تعليق الحرب على لبنان
طارق أبي سمرا

طقوس العجز

13 أيار 2026
إلى هلال شومان

إنّنا في مأزق لا يُرى له مخرج. 

حزب الله لن يتخلّى عن سلاحه وماضٍ في قتاله العبثيّ. وإسرائيل ماضيةٌ في حربها ما دام حزب الله متمسِّكاً بسلاحه. أمّا الحكومة اللبنانيّة، فتفاوض إسرائيل من موقع عجز كامل، ولا تملك سوى تكرار تعهّدها بنزع سلاح حزب الله، وهو تعهّد يدرك الجميع أنّها غير قادرة على تنفيذه. وفي الأثناء، يتعمّق الانقسام اللبناني حول تحديد العدوّ: أهو إسرائيل (والحكومة اللبنانيّة)، أم حزب الله (وإيران)؟

في مثل هذه الظروف، يبدو أنّنا لا نفعل، نحن الأفراد العاديّين، سوى ترداد أحد الشعارَين: إمّا القتال فالقتال فالقتال، أو التفاوض فالتفاوض فالتفاوض. وفي هذا قدر من التفكير السحريّ، إذ نحسب أنّ مجرّد التعبير عن رأينا، قولاً أو كتابةً، كفيل بتغيير الواقع. بات رأينا السياسيّ يشبه التعويذة: نعتقد أنّ تكرار «قتال» سيهزم إسرائيل، أو أنّ تكرار «تفاوض» سيستجلب رأفتها. نظنّ أنّ تكرار رأينا لا بدّ أن يكون له أثر، مع أنّنا نجهل كيف. 

هو كالتعويذة أيضاً، يعمل بطرق غامضة عصيّة على الفهم. 

والمفارقة أنّه كلّما تعمّق مأزقنا وتفاقم عجزنا، اشتدّ تشبّثنا بآرائنا وازداد التفكير السحريّ رسوخاً في عقولنا. لذلك باتت علاقتنا بالسياسة، نحن اللبنانيّين، تتّسم بالكثير من الغيبيّة. نعلم أنّ لا حلّ في الأفق، لكنّنا لا نصدِّق ذلك ونترقّب معجزةً. نعلم أنّ الجيش الإسرائيلي يفعل ما يحلو له بلا أيّ رادع يُذكَر، لكنّنا نترقّب انتصار حزب الله المدوّي والوشيك– لا بل أنّ البعض يعتقد أنّ النصر قد أُحرِز. نعلم أنّ الدولة اللبنانيّة منخرطة في تفاوض بلا أيّ ورقة تفاوضيّة سوى الاستسلام، لكنّنا نترقّب أن يهبط علينا السلام فجأة– لا بل أنّ البعض يحلم باحتساء البيرة في تل أبيب في الغد القريب. 

هكذا أصبح إبداء رأينا السياسيّ يشبه الصلاة. إنّه كالتضرّع للآلهة علّها تحقّق أمانينا. 

لكنّ هذه باتت أيضاً حال أهل السلطة والقرار في لبنان. فعجزهم المتعاظم أصابهم، هم أيضاً، بمرض التفكير السحريّ، فصاروا كالأفراد العاديّين يظنّون أنّ مجرّد ترداد إحدى التعويذتَين كفيلٌ بتغيير الواقع وإخراجهم من مأزقهم. حزب الله يقول إنّه سيقاتل ويقاتل، فيما تتوالى الهزائم ويُفرَّغ الجنوب. والحكومة تقول إنّها ستفاوض وتفاوض، من دون أن تملك ما تقدّمه سوى وعدها، للمرّة الألف، بحصر السلاح.

بالرغم من هذا كلّه، لا يزال ثمّة مَن يتوهَّم الواقعيّة، فيردّد أنّه ليس هناك سوى خيارَين: إمّا القتال أو التفاوض. قد يكون محقّاً في أنّه لا خيار ثالثاً، لكنّه يكاد يهذي حين يتصوّر أنّ أحد هذَين الخيارَين قد يُفضي إلى حلّ. ذاك أنّه غافل تماماً عن أنّه فردٌ عاجز في دولة عاجزة يستبيح سيادتها حزبٌ مسلّح غارق في عجزه. إنّه غافل، أيضاً، عن أنّ رأيه الذي يُشهره ليس سوى صلاة مَن لا حول له ولا قوة. 

لعلّ الواقعيّة، إذاً، أن نكفَّ عن ترداد إحدى التعويذَتين. وأن ننتظر. وأن نعترف بالمأزق. وأن نتأمّل فيه. وهذه، بطبيعة الحال، واقعيّةٌ لا أثر لها على الواقع.

آخر الأخبار

مواد إضافيّة
الديمقراطيون يسيطرون على الكونغرس: ماذا يمكنهم أن يفعلوا بترامب؟
04-11-2026
تقرير
الديمقراطيون يسيطرون على الكونغرس: ماذا يمكنهم أن يفعلوا بترامب؟
حدث اليوم - الأربعاء 4 تشرين الثاني 2026
04-11-2026
أخبار
حدث اليوم - الأربعاء 4 تشرين الثاني 2026
أهالي ضحايا انفجار المرفأ ينتظرون القرار الإتهامي
04-11-2026
تقرير
أهالي ضحايا انفجار المرفأ ينتظرون القرار الإتهامي
انتخابات أميركا وإسرائيل: هبوط حادّ لأسهم «ترامب-نتنياهو»
04-11-2026
تقرير
انتخابات أميركا وإسرائيل: هبوط حادّ لأسهم «ترامب-نتنياهو»
تعليق

تبرّؤ انتخابي من ترامب

– سامر فرنجية
استشهاد المُسعف نصر يونس بغارة إسرائيلية على دراجته في قبريخا