الثأر والدفاع
ماذا يريد حزب الله؟ لماذا استهدف موقعاً عسكريّاً إسرائيليّاً ببضعة صواريخ ومسيّرات وهو يعلم أنّ أثرها على عدّوه يكاد يكون معدوماً، وأنّه سيستجلب بذلك ردّاً مهولاً دمويّاً مُدمِّراً، أو حتّى حرباً تستمرّ لأشهر وربّما اجتياحاً برّيّاً؟
جواب الحزب، كما جاء في بيانه، أنّه أقدم على ذلك ثأراً للدّم الزاكي لولي أمر المسلمين سماحة آية الله العظمى الإمام السيد علي الحسيني الخامنئي (...) ودفاعاً عن لبنان وشعبه وفي إطار الرد على الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة.
الدافع مُزدَوج إذاً: الثأر والدفاع. غير أنّ الثأر هو إلحاق الضرر بمَن ألحق بك ضرراً. أمّا الدفاع عن النفس، فهو ردع مَن يؤذيك عن أن يُلحِق بكَ مزيداً من الأذى. باختصار، الثأر عقابٌ، والدفاع حمايةٌ.
لكنّ حزب الله يعلم يقيناً أنّ ثأره إنّما هو عقابٌ له وللبنان، وأنّ دفاعه إنّما هو استباحةٌ لعناصره وللبنان، وأنّ عدوّه لن يتألّم. فما الذي يريده؟ لا يريد الحرب، إذ ليست في مصلحته حاليّاً على الإطلاق، غير أنّه مدرك أنّ عمليته ستستجلب حرباً.
فعلٌ رمزيٌّ بامتياز
ثمّة شيء عبثيٌّ لاعقلانيٌّ في فعلته إذاً، بمعنى أنّها لا تُفسَّر بأيّ مصلحة سياسيّة أو عسكريّة كانت، ولا حتّى بأنّها ناتجة عن خطأ أو سوء تقدير. فلا خطأ ولا سوء تقدير هنا، ذاك أنّ النتائج معلومة سلفاً. نحن بالتالي إزاء عمليّة انتحاريّة بالمعنى الحرفي للكلمة، والمفارقة أنّها لا تُلحِق بالعدوّ أيّ أذى يُذكر.
قد يُقال إنّ ما أقدم عليه حزب الله مجرّد تنفيذ آليّ وأعمى لأوامر إيرانيّة، وهي فرضيّة محتملة جدّاً. لكن حتّى لو صحَّت، فهي لا تُفسِّر شيئاً ولا تخرجنا من دائرة اللاعقلانيّة. فما مصلحة إيران في انتحار حزب الله، وهو انتحار لن يؤثّر على مجريات الحرب التي تُشَنّ عليها؟
هذا كلّه يوصلنا إلى استنتاج غريب وهو أنّ ما فعله حزب الله يُشبه مقولة الفنّ للفنّ، أي أنّ الغاية من إطلاق الصواريخ هي إطلاقها فحسب، ومهما كانت العواقب. بكلمات أخرى، نحن إزاء فعل رمزيّ بامتياز: ثأر ومقاومة رمزيّتان، مجازيّتان، لا يُبتغى منهما إحداث أيّ أثر ماديّ في عالم الواقع.
لقد أراد حزب الله أن يرفع شعار «الموت لإسرائيل» كجنديّ يرفع رايةً في قلب المعركة، مُدركاً أنّه سيُقتَل وهو يقوم بذلك. أراد أن يُعلِيَ رمزاً، أن يُشْهِر هويّة، مهما كان الثمن. أراد أن يُعلِن، ربمّا للمرة الأخيرة، أنّه لا يزال يحارب (مجازيّاً)، وأنّ التحامه بالجمهوريّة الإسلامية وبوَليِّها الفقيه إنّما هو التحام عضويّ لا فكاك منه. أراد أن يموت بشرف، حتّى لو تسبّب موتُه المُشرِّف في مَحق الجنوب والبقاع والضاحية ولبنان كلّه. ليس «عليّ وعلى أعدائي» إذاً، بل «عليّ وعلى أهلي»... لكي تُخلَّد ذكراه.
الرمز والشعار أسمى من الحياة
خطورة حزب الله الآن، بل جنونه، أنّ الرمز والشعار باتا عنده أسمى من الدنيا والحياة. فقد خسر كلّ شيء إلّا الرمز والشعار، ومن المُستبعَد أن يُضحّي بهما في سبيل حياته وحياة اللبنانيين. المجد لحزب الله إذاً، مجدٌ سيتحقّق بموته وموت اللبنانيين.
هذا المنطق الانتحاري ينسحب أحياناً على أفراد وأحزاب وحتّى دول، حين تنتفي علّة وجودهم. وفي حالة حزب الله، فإنّ علّة الوجود المُنتفية هي المقاومة والسلاح. غير أنّ سلوكه الانتحاري واحتقاره الدنيا والحياة ليسا نتيجة الهزيمة الكاسحة التي مُني بها: فالهزيمة لم تخلق الاحتقار ولا الميول الانتحاريّة، بل عزّزتهما وكشفتهما على نحو صارخ. ذاك أنّ العقل الغيبيّ لهذا الحزب لطالما خاض حروبه في حيّزَيْن لا يلتقيان بالضرورة: حيّزٌ واقعي ملموس، وآخَر دينيّ خلاصيّ. والحرب الفعليّة الأصليّة هي الدينيّة الخلاصيّة، فيما حرب الواقع ليست سوى انعكاس لها. ومع اضمحلال حرب الواقع إلى حدّ الزوال، اتّسعت الحرب الخلاصيّة، أي الرمزيّة والمجازيّة، لم يتبقَّ شيء سواها.
حتّى الرمق الأخير
لهذا كلّه، ثمّة شيء هزليّ في قرار الحكومة بالحظر الفوري لنشاطات حزب الله الأمنية والعسكرية كافة باعتبارها خارجة عن القانون وإلزامه بتسليم سلاحه إلى الدولة اللبنانية وحصر عمله في المجال السياسي ضمن الأطر الدستورية والقانونية. فالقرار يفترض ضمناً أنّ التمييز بين الجناحَين، العسكري والسياسي، ممكنٌ، فيما الواقع أنّ حزب الله لم يكن يوماً حزباً سياسيّاً بالمعنى المتعارف عليه. فالسياسة عنده لطالما كانت في خدمة الحرب، والحرب في خدمة الخلاص. حزب الله ليس حزباً سياسيّاً ولا عسكريّاً. إنّه حزب ديني يخوض الآن حرباً محض دينيّة... حتى الرمق الأخير.