في الوقت الذي ينتظر فيه الجميع في لبنان مآل التفاوض في إسلام آباد وواشنطن، ويعلن حزب الله تمسّكه بالاستراتيجية الإيرانية وبخياراتٍ لم تردع آلة القتل الإسرائيلية ولم تحدّ من توسّع الاحتلال، تواصل إسرائيل تنفيذ سياسة الأرض المحروقة، ساحقةً البيوت والبنى التحتية في الجنوب.
وفيما تتصاعد السجالات والاتهامات، وينبري سياسيون وكتّاب إلى تحليل المشهد الجنوبي وفق مقاربات لا تبدو إسرائيل، في كثير منها، فاعلاً صاحب سياسة، بل مجرّد طرف يستجيب للأحداث ولأهوائهم، تُسالم إن سالموا فتنسحب إلى الحدود، أو تقتل وتدمّر إن تأخّر الأمر، تواصل إسرائيل نفسُها توسيع رقعة احتلالها وقضم المزيد من البلدات وتفجير معالم الحياة فيها. وهذا في ذاته، صار هدفاً رئيسياً من أهدافها، منذ حربها الأخيرة في غزة قبل عامين ونصف، وفي استعادة لما اعتمدته أيضاً لحظة قيامها، أي لحظة النكبة الفلسطينية، قبل ثمانية عقود.
الإبادة العمرانيّة
حوّلت إسرائيل الحطام، أو الخراب، إلى سياسة متكاملة: سياسة تصيب المكان والزمان معاً. فمن خلال تدمير البيوت والمكتبات والأرشيفات والصور والوثائق العقارية، وصولاً إلى المقابر، يشنّ الإسرائيليون حرباً على الحاضر وعلى الذاكرة. يمدّدون سطوة الحرب إلى ما بعد القصف و«وقف إطلاق النار»، ويحوّلون مشهديّة الحطام إلى مؤسّسة للعقاب، وإلى استعراض للقوة وللحصانة في انتهاك القوانين الدولية.
وتندرج السياسة المذكورة في غزّة، في فلسطين، في صلب مشروع إبادة أوسع. فهي تواكب سحق الأجساد، وتدمير شروط الوجود البيولوجي، واستهداف البنى التحتية الحيوية، والتشتيت القسري لمن ينجو من السكان، وتفكيك الحياة الجماعية. تمحو الأبنية السكنية والمستشفيات والمدارس ودور العبادة والجامعات والأسواق والمدافن والطرقات والمباني الإدارية، فتصيب العالم الاجتماعي برمّته: من أمكنة الولادة والتعلّم والعناية الصحية، إلى أمكنة الدفن وحفظ الذاكرة والوثائق التي يثبت بها الناس أسماءهم وأملاكهم وأنسابهم وحقّهم في الوراثة والبقاء.
وفي جنوب لبنان، تهدف سياسة الخراب إلى ترتيب آخر، ضمن استراتيجية تهجير قسري وصناعة عمق غير قابل للسكن، أو منطقة محتلة ومحروقة. فالقرى والمدن الحدودية التي تُفجَّر بالديناميت بعد قصفها، والأراضي الزراعية المتضرّرة والمضروبة بالفوسفور الأبيض، تؤلّف جغرافيا موحشة يصعب تخيّل إعمارها في المدى المنظور، وسيستمرّ لفترة نزوح أهلها.
زمن الأذيّة الطويل
يفرض الخراب سلطةً زمنية فريدة. فالتدمير يحدث في لحظة، أمّا آثاره فتمتدّ لعقود. ذلك أنّ انهيار مبانٍ في ثوانٍ لا يعني فقدان المأوى وحده، بل فقدان علاقة بحيّ، ثم فقدان معظم الأدلّة على حياة كانت قائمة. فالحيّ المدمّر تختفي، عند انهياره، حالات معيشية يومية: باب الجيران المفتوح، والشرفة التي كان يصدح منها صوت أم كلثوم، وطريق الأطفال إلى المدرسة، والفرن عند الزاوية، وروائح الطبخ، والجدران التي كانت ترتدّ منها كرات لاعبي كرة القدم الصغار، وهمهمات المؤذّن قبل الصلاة، وكل تلك الإيماءات المتناثرة التي كانت تبدو بلا أهمية، عند تحيّة شخص أو محاولة تفادي شخص آخر، لكنها كانت مجتمعةً تصنع معنى الوجود. يطال الخراب نسيجها الخفيّ، ويمحو ما ستعجز أيّ إعادة إعمار، إن حصلت، عن استعادته.
