سينوغرافيا الحروب الجدّية
لطالما كانت الحروب في الماضي أمورًا مخفية، جديّة، لا يُستهان بتمثيلها العامّ. الحروب أمور اضطرارية، تخوضها الدول، مُرغمة، بعد فشل كل الطرق الأخرى لحلّ نزاع أو فرض تحوّل سياسي. على الأقلّ، هكذا كانت تنظر أيديولوجية الدول الحديثة إلى العمل الحربي، وتحيطه، عند حصوله، بنوع من السينوغرافيا «الجدّية»، القائمة على قِيَم «نبيلة» كالوطن والشهادة والبطولة والتضحية. ولإضفاء جديّة أو نبل إضافي على الحرب، كانت المغامرات العسكرية، مهما كانت اعتباطية، تُحاط بخطابات أخلاقية وحضارية، كنشر الديموقراطية أو الدفاع عن الحرية أو الرسالة الحضارية.
التجاوز تحت السطح
وكان هذا السطح القانوني والأخلاقي والرسمي للحروب يتعايش مع «تسريبات» عن الفظائع التي كانت تُرتَكَب بإسم هذه القيَم، أو رغمها، تسريبات باتت موثقة بالدراسات والأفلام والروايات التي أظهرت، غالبًا بعد الحدث، حقيقة ما كان يجري تحت شعار نشر الديموقراطية أو تحضير الشعوب. ومن أحدث هذه التسريبات، فضيحة سجن أبو غريب في العراق، والتي أظهرت التعذيب والانتهاكات التي كانت تقوم به القوات الأميركية تحت ستار نشر الديموقراطية، انتهاكات شبيهة بجنون العقيد كرتز في فيلم Apocalypse Now (1979)، للمخرج فرانسيس فورد كوبولا، والذي بات «حقيقة» حرب فيتنام في قساوتها وإجرامها والتلذّذ بتعذيب الخصوم.
اللذّة في تجاوز القانون
ما تشير إليه هذه الحوادث ليس تعايش «حروب نبيلة» مع بعض الانتهاكات لجنود معزولين، بل تعايش القانون مع «اللذّة الفاحشة» للعسكر في تدمير وتعذيب وقتل أعدائهم. وهناك كانت الفضيحة، وهي أنّ الحرب كشفت عن هذه اللذة الفاحشة حيال العنف والتمتع بتعذيب الآخر وقتله والنشوة التي ترافق الموت. وما كان لهذه اللذّة الفاحشة أن تكون لولا الخطابات القانونية التي تفرض القيود والحدود. التجاوز ممنوع من قِبَل القانون وحقيقته في آن. هو الاستثمار الغريزي بالقانون وسلطته التدميرية، كما هو الخارج على القانون، والفائض الذي على القانون ضبطُه. هذه العلاقة بين القانون وتجاوزه، أو الترفّع عن العنف والتلذّذ به، سقطت مع الحروب الأخيرة.
صمت الحروب الحالية
بدأت هذه العلاقة تهتزّ مع «صمت» الحروب الراهنة، بدايةً مع إبادة غزّة. ما نعنيه بـ«الصمت» هنا، هو فقدان هذه الحروب إلى أيٍّ من التبريرات السابقة التي كانت تحيط بها أو القوانين التي كانت تقيّدها. بدأ ذلك مع الإبادة، وعملية القضاء الممنهج على ترسانة القوانين الدولية، ومن ثمّ استمرار الإبادة رغم الاعتراضات، مقيّدةً فقط بقدرة الجيش الإسرائيلي على الاستمرار. وجاءت الحرب الراهنة على إيران ولبنان لتعمّق «صمت» الحرب. فلم يُقدَّم أي تبرير أو حجة لهذه الحرب، خارج بعض التناقضات الأميركية ورغبة إسرائيل التوسّعية. زالت «السينوغرافيا الجدّية»، لتبدو الحرب مجرّد ترجمة لتفوّق عسكري بات هو المعيار الوحيد لخوضها. الحروب باتت سعيًا مكشوفًا للهيمنة والسيطرة.
اللذّة من دون عائق
مع انحلال الغطاءات الخطابية التي كانت تُلبَّس وتضبُط السعي للهيمنة والسيطرة، بات ما يقبع تحت السطح، أي «اللذّة الفاحشة» حيال العنف، من دون أي عائق. نراها في ظواهر متعدّدة تكشف التلذّذ بالعنف والاستمتاع به. فتظهر بإعلانات البيت الأبيض، المركّبة من خلال تقنيات الذكاء الاصطناعي، والتي تشير إلى مخيلة مراهق يتلذّذ بألعاب الكبار. كما تظهر في بعض منصات المراهنة على الحرب، والتي حوّلت القتل والعنف إلى لعبة، نتلذّذ بمخاطرها من خلال المراهنة عليها. كما نراها في آلاف الفيديوهات لجنود إسرائيليين يتباهون بتدميرهم وتعفيشهم للبيوت وإذلالهم وتعذيبهم لضحاياهم. كما يظهر في تباهي المسؤولين، الأميركيين والإسرائيليين، بقدراتهم التدميرية كأطفال يتلذذون بألعابهم الجديدة. وربّما كان الأكثر تجسيدًا لهذه «اللذّة الفاحشة» وزيرُ الحرب الأميركي بيت هيغسيث الذي لا يبدو أن له دوراً غير التباهي المراهق بماكينة الدمار الأميركية والتلذّذ العلني بالدمار الذي تخلّفه.
نموذج أبو غريب بات معمَّمًا بعد سقوط الخطابات الضابطة والقوانين. اللذّة الفاحشة لم تعد تجاوزاً لقانون قاسٍ. باتت هي القانون.
الاستمتاع بالعنف
التلذّذ العلني والرسمي بالعنف كسرَ ازدواجية الحروب، بين خطاباتها النبيلة وعمقها العنفي، لتتحوّل «اللذّة الفاحشة» بالعنف إلى ما يشبه «الأمر»: استمتعوا بالعنف! هذا ما تطلبه السلطة منّا. فعندما صرّح ترامب أن القانون الدولي أو المعاهدات لن يحدّدا صلاحياته، بل وحدها «أخلاقه الشخصية» ما يحدّد أفعاله، لم يكن يمزح أو يهرّج. كان يعلن وفاة فكرة القانون، كالنظام الرمزي الضابط لأيّ نظام. وبدل القانون، تصبح اللذّة المشتركة حيال العنف هي ما يجمع النظام، أي أنّ مشاركتنا بالتلذّذ بالعنف، إمّا مباشرةً أو من خلال هواتفنا، هي ما تشكّل الرابط بيننا. أو، بكلام آخر، بات منطق جزيرة إبستين، حيث اللذة المشتركة حيال العنف هي القانون الوحيد، هو منطق عالم ترامب ونتنياهو، بعد الإبادة وحروبهم.
لكنّ القانون كان يشكّل شرطَ وجود اللذّة في تجاوزه، والضابطَ لعدم إفلات هذه اللذة من السيطرة. وبغيابه، تصبح هذه اللذة غير كافية، تتطلب ما هو أكثر دائمًا، خارج أيّ ضابط يمكن أن يردعها. كأن السلطة الجديدة للعالم تقول لنا: استمتعوا بالعنف لأنه باقٍ هنا وسيتمدّد.