عن انتحار حزب الله…
في 2 آذار 2026، ربط حزب الله مصيره ومصير الجنوب اللبناني بالحرب الإيرانية، معلنًا أنّ مستقبله كحزب بات حصريًا في يد المحور. في ذلك النهار، ارتكب حزب الله ما يشبه الانتحار السياسي. والانتحار هنا ليس مجازًا أو تعبيراً شاعريّاً عن جريمة أو خطأ، بل هو فعل يعلن نهاية مرحلة، أو على الأقلّ فعل يعلن أن الفاعل لن يكون نفسَه بعد انتهاء هذه الحرب.
لم يأتِ هذا الانتحار فجأةً، بل كخلاصة سياق انحدار الحزب المقاوم، لم يقضِ على شرعية التنظيم السياسي والعسكري وحسب، بل أيضاً على فكرة «المقاومة» التي جسّدها في مرحلةٍ ما. في ذلك النهار، طوى حزب الله صفحته، ومهّد لمرحلةٍ من المستحيل أن يستمرّ بها كما كان.
لكنّ انتحار حزب الله لا يبرّر الانتحار المقابل. فلطالما كانت مناهضة حزب الله تتصارع مع خطر الانزلاق إلى معارضات طائفية أو عنفية، وتحاول دائمًا تفادي التحوّل إلى صورة معاكسة له، إلى أن رضخت لرغبة التماثل مع الخصم.
…وعن انتحار مقابل
آخر محطة في مسار هذا التماثل كانت توقيع «الاتفاق الإطار» الذي يُعَدّ بمثابة انتحار سياسي مقابل.
لم يأتِ هذا الانتحار من فراغ، بل بعد سنوات من تفاقم الاعتراض على حزب الله ومغامراته من جهة، وتصلّب مواقف وقرارات «لبنان الرسمي» حيال حزب الله، من جهة أخرى. فجاء توقيع «الاتفاق الإطار» الذي، بالرغم من محاولات ممثّلي «لبنان الرسمي» إعادة تفسيره، يشرعن الرواية الإسرائيلية من دون أي مقابل.
هو انتحارٌ لأنّ «الاتفاق الإطار» لم يوقَّع كي يُطبَّق، بل لمعارضة المسار التفاوضي الآخر فحسب، أي «مذكرة التفاهم» الأميركي- الإيراني. ولن يُطبَّق لأنّه يحتاج إلى موافقة الثنائي الشيعي وإلى تنازلات إسرائيلية، وكلاهما مستحيل حتى هذه اللحظة. بهذا المعنى، هو أقرب إلى عمل انتحاري، هدفه الوحيد منع تسليم لبنان إلى المسار المقابل.
سيادة مُهترِئة تخرج من المفاوضات
لهذا الانتحار ثمنٌ، وهو «السيادة»، هذا الشعار الذي شكّل محور السياسة اللبنانية لعقود، والذي يخرج من بنود الاتفاق مهترئاً ومبعثراً، كما خرج مفهوم «المقاومة» من مغامرات حزب الله في العقد الأخير.
قدّم عرّابو «الاتفاق الإطار» اللبنانيون التوقيعَ كخطوة أولى نحو استعادة الدولة سيادتها. لكنّ هذا الفعل السيادي لا يلغي مضمون ما تمّ التوقيع عليه، وهو رضوخ للرواية الإسرائيلية وتجزئة للسيادة الوطنية وقبول ضمني بدور إسرائيل في تحديد معالمها وحدودها. كما أنّ هذا الفعل السيادي لن يصمد أمام الانقسام الداخلي الذي فجرّه. فالسيادة تفترض وحدة قرار، بات من الواضح أنّها مفقودة.
السيادة التي وقّعنا على استعادتها هي سيادة تشترط الخارج لوجودها، سيادة يراد منها أن تُفرض على الداخل بمساعدة الخارج. هي «سيادة تجريبية»، قرارها خارج «لبنان الرسمي» الذي يتحوّل، يومًا بعد آخر، إلى طرف في صراع داخلي، ما يفقده طابعه «الرسمي». أو، كما وضّح نتنياهو في جولته في جنوب لبنان، هي سيادة تحدّدها قوى الأمر الواقع.
حاول البعض الدفاع عن الاتفاق كخيار نابع من انعدام الخيارات، نتيجة مغامرات حزب الله. ربّما كان هناك بعض الحقيقة في هذه الحجة التي تتطلّب تسمية الأمور كما هي: هذا الاتفاق أقرب إلى استسلام لدرء العنف. لكن حتى هذا بات من الصعب تصديقه أمام انعدام محاولات البحث عن بدائل لدى المفاوض اللبناني.
