اصطفاف ثنائي…
منذ إطلاق صواريخ حزب الله الستة دعماً لإيران في 2 آذار الفائت، وما تلاها من حرب إسرائيلية شاملة تَوجّت بعنف همجيّ مسار جرائم وانتهاكات لم تتوقّف يوماً رغم اتفاق وقف النار الموقّع أواخر تشرين الثاني 2024، والبلد منقسمٌ بين خطابَيْن حادَّيْن وتبسيطيّين، ولَو أنهما لا يختزلان المشهد بأكمله.
- الأول، يؤيّد حزب الله بلا مساءلة، ولا يرى مشكلة في ولائه لإيران وفي توقيت عمليّته الأخيرة واستمراره على سلاحه رغم فشله في حرب إسناد غزة.
- الثاني، يعدّ حزب الله مسؤولاً لوحده عن جميع الفظائع الإسرائيلية والدمار وعمليات التهجير والتفجير التي ضربت لبنان منذ 8 تشرين الأول 2023، ويرى في المفاوضات وصولاً إلى السلام مع تل أبيب الحلّ الوحيد للكارثة الراهنة.
وإذا كان من السهل الزعم بأنّ أكثريّة مُعتنِقي الخطاب الأوّل هم من القاعدة الشعبية المحسوبة مذهبياً على حزب الله أو على بعض حلفائه العلمانيين المتحدّرين من أصول قومية وشيوعية، فإنّ الحديث عن أهل الخطاب الثاني يتطلّب تدقيقاً إضافياً في هوياتهم الأهلية والسياسية نظراً للتمايزات بين حدَّيْ مواقفهم. ذلك أنّ فيهم طيفاً يجمع أحزاباً مسيحية مشاركة في الحكومة وأخرى غير مشاركة، ويجمع قسماً من القوى والشخصيات السنية الممثّلة في البرلمان وقسماً غير قليل من الدروز ومن العلمانيين المستقلّين الأقرب الى ما يمكن تسميته بالتيار الليبرالي العريض. وتبدو بعض تصريحات رئيسي الجمهورية والحكومة على صلة بهذا الخطاب، ولو أنها تُبقي على الدوام مسافةً ضرورية مع متطرّفيه الذين عبّروا في مواقفهم عمّا يُشبه التمنّي بأن تُطيحَ إسرائيل بالحزب الشيعي وأن يلي ذلك تطبيعٌ معها. ولا نتحدّث هنا عن أفراد ينشطون حول المصرفي أنطون صحناوي، الملاحَق من قبل القضاء الفرنسي بتهم «تبييض الأموال والاختلاس وتشكيل عصابة أشرار»، وبعضهم من الموالين علناً مثله لإسرائيل، رغم أن هناك تقاطعات أحياناً في المواقف بينهم. بل نتحدّث عن شخصيات وعن مسؤولين صرّح بعضهم أمام صحافيين غربيين بأن إسرائيل خلقت دينامية في لبنان ينبغي الاستفادة منها. ونتحدّث أيضاً عن ممثّلين لقوى سياسية طالبوا بنزع فوري لسلاح حزب الله باعتباره شرط وقف الحرب، وذهب أحدهم إلى حدّ التصريح بأن المطالبة بوقف إطلاق النار قبل ذلك خطيئة.
…وخطاب من خارجه
ويمكن القول، في المقابل، إن أصواتاً وازنة ومسؤولة برزت من قلب الحكومة، يتقدّمها صوتا نائب الرئيس طارق متري ووزير الثقافة غسان سلامة، ومن جهة حليف الحكومة وليد جنبلاط، حاولت بلورة خطاب مختلف وخارج عن الاصطفاف المذكور وقائم على ثوابت ثلاثة.
- الأول، التأكيد على ضرورة وقف الحرب الإسرائيلية.
- الثاني، القول بمفاوضات مع إسرائيل للوصول إلى اتفاق وقف نار وترسيم حدود وانسحاب من الأراضي اللبنانية المحتلة، على أساس اتفاقية الهدنة والقرارات الأممية ذات الشأن أو ما يُمكن الاتفاق عليه من نصوص مشابهة، من دون الحديث عن سلام وتطبيع وعن مسائل تتطلب وقتاً طويلاً وحلولاً إقليمية وفلسطينية وحوارات لبنانية جدّية لوجود معارضة قوية لها، لا تقتصر على جمهور حزب الله ولا على «جماعة» الخطاب الأول فقط.
