الامتحانات الرسميّة وواقع الانقسام
انفجر سجال جديد، من مخلّفات الحرب الراهنة، حول الامتحانات الرسمية، بين مَن يطالب بإجرائها حفاظًا على دورها التربوي وحاجة الطلبة لامتحانات لدخول بعض الجامعات والحصول على المنح، وبين مَن يرفضها لفقدان شروط تسمح بخوض هذا الاستحقاق بشكل عادل ومتساوٍ وآمن.
مسألة الامتحانات الرسمية ليست تقنية، بل باتت تمسّ بطبيعة العقد الاجتماعي الذي يؤسّس لوحدة البلاد. فمن جهة، هناك من يريد الحفاظ على الامتحانات الرسمية، معتبرًا أنّه ليس من العدل أن يدفع بعض الطلبة ثمن «حروب الآخرين على أرضهم»، وإن كان الآخرون هذه المرة من اللبنانيين. ومن جهة أخرى، هناك مَن يرى أنّ التمسّك بالامتحانات يخالف شروط المنافسة العادلة كما يعرّض الطلبة لخطر أمني، معتبراً أنّ العقد الاجتماعي يفترض أن نتمسّك بوحدة المصير في وجه الحرب وانقساماتها.
السجال حول الامتحانات الرسمية هو صورة مصغّرة عن السجالات الآتية حول طبيعة العقد الاجتماعي بعد الحرب. ففي لحظة الانقسام التي نعيشها، انفجر السؤال الكامن في أيّ مجتمع سياسي، السؤال عمّا يجمع بعضنا ببعض. انفجر هذا السؤال في مناخ من التصادم الذي حوّل واقع الانقسام إلى حالة من التناقض، منذرًا بسجالات مستقبلية حول جميع جوانب هذا «المشترك».
واقع الانقسام
لم يعد سرًا أن الانقسام السياسي والإعلامي وصل إلى ذروته في البلاد، خاصة بعد سقوط «التابوهات»، ما حرّر الخطاب السياسي من أيّ ضوابط ليفضح مدى الكره والتباعد بين اللبنانيين. ليست المرة الأولى التي ينقسم فيها اللبنانيون طائفيًا أو سياسيًا، لكنّها ربّما الأخطر في العقود الأخيرة.
ففي الماضي، كان هناك «مشترك» ما، في المعاش والتجارب والحياة، يضبط حالات الانقسام أو الرغبات في التباعد. وكانت الخطابات الفئوية أقرب إلى محاولة لتقسيم واقع مشترك ممّا هي تمثيل لهذا الانقسام. كان الردّ عليها يقوم على تظهير هذا «المشترك» وتسييسه، سواء من خلال التركيز على صراعات «جامعة» أو تجارب مشتركة أو معاش واحد.
لكنّنا اليوم أمام وضع مغاير. فالواقع نفسه بات مقسومًا، بين تجربتين ومعاشين يبتعدان يوميًا عن بعضهما بعضاً. فبين من يستطيع «الحفاظ» على بعض من «الطبيعية» في حياته اليومية وتقديم امتحانات رسمية والنوم في منزله وتمضية يوم على شاطئ البحر وبين من باتت هذه الأمور مستحيلة عليه، ثمّة هوّة تتسع كل يوم. وهذه الهوّة، في الحياة اليومية، تؤسس لحالة الانفصام السياسي التي نعيشها، بين من يقاوم في الجنوب ومن يفاوض في واشنطن، وبين من يريد شرب البيرة في تل أبيب ومن يريد العودة إلى بلدته.
هذه المرّة، لم يعد الانقسام اللبناني على مستوى الخطاب وحسب، بل بات يؤسس لواقعين ومجتمعين وتجربتين. التكابر على هذه الحالة هو بالخطورة نفسها لمحاولة تحويل الانقسام إلى تناقض.
تقسيم الواقع
لم ينقسم الواقع جرّاء نفسه، أو لمجرّد انتمائنا لطوائف مختلفة. فمنذ بداية الحرب الإسرائيلية على لبنان، وهناك سياسة إسرائيلية ممنهجة لتقسيم البلاد كمدخل لعزل حزب الله وبيئته عن باقي المكوّنات. تبدأ هذه «الخطة» من التصاريح الإسرائيلية ومقاربتها للتفاوض كعلاقة بين دولتين في وجه مكوّن إرهابي، خارج عن أي سياق اجتماعي أو وطني أو طائفي.