البند 13 ومنطق التفاوض اللبناني
يشكّل البند 13 السجالي مثلاً عن منطق التفاوض اللبناني وحدوده. فالبند يُلزم إسرائيل ولبنان بـ«وقف كل الأعمال العدائية أو الضارّة في المحافل السياسية أو القانونية الدولية»، ما فُسِّر كتنازل «مجاني» من الطرف اللبناني عن أحد أسلحته التفاوضية القليلة.
دافع رئيس الجمهورية عن البند، موضّحًا أنّه «تعليق» وليس «وقفاً»، مهاجمًا من فسّر البند بـ«طريقة» مشوّهة. ولاقاه رئيس الحكومة، معتبرًا أنّ التعليق جزء من «حسن النيّة» المفترضة بأيّ تفاوض، معطيًا مثلَيّ الجزائر وجنوب أفريقيا. وكلاهما اعتبر أنّ مسار التفاوض يتطلب خطوات كهذه، خصوصًا مع انعدام البدائل عن المسار التفاوضي.
المشكلة في هذا البند هي المشكلة في المسار التفاوضي بأكمله. فإذا لم يكن هناك خلاف حول ضرورة التفاوض، يبقى أن المشكلة مع هذا المنطق ميله إلى التخلّي عن نقاط قوّته التفاوضية لمجرّد تمسّكه بالتفاوض. فحتى الآن، لم يحقّق لبنان مكتسبات، باستثناء وعودٍ بإعادة انتشار وجداول زمنية، تقرّرها إسرائيل، و«منطقتين تجريبيتين»، أيضًا تحدّدهما إسرائيل. لم يحاول المنطق التفاوضي اللبناني الاستفادة من نقاط قوّته القليلة كالتوتّر الإسرائيلي- الأميركي، أو وجود مسار آخر للتفاوض، أو سلاح لبنان الوحيد وهو الملاحقة القانونية التي تمّ «تعليقها» حتى قبل البدء بتطبيق بنود الاتفاق.
المشكلة، بكلام أوضح، أن الوفد اللبناني يدخل إلى المفاوضات، رافضًا مواجهة إسرائيل، الطرف المقابل، وخائفًا من إيران، الطرف الفعلي في هذه المفاوضات. في وضع كهذا، يصبح التمسّك بالمفاوضات بـ«حسن نيّة» أهمّ من أيّ نتيجة قد تُنتجها. فالسيادة هي في فعل التفاوض، وليس بالضرورة في نتائج هذا التفاوض. وبالتالي، لا اعتراض على زيارة نتنياهو إلى جنوب لبنان أو رفضه الخروج من لبنان، لأنّ ذلك يُعَدّ خرقًا لمبدأ «حسن النيّة». في وضع كهذا، يصبح السؤال عن حدود هذه التفاوض، أي عمّا يعتبره العقلُ المفاوضُ اللبناني خطَّه الأحمر.
الدولة بعد السيادة
لا ينبع هذا النقد من رفض منطلقات المسار التفاوضي، ومن بينها:
- الحاجة، لا لسيادة مجرّدة، بل لتمثيل سياسي لهذه الرغبة الجامعة لإنهاء الحرب والتلاعب الإقليمي بمصير لبلاد.
- الاقتناع العام، بأنّ خيار الحرب وصل إلى حائط مسدود، بغضّ النظر عن أسباب اندلاع الحرب الأخيرة.
- وأخيرًا، غياب أيّ وهم عن قدرات لبنان التفاوضية، في ظلّ أزمته الحالية والصراع الإقليمي.
لكن إلى جانب هذه المنطلقات، هناك منطلقات أخرى، باتت غائبة عن العقل التفاوضي اللبناني:
- هناك احتلالٌ قائمٌ وتوسُّعيّ وتدميريّ، ولا يمكن التعاطي معه بـ«حسن نيّة» من دون خطر الانزلاق من محور إلى آخر، خصوصاً بالمقارنة مع التشدّد في وجه السفير الإيراني.
- وهناك جزء لا بأس به من اللبنانيين، لا يؤيّدون الحرب لمجرّد حبّهم للحرب، لكنّهم يرون في التفاوض تخلّياً عنهم، وحمايةً وهميّةً لحياتهم.
لم يعد التناقض في لبنان بين «مقاومة» و«سيادة»، بل بات تمايزًا حول الطرق المختلفة للخروج من حالة الحرب الدائمة. كان لجمع المنطلقات المختلفة لهذا التمايز، والتي لا تشكل تناقضًا بالضرورة، أن يؤسّس لموقف «لبنان الرسمي»، بدلاً من مواجهة انتحار بانتحار آخر.
السيادة التي حققها لبنان في التفاوض جاءت على حساب طابعه «الرسمي»، وكأنّ الخيار بات، من جديد، بين سيادةٍ تبحث عن دولتها ودولة تبحث عن سيادتها.