- والثالث، التأكيد على توافقات واجبة ومساعٍ عربية ودولية تُفضي إلى تسليم سلاح الحزب للجيش اللبناني وبسط سلطة الأخير وحده على كامل الأراضي واستعادة الدولة لقرارات الحرب والسلم. وهذا يعني رفض الانجرار لأيّ صدام أهلي تريده تل أبيب، ويهدّد به أحياناً حزب الله نفسه، ومن خلفه إيران، على نحوٍ ابتزازيّ وغير مسؤول.
تحاوُر داخلي ومسارات دبلوماسية وقانونية
لعلّ تحديد مقوّمات خطاب الخطّ الثالث يبدأ من هنا، وممّا سبق نشرُه في «ميغافون» في الأسابيع السابقة، وما يُبنى عليه.
فبالإضافة الى ما ورد، وإلى ضرورة ردّ الاعتبار إلى مبدأ التحاور الداخلي الذي يجنّب البلد تمزّقاً جديداً، ينبغي التذكير بمسائل دبلوماسية وقانونية وحملات إعلامية لم يجرِ بعد الخوض بها أو التعامل مع مقتضياتها بجدّية، وهي يمكن أن ترافق الذهاب إلى التفاوض حول وقف إطلاق النار والانسحاب إلى الحدود ونشر الجيش اللبناني، وصولاً إلى سيطرته على الأرض وعلى أسلحة حزب الله.
من ضمن هذه المسائل، المباشرة بالادعاء على إسرائيل أمام المحاكم الدولية المختصة، لتفجيرها البلدات في جرائم حرب وثّقها الجيش الإسرائيلي بنفسه، ولقتلها وجرحها آلاف المدنيين، من بينهم عشرات المسعفين والعاملين في مجال الصحة والصحافيين المستهدَفين مباشرة، والتعاون في ذلك مع منظمات دولية عديدة تملك الخبرة ونشرت تحقيقات حول الموضوع.
ومن ضمنها أيضاً، مطالبة إسرائيل بتعويضات نتيجة ما تسبّبت به جرائمها من تدمير لبنى تحتية ولأملاك تقدّر بمليارات الدولارات. ولا يوجد سبب للاستسلام الكامل لدونالد ترامب من دون إبلاغه بذلك وبحاجة لبنان إلى تمويل كبير لإعادة الإعمار لا استقرار من دونه، وهو صاحب الرغبة في تحقيق أي «إنجاز سياسي» في الشرق الأوسط، والمُقبل بعد أشهر على انتخابات فصلية قد تعيق سطوته وهوامش تحرّكه المستقبلية. ولا سبب يحول كذلك دون التعامل مع شبكة واسعة من المسؤولين في العالم عبر توسيع آفاق العلاقات السياسية والدبلوماسية، والتركيز على السعودية وباكستان وتركيا ومصر وفرنسا وإسبانيا والصين وإندونيسيا وكندا وبريطانيا والبرازيل وجنوب أفريقيا، وغيرها من الدول التي تحاول لعب دور شرق أوسطي تسوويّ أو معارض لهيمنة إسرائيل، وبعضها يملك علاقات جيّدة مع واشنطن، ويجب تحفيزها لحماية الموقف اللبناني.
الخيار الثالث في وجه الاصطفاف
علاوة على ذلك، يجدر التأكيد على أن موقف الخيار الثالث لا يكتفي بالتميّز عن ثنائية ممانعة/ حرب– اتفاقية سلام/ تطبيع. إذ يمكنه نقد جميع التيارات السياسية، من حزب الله وتحالفاته وثقافته إلى خصومه الذين يظنّون أن نتائج الحرب ومقاربات ترامب قد تعيد لهم يوماً مجداً ضائعاً. مجدٌ يحنّ إليه زجّالون يريدون استعادة لبنان ما قبل الحرب و«ما قبل الغريب»، وكأنّ لا ديموغرافيا تغيّرت ولا ديناميات سياسية واقتصادية تبدّلت في البلد وفي المنطقة، أو حتى كأنه ليس البلد نفسه الذي ساهم نظامه ونخبه السياسية والاقتصادية وقتها، إضافةً إلى أحوال المنطقة وتهجير الفلسطينيين والانقسام اللبناني، بإنتاج الحرب تلك. وذلك قبل أن تُنتج الأخيرة ومثلها أحوال المنطقة المستمرّة بالتردّي نظاماً وقوى تتناوب على الحُكم اليوم أكثر رداءة من سابقاتها.
