سخط وشماتة وعنف
كان هناك زمنٌ، ليس ببعيد، يُدفَع فيه ثمنٌ لمعارضة حزب الله، يتراوح بين الإسكات والقمع وصولاً إلى القتل. وكان نقّاد حزب الله قلائل، خاصّةً بعد انهيار مشروع 14 آذار والتحاق عدد كبير ممّن حملوا هذا المشروع إلى كنف التسوية مع حزب الله.
لم يعد الوضع كذلك، وبات نقد حزب الله من عموميّات السياسة اللبنانية، إن لم يكن إحدى نقاط الإجماع القليلة على الساحة اللبنانية، خاصّةً بعد هزيمة الحزب العسكرية، ومن ثمّ انهيار داعمه البعثيّ، قبل بدء إقفال الطوق على راعيه الإيراني.
ما مِن إشارة أوضح إلى انهيار مشروع حزب الله، من تعميم هذا النقد والتحاق فئاتٍ واسعة من الطبقة السياسية والإعلامية به، بعدما كان بعضها من داعمي هذا المشروع أو من الساكتين عنه.
أيُّ متابعةٍ بسيطة لمحطات التلفزيون أو منصّات التواصل الاجتماعي تدلّ على هذا الإجماع الصاعد: تدفّق غزير من السخط والغضب على حزب الله، بات يحمّله، ليس فقط مسؤولية إشعال حرب، بل أيضًا عنف إسرائيل ومشاريعها التوسّعية. سخطٌ قد يكون مبرّراً في بعض الأحيان، لكنّه أصبح يشبه في بعض أطرافه شماتةً طائفيةً تتماهى مع تبريرات الجيش الإسرائيلي. سخطٌ يطالب بحماية السيادة الوطنية من خلال طلب الاستسلام واستدعاء التدخلات الأجنبية، وصولًا عند البعض، إلى دخول الجيش السوري مجددًا، لتحرير لبنان من حزب الله. سخط مَن يريد أن يعيش حياة استقرار وسلام، لكنّه لا يُبدي أيّ حساسية حيال المجزرة الحالية. سخط مَن يريد الالتحاق بمشروع السلام الإقليمي، متخيِّلًا موقعه فيه كدُبَي جديدة، وإن كان واضحًا أنّ مصيره لن يتعدّى نظام الضفة الغربية.
تحوّل نقدُ حزب الله على أيدي النقّاد الجدد مِن نقد نابع من رفض العنف والاصطفافات الإقليمية، إلى تبرير للعنف وتماهٍ مع مشاريع إقليمية، ليبدو هؤلاء النقّاد أقرب إلى الوجه الآخر لأبواق الممانعة ممّا هم ورثة لمشاريع السيادة.
تشويه المشاريع المناهضة
بعدما «انهار» حزب الله من موقعه المهيمِن إلى ما يشبه الطرف الخارج عن الإجماع اللبناني، أي الطرف «السهل» مهاجمته، بات نقده مكونًا أساسيًا لمعظم المشاريع أو الحساسيات السياسية الموجودة على الساحة اللبنانية.
لكنّ المشاريع السياسية المناهضة للحزب لم تسلم أيضًا من حالة الانهيار الراهنة، لتصبح أقرب إلى مسخ مشاريع سياسية.
فهناك حساسية سيادية، تعارض حزب الله لما يشكلّه من خطر على السيادة اللبنانية، لكنّها لم ترَ في الاحتلال الإسرائيلي سببًا لأيّ قلق سيادي. وهناك مطلب بناء الدولة، الذي يعارض حزب الله لما يشكّله من عائق أمام هذة المسيرة، غير آبه بانحلال الدولة أصلًا جراء انهيار السنوات الماضية. كما صعد تيار مسيحيّ، وجد في هذه اللحظة فرصةً لإعادة تدوير مشاريع انفصالية أو تطبيعية، يعارض حزب الله لما يمثّله من خطر على هذا المشروع، غير منتبه أنّ مشاريع كهذه فشلت أصلًا في الماضي. وبالطبع، هناك بقايا 14 آذار الذين لخّصوا هذا المشروع السياسي بعداء أمني لحزب الله، من دون أي اعتبار لما شكّلته هذه اللحظة من مشروع مصالحة وطيّ لصفحة الماضي.
تحوّل نقد حزب الله إلى مدخل للعنف والسخط في إشارةٍ ليس فقط لانهيار حزب الله، بل للمشاريع السياسية المناهضة له. فما يواجه اليوم حزبَ الله ليس إلّا مسخ المشاريع التي حملت يومًا ما هذا النقد، وباتت اليوم مجرّد ركام للوعود التي مثّلتها آنذاك.
عندما كان نقد حزب الله مدخلًا لسياسةٍ أخرى
قام نقد حزب الله، عند تحوّله إلى مشروع سياسي مع لحظة 14 آذار، على ثلاث فرضيات حوّلته إلى مدخل لسياسة أخرى:
- مشروع حزب الله مشروع هيمنة سياسية، خاصةً بعد عام 2008، دشّن حكمَه بعودة العنف إلى الداخل اللبناني ورفضه مبدأ المساومة والمصالحة.
