تعليق الحرب على لبنان
زياد ماجد

في تعاملَيْن إطلاقيَّيْن مع إسرائيل

1 حزيران 2026

التشابه في مقاربة إسرائيل

ثمة تشابه متزايد في تحليل «الفلسفة الحربية» الإسرائيلية بين مريدي حزب الله وبعض ألدّ أعدائه اللبنانيين. ذلك أنهم يُجمعون على ثلاثة أمور.

الأمر الأول أنّ إسرائيل تتصرّف عسكرياً على نحو «إطلاقي» أو حتى «ماهوي»، وعلى أسس لا ترتبط بالظروف السياسية ولا بالمعادلات الإقليمية والدولية وموازين القوى فيها. فحروبها هي إمّا حتميّة، لا مفرّ منها ولا ضرورة لمناقشة جدوى فتح جبهات ضدّها لأنها في أي حال ستشنّ الهجمات التدميرية وستقتل بلا حسيب أو رقيب، وإما مجرّد ردّات فعل يمكن دائماً تلافيها لأن تاريخ العنف الإسرائيلي هو تاريخ دفاعيّ، وكل ما يجري حالياً هو نتيجة تعرّض إسرائيل لعنف تقابله بعنف مضاعف. 

الأمر الثاني، ربطاً بالأول، أن الحل الوحيد معها هو إما قتالها حتى إزالتها، أو السلام معها لأنه سيُنهي الخراب والخسائر ويوفّر مستقبلاً مستقراً في لبنان والمنطقة. بمعنى آخر، هي طرف غير مبادر وغير «سياسي» ولا أهداف له في ما يخصّ محيطه المباشر، والحل معه كما مستقبل المنطقة لا هوامش عمل سياسي فيه، ولا فرضيات واحتمالات تبدُّل ودبلوماسية وثقافة وبناء تحالفات بأساليب مختلفة. بل حرب مفتوحة أو «سلام» لا يُعرف المقصود به في ظلّ الاحتلال وتفجير البلدات والقتل اليومي في لبنان، وفي ظل استمرار الإبادة في غزة والاستيطان المتوحّش في الضفة والقدس والاجتياحات في سوريا.

أما الأمر الثالث، فمفاده أن القانون الدولي وكل ما بنته الإنسانية من نظم كونية وقيم تضامن وتفاعل تحملها القوى الاجتماعية («الغربية» تحديداً) المكافحة من أجل عالم أفضل، لا أهمية لها في ما يخصّ إسرائيل. فهي موضع تشكيك واتهام بانعدام الفاعلية والجدوى من ناحية، وموضع تندّر واستخفاف بالمصداقية والمعرفة (خاصةً حين تعادي إسرائيل!) من ناحية ثانية.

إسرائيل استثناء خارج عن التاريخ

والحقّ أنّ الأمرين الأول والثاني يُشيران الى تعاملٍ مع إسرائيل بوصفها كياناً «لا تاريخياً». فالتاريخ عند البعض مُستبدل بالغيب (مثل غيبية التيارات الدينية في إسرائيل ذاتها)، أي أنه خلاصي، لا حاجة لغير المضيّ الملحميّ فيه قتالاً ومقاومةً بمعزل عن العلم والتكنولوجيا والأحوال السياسية والاقتصادية وأوضاع المجتمعات. 

وهو عند البعض الآخر يأتي «وفق الطلب»، أي في محطات محددة تلبّي نظريّتهم. فالقصة عندهم تبدأ في السابع من أكتوبر، بما يجعل كل ما جرى بعده «طبيعياً» أو دفاعياً، ولَو وصل الى حدود الهمجية الإبادية. فإعمالاً لنفس منطقهم التبريري أو تفهّمهم للعنف، لا بحث في ما سبق السابع من أكتوبر من حصار مستمرّ على غزة منذ العام 2007 ولا من سلسلة حروب قتلت بين العامين 2008 و2021 أكثر من 5,000 مدني من أهلها. 