ويفيد التأكيد أيضاً بأن كارثة لبنان المالية والاقتصادية التي تبخّر الكلام عنها، والتي يتحمّل قطاع المصارف قسطاً كبيراً من مسؤولية وقوعها، يلتئم معظم المنضوين في إطار الخيارين الأول والثاني في محاولة التحايل على موجبات التعامل معها. ولا يشذّ عنهم سوى بعض من وسمناهم بالليبراليين، في حين تتكامل في خطاب التطبيعيين مع إسرائيل كلّ عناصر الدعم للوبي المصارف وممثّليه الأشد فساداً. ويُسجَّل لرئيس الحكومة ونائبه، كما لوزير الثقافة ولبعض الوزراء المستقلّين، موقفهم الواضح من المسؤوليات عن الانهيار ومترتّباتها.
أخيراً، يملك دعاة الخيار الثالث مصداقية في تعاملهم ماضياً وحاضراً مع قضايا فرز أخرى في لبنان، بما فيها الفرز تجاه النظام الأسدي البائد وتجاه الانتفاضة الشعبية في 17 تشرين الأول/ أكتوبر 2019، ممّن تناوب على قمعها ومعاداتها أكثر أهل الخطابَيْن الأول والثاني.
الطهرانية والواقعية
بعيداً عن التهافت السياسي والأخلاقي لمتّهمي هذا الخيار بالـ«نيو ممانعة» (وهم في ذلك يقلّدون من يتّهمهم من التخوينيين بالعمالة أو بالـ«صحناوية»)، فليس هناك ما يوجب أيّ تبرير تجاه «الاتهامات» الأخرى بالطهرانية أو بالتعالي والفوقية. ذلك أن المواقف المبدئية، والاستناد إلى ما بات يُغفل اليوم والتصويب على ركاكة الحجج المقدّمة هنا وهناك، ليس فيه ما يُعيب. وله في أوساط جيل لبناني خارج عن الاصطفافات الطائفية ومتكوّن وعيه السياسي والقانوني على وقع الإبادة الجماعية الإسرائيلية في غزة، قاعدة أساسية، تبقى الأمل الأول بمستقبلٍ ما لهذا البلد. والموقف إياه هو على تماس مع مكوّنات رئيسية في المجتمعات المدنية في العالم، وفي الغرب تحديداً، التي بات لمطالبتها بمعاقبة إسرائيل على جرائمها، كما لمذكّرات توقيف المحكمة الجنائية بحقّ بنيامين نتنياهو ولاعتبار محكمة العدل الدولية (برئاسة القاضي نواف سلام حينها) نظام الاحتلال الإسرائيلي نظام أبارتايد، ما يجعل معظم المسؤولين الغربيين يتمنّعون (قناعةً أو خجلاً) عن مجرّد التواصل مع نتنياهو. هذا في وقتٍ، ثمة في لبنان من يريد دفع رئيس الجمهورية للقاء نتنياهو ومصافحته، حتى قبل أن يتوقّف جيشه عن تفجير بيوت وأملاك ومدارس لبنانيين جنوبيين، وقبل أن ينتهي الآلاف من دفن أبنائهم.
أما الواقعية التي يتحدّث عنها البعض، معيباً غيابها عن منطق الطرح الثالث، فلا شكّ أن غيابها الأبرز هو عندهم وعند جميع الموهومين بسحرية الحلول بمجرّد توقيع «السلام» مع إسرائيل، أو بقدرتهم على نزع سلاح حزب الله من دون اتفاقات داخلية وخارجية شائكة. هذا قبل النقاش حتى بكون الحدود الجنوبية مع إسرائيل ستبقى في أي سيناريو حدود عداءٍ شعبي، لم تزده مجازر الإسرائيليين الأخيرة وإبادتهم العمرانية للمدن والبلدات، وتجاهل بعض اللبنانيين لذلك، إلّا تفاقماً وحدّة.
في أي حال، لا شك أن تبلور خيار مستقل وفاعل في لبنان، يرفض التبسيط والارتهان لأي قوّة خارجية، ويبحث عن إصلاح وعن سلم أهلي وحصرية سلاح بيد الدولة وعن هدوء تام على الحدود وانفتاح على العالم بأسره، ويرفض في الوقت عينه كل أشكال التطبيع مع دولة الإبادة إسرائيل، كما كان يرفض التطبيع مع نظام الأسد الساقط، لا يتمّ من دون قوى منظّمة قادرة على تأطيره وتحويله إلى مشاريع سياسية أبعد من الخطاب السياسي والثقافي، على أهميّته. لكنّ هذا شأن آخر، وهو شأن مطروح منذ عقود ولم يُفلح أحد بعد في إيجاد حلّ ناجع له، إن داخل البلد أو في المَهاجر، رغم المحاولات العديدة والجهود الكثيرة. وللبحث صلة…