- حزب الله جزء من مشروع إيراني إقليمي، برز كلاعب أساسي في المنطقة، بعد عام 2003، تمتدّ أذرعه إلى سوريا ولبنان.
- الهدوء النسبي على الحدود الجنوبية، بعد الانسحاب الإسرائيلي في عام 2000 ونتائج حرب تموز في عام 2006. هدوء قدّم بعضًا من الشرعية لفكرة حل نهائي لمسألة الحرب مع إسرائيل من خلال التفاوض وحلّ حزب الله.
في ظلّ هذا الهدوء النسبي، تحوّلت المقاومة لمشروع هيمنة إقليمية إيرانية، رأينا نتائجها في سوريا بدءاً من العام 2012، كما تحوّلت إلى مشروع هيمنة داخلية، تمأسس مع التسوية الرئاسية في عام 2016، وقام على عزل الطائفة الشيعية عن باقي الطوائف.
انطلاقًا من هنا، كان نقد حزب الله في لحظته الأولى، مرتبطًا بمشروع مصالحة داخلية ومبدأ رفض العنف في السياسة وحماية لبنان من الاصطفافات الإقليمية.
ربّما كان ذلك وهمًا، لكنّه كان الضمانة لمنع تحوّل نقد حزب الله إلى مدخل لمشاريع عنفية مضادة، محمولة من أوهام طائفية، تهدف إلى فرض محور إقليمي في وجه آخر. اليوم، سقطت هذه الضمانة.
خطر التكرار في واقع متحوّل
لكنّ الواقع تغيّر، وإن كان البعض يفضّلون الاستمرار بنقدهم وكأنّ لا شيء تغيّر.
- إسرائيل لم تعد العدوّ الساعي لسلام قد يضمن أمنها، بل باتت مشروعًا توسعيًا، لا يخفي رغبته باحتلال مناطق واسعة من لبنان وسوريا، مع تدخلات أمنية وعسكرية في سائر البلاد، ما سيفرض إعادة تفاوض على عدد من الملفات الاقتصادية.
- انتهى مشروع حزب الله للهيمنة على البلاد، كما مشروع إيران لتحويل المنطقة إلى امتدادات لسيطرة نظامها. هذا لا يعني أنّهما انتهيا أو لم يعد بمقدورهما عرقلة الأمور أو استعمال العنف. لكنّهما باتا في طور انحداري، أمام صعود محور آخر يبدو بلا منازع اليوم.
- العالم لم يعد محكومًا من قبل منظومة تستثمر باستقرار العالم من أجل الدفاع عن مصلحتها، بل من قبل تيارات متطرفة، تهدف إلى زعزعة أيّ استقرار من أجل استخراج ما أمكن من مصادر رَيْع.
أن يستمرّ البعض في تكرار نفس النقد وكأنّ شيئاً لم يتغيّر، ينمّ إمّا عن (1) منطق انتقامي لا يعنيه إلّا التخلّص من خصمه، منطق غالبًا ما يخبّئ نزعات طائفية، (2) انحياز أيديولوجي للمشروع الصاعد، لم يكن يرى في حزب الله خطراً على سيادة البلد، بل حاجزاً أمام ارتمائه عند الطرف الآخر، أو (3) نرجسية لبنانية تعتقد أنّ العالم سينكبّ على حماية البلاد وتطويرها لمجرّد أنّ لبنان بلد جميل بعد حزب الله.
العودة إلى النقد في لحظته الأولى
انزلاق بعض نقّاد حزب الله إلى ما يشبه التبرير للعنف أو المواقف الطائفية لا يلغي الحاجة الماسّة اليوم لنقد حزب الله ومغامراته العسكرية. لكنّ هذا النقد بات عليه أن يواكب اللحظة الراهنة، بدلاً من تكرار نفسه.
- لا يمكن فصل رفض مغامرات حزب الله الانتحارية عن البحث عن أساليب لمقاومة الاحتلال القادم. فالتركيز فقط على حزب الله في ظل الوضع الراهن لا يؤسّس فقط لسيادة مشوّهة، بل يعيد ويؤكّد أن موضوع الجنوب هو من اختصاص الحزب ولا دور لباقي القوى السياسية فيه.
- لا يمكن تلخيص معضلة حزب الله الداخلية بمسألة السلاح خارج مشروع مصالحة وطنية، يبدأ بتوسيع الرواية الجامعة اللبنانية لتضمّ تجارب حوالي 40 بالمئة من الشعب اللبناني، والتي بقيت روايتهم تقف جنباً إلى جنب رواية أخرى، تدعى الرواية اللبنانية.
- لا يمكن نقد عنف حزب الله من دون رفض العنف الهمجي الذي بات يدير المنطقة، نقد يبدأ برفض الدور الإيراني لينتهي بحياد، وليس بمحاولة دخول محور آخر، بات دماره يمتدّ على سائر المنطقة.
بكلام آخر، لا بدّ من العودة إلى نقد حزب الله في لحظته الأولى، عندما كان هذا النقد يشكّل مدخلًا لسياسة مختلفة. خارج هذه العودة، سنبقى أمام مأزقين: مأزق خارجي متمثّل بعدوان إسرائيلي ومغامرات إيرانية، ومأزق داخلي متمثّل بحزب الله ومشاريع مشوّهة تشكّل البديل عنه.