تعليق مفاوضات
زياد ماجد

هل من بديل عن الاتفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل؟

30 حزيران 2026

خمسة أمور عن الاتفاق

درجت العادة في لبنان منذ فترة، أن يبادر أطراف أو أشخاص للردّ على أي نقد لاتفاق أو لخيار سياسي، بالسؤال عن البديل. وما قد يبدو مشروعاً في هذا السؤال سرعان ما يصبح في سياقات البلد السياسية وسيلةً للاختباء خلف وضعٍ داخل طائفة على اعتبار أن لا بديل عن الأقوى فيها، أو خلف زبائنية بحجة أنها الواقع، أو خلف أيّ طرح على اعتبارٍ ينفي وجود ما يخالفه.

وقد شكّل توقيع الاتفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل فرصة لسماع هذا النوع من المقولات، بموازاة مقولات أخرى من نمط الدفاع عن الاتفاق باعتباره جيداً وسيادياً، ثم القول إنه في أي حال نتاج موازين القوى في الجنوب المنهوش والمحتلّ، أي إنه في الواقع شديد السوء.

والحق أنه بمعزل عن هذه الرتابة، يفيد قول خمسة أمور عن الاتفاق، والتوقف قليلاً عند ما تعنيه:

الأمر الأول، يرتبط بملابسات التوقيع عليه، وفيها تنافس واضح بين مسار إسلام أباد الإيراني الأميركي ومسار واشنطن اللبناني الإسرائيلي الأميركي. مسار إسلام أباد يقوده نائب الرئيس الأميركي فانس، الذي يسلّم بدورٍ إيراني في التعامل مع بعض ملفّات المنطقة، بما في ذلك الملف اللبناني، نتيجة تسليح طهران لحزب الله وقدرتها وحدها على التأثير على التزامه بالتخلي عن سلاحه. ومسارُ واشنطن يقوده وزير الخارجية روبيو الحريص على تكريس السطوة الإسرائيلية التي ستُفضي برأيه إلى عزل حزب الله وفرض نزع سلاحه بالاتفاق مع السلطة التنفيذية اللبنانية.

الأمر الثاني، يتعلّق بخيار هذه السلطة التي عقدت آمالها على إدارة دونالد ترامب لمنع إيران، على ما تقول، من المفاوضة بالنيابة عن لبنان بما يلغي أيّ حضور دبلوماسيّ لكيانيّته. غير أنّها إذ فعلت ذلك، عرّضت نفسها للتواجد في موقع واحد مع واشنطن وتل أبيب في مواجهة إيران، بما ينفي موقع الحياد الذي كانت تنادي به. الأخطر على الداخل اللبناني، هو أنّ السلطة تعهّدت بما لا تستطيع تنفيذه من دون الاتفاق مع طهران، بما سيجعلها عرضة للمزيد من الابتزاز الإسرائيلي المُغطّى من قبل روبيو.

الأمر الثالث، يتّصل بمدى قدرة السلطة الحالية على تمرير أيّ اتفاقية لاحقة لهذا الاتفاق-الإطار في مجلس النواب اللبناني، خاصةً أن اتفاقية سلام مع إسرائيل تتطلّب موافقة المشرِّعين، وهذا ما لن يحصل في بلد التوافقية الطائفية وما تشترطه من ميثاقية من دون مشاركة النواب الشيعة، أو حتى من دون تواطؤ رئيس المجلس النيابي. وهو ما يبدو حتى الآن معقّداً، إن لم نقل مستحيلاً.

الأمر الرابع، يتأتّى من مضمون نص الاتفاق الإطار نفسه. وهو بلا شكّ مضمون لصالح إسرائيل، يمكن التذرّع بموازين القوى لتبريره، لكن التبرير لا يستقيم. ذلك أن التنسيق الإقليمي، والاستفادة من الاتفاق الإيراني الأميركي، والحوار الداخلي اللبناني، كانت جميعها أموراً متاحة، أو على الأقل، كان يمكن السعي لتوفيرها، كي تكون موازين القوى أفضل. الأهمّ، أن من يقول بهذه الموازين، لا يشرح ما هي منطلقاته، طالما أنه يقول في الوقت عينه إن لا علاقة له بالحرب، وإنها فُرضت عليه، ويتعهّد بنزع سلاح المسؤولين عنها. فهو إن كان غير معنيّ بالحرب، عليه ألا يكتفي بالتصرّف وفق موازينها، التي هي بالفعل موازين بين إيران وحزب الله وإسرائيل. ثم أنه من غير المفهوم لدى من يُعلن استعداده للتفاوض مع أيٍّ كان في العالم من أجل مصلحة لبنان، أن ينتهي به الأمر مفاوضاً حصراً لإسرائيل، برعايةٍ من حليفها ومموّلها ومسلّحها، الولايات المتحدة الأميركية، وأن يبدو مستثنياً من استعداده التفاوضي إياه إيران (حتى كخصم)، وغير منسّق كفاية مع باكستان وتركيا والدول التي تتابع مسار إسلام أباد.