والجدير بالذكر أنهم قد اعتمدوا سابقاً المنطق نفسه لتفسير انهيار «أوسلو»، فأحالوا تبدّل مواقف الإسرائيليين من «السلام» إلى «عنف العمليات الانتحارية» وليس إلى استمرار الاستيطان وسرقة الأراضي في القدس والضفة، ولا إلى هجرة مليون شخص من الاتحاد السوفياتي السابق إلى إسرائيل في غضون ثماني سنوات (بين العامين 1991 و1999) وما عناه الأمر سياسياً وديموغرافياً، ولا إلى مجزرة الحرم الإبراهيمي في الخليل، ولا حتى إلى تعهّد نتنياهو وشارون منذ العام 1993 بسحق «أوسلو» ورفض أي دولة فلسطينية (حتى قبل عودة ياسر عرفات إلى فلسطين وإقامة السلطة الوطنية)، وحملات التحريض التي قاداها وغطّت اغتيال إسحق رابين. 

المسألة إذاً هي قتال بلا أفق، أو سلام على أساس أن المشكلة هي عندنا وليست عند دولة تقوم رسمياً على فلسفة تفوّقية يحقّ لها ما لا يحقّ لغيرها، بما في ذلك الهيمنة والاحتلال والتوسّع وصولاً إلى «الإبادة الاستباقية».

وفي الأمر الثالث، يُظهر الموقف ممّا يجري في العالم، ومن القوى الاجتماعية التقدمية تحديداً، والقانون الدولي، ثقافة انتقائية وقلّة دراية أو متابعة، تسمح رغم ذلك بإصدار أحكام مبرمة. على هذا الأساس، يحلّل البعض أحوال مجموعات وأحزاب بناءً على مواقف مسبقة أو على مراقبة متسرّعة، ويعتمد مقاربات هي نفسها ما يعيبه على سواه إن تباينت المواقف. وعلى هذا الأساس أيضاً يكرّس الجميع تعاملاً مع إسرائيل بوصفها استثناءً خارج أي سياق. فهي إما أصل المصائب كلّها، في نفي مكرّر للاقتصاد والاجتماع والسياسة، أو «مفتاح الفرج» والسبيل لإظهار «النضج والحكمة بعد التجارب الأليمة»، بمعزل عن القانون والحقوق والشروط وعن ضرورة التمييز بين «وقف الأعمال العدائية» وبين سلام لا سبيل له من دون حلّ شامل في المنطقة يتسبّب غيابه بطور صراعي جديد كلّ فترة.


هكذا، يبدو كثرٌ اليوم في عزّ المقتلة والخراب المعمّم والكارثة الواقعة في بلادنا، غير قابلين بمراجعات لسهل الكلام وللمكابرة الانتصارية فوق الأنقاض والجثث، أو للتبشير بحلول سحرية تأتي من خلال اتفاقات لا يعلم أحد من سيوقّعها وكيف وبأيّ ملابسات. والأنكى أن الجميع يتحدّث عن «الدولة». تلك التي لا ناظم بالفعل لحياة جماعية في عالم اليوم من دونها، وتلك التي لا حزب الله (وإيران) ولا إسرائيل (والتطبيعيون معها بأيّ ثمن) يريدونها في بيروت، إلا وفق مفاهيم هي أبعد ما تكون عن مقتضياتها وعن شروط قيامها.

آخر الأخبار

مواد إضافيّة
مختارات من الصحافة الإسرائيلية 1/6/2026 
غارة إسرائيلية قرب مستشفى جبل عامل تُلحق أضراراً جسيمة بأقسامه
مسيحيون صهاينة في الكنيست: صلاة إعتذار لإسرائيل
حصيلة محدثة في لبنان: 3,433 شهيداً، 10,395 جريحاً
النمسا تلاحق رجال الأسد: بدء محاكمة الضابطَيْن خالد الحلبي ومصعب أبو ركبة
إسرائيل كاتس: لا هدوء في بيروت من دون هدوء في الشمال