخّم برامج التأهيل، وحين يتوسّع القاموس العيادي لاحتواء الذنب، فهذا دليل مباشر على بنية عنف مستمر. يمكن للدولة أن تعيد تصنيف القتلة كمرضى، وأن تنقل المسألة من ساحة العدالة إلى غرفة العلاج، وأن تمنح الضمير اسمًا تشخيصيًا ورمزًا في دليل طبي. لكن جثث الشهداء في قطاع غزّة لا تتحوّل إلى «أعراض»، والدمار لا يُختزل في جلسة علاج. كل محاولة لتطبيب الانهيار هي محاولة لحماية المشروع الذي أنتجه. وما يتكشّف اليوم داخل المجتمع الإسرائيلي ارتداد عنف نظام بأكمله على نفسه.

الأذى الأخلاقي

اخترنا لك

تعليق

اللذّة الفاحشة للحرب

سامر فرنجية
«مُغتصب سدي تيمان» على الشاشة: جيشنا صحّي
09-08-2024
تقرير
«مُغتصب سدي تيمان» على الشاشة: جيشنا صحّي
الجحيم يرحّب بكم: 55 شهادة من السجون الإسرائيلية
متظاهرون إسرائيليون يقتحمون قاعدةً عسكريةً لتحرير الجنود المُغتصبين
الذاكرة والمخيّلة ولون الدم
فكرة

الذاكرة والمخيّلة ولون الدم

سمير سكيني
الاحتلال يترك مفتجّرات بهيئة علب الطعام
الجنود الإسرائيليون يُقحِمون الإبادة بعالم الأطفال
جنود الاحتلال «يعفّشون» منازل غزّة 
سجال في الكنيست: أطفال غزّة جنوا على أنفسهم

آخر الأخبار

مواد إضافيّة
استيطان جنوب لبنان
03-04-2026
أخبار
استيطان جنوب لبنان
الأذى الأخلاقي
دراسة

الأذى الأخلاقي

رامي رميلة
ألمانيا تستقبل الشرع: تهديدٌ بترحيل اللاجئين السوريّين
02-04-2026
تقرير
ألمانيا تستقبل الشرع: تهديدٌ بترحيل اللاجئين السوريّين
فِرق الإسعاف تتحدّى العدوان في الجنوب
02-04-2026
تقرير
فِرق الإسعاف تتحدّى العدوان في الجنوب
اليونيسكو تحدّث لائحة 2024: الحماية المعزّزة لـ73 موقعاً ثقافياً في لبنان
حدث اليوم - الخميس 2 نيسان 2026
02-04-2026
أخبار
حدث اليوم - الخميس 2 نيسان 2026