الأمر الخامس، وهو الأخطر في الاتفاق وما يعبّر عنه، هو قبوله بتمنّع الدولة اللبنانية عن مقاضاة إسرائيل على جميع الجرائم التي ارتكبتها في لبنان، وذهب ضحيّتها آلاف المدنيين، من بينهم عشرات المسعفين والصحافيين، ومئات الأطفال، إضافة الى تفجيرها عشرات آلاف المساكن وعشرات البلدات وتلويثها البيئة وتدميرها الزراعة في منطقة جنوبية واسعة. وهذا يُعدّ قبولاً رسمياً لبنانياً بكل انتهاكات القانون الدولي على الأرض اللبنانية، وقبولاً بإفلات المجرمين من العقاب. والقول (الصحيح) بأنّ حزب الله نفسه كان ضد الشكوى العام 2023 للمحكمة الجنائية الدولية، وإنه والنظام الإيراني مسؤولان عن انتهاكات واغتيالات، لا يُغيّر من الفضيحة الحقوقية في شيء. فالحكومة تصنّف الجناح العسكري للحزب «ميليشيا غير شرعية»، ولا ينبغي أن تعقد مقارنات معها لتبرّر موافقتها على عدم تجريم مرتكبي المجازر والتدمير على أرض بلدها. ثمّ أنّ من يتحدّث ببناء الدولة، لا يحقّ له التفريط بأحد الشروط الشارطة لبناء كهذا، قائم على القانون والمحاسبة، تماماً مثلما هو قائم على حصرية السلاح وقرارات الحرب والسلم وفق القانون الدولي.

نحن، بالتالي، أمام اتفاق إطار غير مقنع، وبنده الثالث عشر المؤكِّد على عدم مقاضاة إسرائيل مُعيب (رغم أنه لا يلزم غير الدولة بذلك، بمعنى آخر ثمة خيارات للمواطنين وجمعياتهم، ولَو أنها صعبة)، ولا مسوّغ له بحجة الأمر الواقع.

ونحن كذلك أمام اتفاق إطار لن يُنفّذ من دون إجراءات تتطلّب قبولاً من حزب الله، وهو ما لن يحصل من دون قبول من إيران. وهذا سيعيدنا بمعزل عن كلّ مكابرة إلى مسار إسلام أباد، ولَو من دون ضمانات. لأن الزعم المضادّ بقدرة إيران على فرض الانسحاب الإسرائيلي غير المشروط من لبنان، هو أيضاً بيع وعودٍ لا أساس لها من الصحة.

الديناميّات البديلة

ما البديل إذن؟ الجواب، وهو لا يعني من يستسهلون الدعوة للصدام والحرب الأهلية في أي موقع كانوا، موجود منذ البداية في أربع ديناميات: 

دينامية داخلية حواريّة تجمع مختلف القوى السياسية لوضع ثوابت وطنية والتأكيد على حصرية السلاح وقرارات الحرب والسلم بيد مؤسسات الدولة. 

دينامية تفاوضية (سيادية) لبنانية مباشرة مع إسرائيل تبحث في آليات وقف النار والانسحاب الكامل لقوات الاحتلال والإجراءات المطلوبة لنشر الجيش اللبناني وحده حتى الحدود. 

دينامية تنسيقية مع دول المنطقة التي توسّطت بين طهران وواشنطن، لإبقاء لبنان على تماسّ مع مسار إسلام أباد والسعي للاستفادة القصوى منه (وليس الارتهان له).

دينامية حقوقية لمواجهة إسرائيل وجرائمها والمطالبة بتعويضات، وتوظيفها ضغطاً عليها. ولا شكّ أن التخلّي عن هذا الأمر في الاتفاق الإطار ضمن بند مستقل مخصّص له يُظهر مقدار أهميته، وهو ما أصرّت إسرائيل على التعامل معه، كما يُظهر جهل اللبنانيين الذين درجوا على التشكيك به، حين طُرح، واعتباره «مثالياً» و«غير ذي جدوى».

البديل كان موجوداً إذاً، أو على الأقل محاولة بلورته للوصول إلى تكامل بين مسارين تفاوضيّين وحوار داخلي، لكنّ الخيار كان في تسليم أمر لبنان إلى تيارٍ في الإدارة الأميركية، وإبقائه بالتالي ساحة تجاذب لن تنتهي. وبدا أن انتزاع «الورقة التفاوضية» من إيران أفضى إلى تسليم الورقة إياها إلى وزارة الخارجية الأميركية. وليس في ذلك أيّ فعل سيادي.  

المهمّ الآن، رغم كل ما جرى، هو فتح النقاش بين الخبراء السياسيين والحقوقيين حول سبل التعامل مع الاتفاق والخطوات التفاوضية المقبلة، والبحث عن مبادرات في الداخل اللبناني تقلّص التوتّرات وتهمّش خطابات التخوين المتبادلة، وتفعّل المجلس النيابي ليواكب مع الحكومة التطوّرات التي ستتسارع في المقبل من الأسابيع والأشهر. 

آخر الأخبار

مواد إضافيّة
تعليق

هل من بديل عن الاتفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل؟

زياد ماجد
حدث اليوم - الإثنين 29 حزيران 2026
29-06-2026
أخبار
حدث اليوم - الإثنين 29 حزيران 2026
الاتفاق اللبناني - الإسرائيلي: هل حقّقت الدولة سيادتها؟
29-06-2026
تقرير
الاتفاق اللبناني - الإسرائيلي: هل حقّقت الدولة سيادتها؟
مجدل زون: قبل وبعد التفجير
29-06-2026
تقرير
مجدل زون: قبل وبعد التفجير
حصيلة محدثة في لبنان: 4,257 شهيداً، 12,196 جريحاً
مختارات من الصحافة الإسرائيلية 29/6/2026