نجح خطاب «العزل» الدبلوماسي هذا لكونه قائماً على سياسة عسكرية أنتجت حالة الانقسام في الواقع. فمن خرائط الإخلاء التي رسمت تصوّراً جديداً للبلاد بين مناطق آمنة ومناطق مستهدفة، إلى سياسة الاغتيالات التي عزلت أي نازح وحوّلته إلى مصدر خطر لمن يستقبله، مرورًا بتطييف القصف وتحويل الانتماء الطائفي إلى فارق بين الحياة والموت، نجحت إسرائيل في ابتكار خارطة جديدة للبلاد.
لكنّ حالة الانقسام ليست مكانية وحسب، بل هي زمانية أيضاً. فإطالة حالة النزوح، وتدمير المناطق لمنع أي عودة مستقبلية، كما الحرب على الذاكرة الشيعية في المناطق الجنوبية، حوّلت الزمان إلى مصدر انقسام. فاستمرار الحرب، بالنسبة للبعض، وما يسمى بـ«الهدنة»، بالنسبة للبعض الآخر، نجحا في خلق معاشين ومخيّلتين وذاكرتين مختلفتين، قبل أن تأتي الدعاية الإسرائيلية لكي تحوّلهما إلى تجربتين متناقضتين.
تحويل الانقسام إلى تناقض
هذا لا يعني أنّه ما مِن انقسام «محلي» سابق على الحرب الإسرائيلية، كما لا يعني أنّها المرّة الأولى التي نعيش فيها تجارب مختلفة في بلد مقسوم طائفيًا أصلًا. فهناك تجارب طالت مناطق أو جماعات دون غيرها، كانفجار المرفأ أو الاغتيالات أو حرب 2006، كما هناك تجربة الجنوب التاريخية ضمن الاحتلال، والتي كانت مغايرة عن تجربة سائر البلاد التي كانت تعيش آنذاك مرحلة إعادة إعمار وبناء دولة.
فالانقسام أو الاختلاف ليس جديدًا. الجديد هو في غياب أي خطاب يحاول ضبط هذا الاختلاف أو تقديم رواية جامعة تديره. فالجنوب المحتلّ بقي جزءاً من المخيلة اللبنانية، حتى ولو كان واقعه مختلفاً. حتى الحرب الأهلية تمّ استيعابها في روايات جامعة، حاولت الجمع بين تناقض تجاربها في مظلومية وطنية. أمّا اليوم، فما من محاولة لتقديم خطاب جامع، حتى من باب رفع العتب. فقد استسلمت الدولة لدورها كشرطيّ ورضخت القوى التغييرية لتتحوّل إلى ذَيْل للقوى المتصارعة. وقبِل الجميع بنهائية الانقسام الجديد.
في ظل غياب هذا الخطاب، انتشرت خطابات فئوية، تريد تحويل واقع الاختلاف إلى حالة من التناقض، لا خروج منها إلّا من خلال العنف. فانتشر الكلام عن الفدرالية كخروج من «مشترك» بات مكلفاً، كما توسّع الكلام عن السلام في بلاد تُحتلّ فيها يوميًّا مساحة جديدة. وقرّر البعض أنّ ثمن العيش سويًا أكبر من ثمن الاستسلام، فبدأوا يطرحون مشاريع سلام وهمية وإصلاحات في قانون التخابر مع «العدو» والتباهي برغبة زيارة إسرائيل. أمّا إعلامهم، فبات هدفه إظهار ثمن النزوح على باقي البلاد وليس ثمن الحرب، لكي يعمّق التناقض ويؤكّد أن لا عودة من حالة الانقسام التي نعيشها. بالنسبة لهؤلاء، ما من انقسام، بل تناقض. فالعيش «معهم» بات هو المشكلة، ولا حلّ إلّا من خلال الانفصال أو العزل.
الانقسام الباقي
الانقسام ليس وليد الحرب الأخيرة، لكنّها عمّقته إلى حدّ لم يعد يستطيع النظام السياسي استيعابه. كما أن الوحدة ليست مقدّسة، وفرض عقد اجتماعي مهترئ على بنيان مفتّت قد يُنتج مآسيَ أكبر من الحرب.
لكنّ مقاربة هذا الانقسام بالخفّة الرسمية الحالية أو بعنفوان دعاة التناقض والطلاق لا تشكّل حلًا، بقدر ما تؤجج الخلافات والانقسامات. وذلك خاصةً مع السياسة الإسرائيلية الحالية التي تهدف إلى استمرار حالة من الانقسام المُشِلّ، سواء من خلال استمرار حالة من الحرب المتواصلة أو من خلال خلق مناطق «استثنائية» تفرّط بأي سيادة أو من خلال انفصام دبلوماسي يحوّل التفاوض إلى أرضية لحرب بلا أفق.
قد لا نستطيع مواجهة انقسام الواقع في ظل الحرب، لكن يمكن تفادي تأجيجه، في انتظار ظروف أفضل لمواجهة سؤال العقد الاجتماعي.