هكذا، إذ تُهدم الأمكنة، تصير البيوت شأناً سياسياً. تغدو محور ما يعنيه استهداف المجتمعات. فانهيارها يسحق أرشيفات حميمة. ينتشل الناجون من بين ركامها مفتاحاً أو غلاف كتاب، أو لعبة أو رسالة حبّ أو إطار صورة مكسوراً أو خاتماً ذهبياً موروثاً أو وعاءً ملتوياً، أو حتى قطعة ثياب داخلية. تحمل هذه البقايا ثقل عالمهم الذي اختفى. تصبح براهين وجدانية ينتزعونها وسط الغبار واحتمالات النسيان الأبدي.
الخراب كجريمة إداريّة
يضيف تدمير إسرائيل للأرشيفات ولسجلات الملكية بُعداً حاسماً إلى سياسة الخراب وصل مؤخراً الى جنوب لبنان، بعد أن كان معمّماً في فلسطين. فسندات الملكية وشهادات الولادة وعقود الزواج والإفادات الجامعية والملفات البلدية والخرائط العقارية وسجلات السكان، كلّها تؤلّف الإطار القانوني لأي مجتمع. ونهبها أو تدميرها يعني تصنيع فوضى يُراد لها أن تدوم. فالعائلة التي تفقد بيتها يُطلب منها أن تثبت لاحقاً امتلاكها لما اندثر. والوارث يُطالَب بأن يبرهن إرثاً احترقت أوراقه. والحيّ المدمّر يغدو فضاءً متنازعاً عليه، مكشوفاً لاحتمالات التزوير والمضاربة أو «إعادة الإعمار السلطوية».
بهذا المعنى، يكمل الهجوم الإسرائيلي على الأرشيف الهجوم على الحجر. لأنّ الخراب المرئي يُطيح بالمكان، أمّا الخراب الإداري، فيزعزع الحقّ في ذلك المكان. يجد الناجون أنفسهم أمام اختفاء مزدوج: اختفاء البيت واختفاء الوثائق التي تشهد على وجوده الاجتماعي. هكذا يتحوّل العنف الإبادي إلى إجراء لا ينتهي، مخلّفاً حقلاً من الشكوك واللايقين.
من الغياب إلى الاستمرار
سيعيش جيل فلسطيني كامل مع هذه التجربة. وسيتعلّم أطفال رفح وخان يونس وجباليا أسماء الأماكن من خلال ما اختفى. سيسمعون عن مدرسة هُدمت، وسوق كان قائماً، ومبنى لم يبقَ منه غير صورة أو ملصق. ستتشكّل ذاكرتهم في حوار دائم مع الغياب. بعضهم سيكبر تحت الخيام، أو في مراكز الإيواء الجماعي، أو عند الأقارب. وستُوسَم علاقتهم بالعالم بإلفة فظيعة مع الانهيار، ومع هشاشة الإسمنت الذي كان يبدو صلباً.
وقد يعيش جيل لبناني جنوبي مثلهم، في علاقة غامضة مع الحطام والفراغ، ولو في ظروف أقلّ قسوة.
لكنّ الخراب يمكن أن يحمل معنى أوسع من تعريف إسرائيل له كسياسة أو كهدف. فهو قد يحتفظ بأثرٍ لما حاولت الإبادة محوه نهائياً. ويمكنه أيضاً أن يصبح شهادة، ما دام سكان موضعه السابقون قد نجوا وعادوا إليه.
لذلك، ستستمرّ الحياة في غزّة. وسيواصل أناس كثرٌ العمل والصبر وتحمّل الظلام. وهذا ليس عزاءً. فالاستمرارية لا ترمّم ما لا يُرمَّم، ولا تحوّل الألم إلى وعد. إنّها تقول فقط إن الحياة، حتى وإن طُعنت، تبقى حيث أرادت سياسة الخراب الإسرائيلية أن تفرض العدم.
وفي جنوب لبنان، ستعود الحياة يوماً إلى القرى المهدّمة والمقفرة، وستصارع من أجل البقاء، ومن أجل ألا تصير الفيديوهات التي تمزّق القلب اليومَ، آخر فصول الحكاية.