تعليق دولة حزب الله
سامر فرنجية

2 آذار 2026

انتحار حزب الله

2 آذار 2026

انتحار حزب سياسي

في تاريخ 2 آذار 2026، قام حزب الله بعملية انتحار سياسية، معلنًا ضمنيًا أنّه لم يعد حزبًا شيعيًا لبنانيًا، أو جزءاً من منظومة دفاع ثلاثية الأبعاد، أو حركة مقاومة شعبية. جاء انتحاره جراء قراره التحوّل إلى ورقة تفاوضية، صلاحيتها تنتهي مع انتهاء العدوان الحالي على إيران. فأطلق بعض الصواريخ اليتيمة، قبل أن ينشر بيانًا أقل ما يقال عنه أنّه مهين له ولجمهوره وللبلاد، ختمه باعتبار أن هذا الردّ هو ردّ دفاعي مشروع، وعلى المسؤولين والمعنيين أن يضعوا حدّاً للعدوان الإسرائيلي الأميركي على لبنان، في ما يشبه حالة من الضياع والهلوسة الجيو-استراتيجية.

بعد ذلك، لن يكون هناك حزب الله. ففي هذه اللحظة، بات حزب الله ورقة تفاوضية، وتمّ لعب هذه الورقة التفاوضية. كل ما تبقى أصبح من الماضي. في هذه اللحظة، تقاطع مساران أوصلا الحزب إلى خيار الانتحار. الأول هو مسار العدوان الإسرائيلي الذي لم يُخفِ هدفه القضاء الكامل على حزب الله والمحور. أمّا المسار الثاني، فهو خضوع حزب الله المتزايد لمشيئة إيران في لحظة عزلتها، بعد فقدانه مقوّمات بقائه المستقلة. 

ما من أفق للمعركة وما من مسافة عن العرّاب، فجاء قرار الانتحار.


الطريق إلى الانتحار

لم يكن القرار وليد لحظة جنون، بل بات عمره سنوات. 

2023 - 2024: خطأ فلسطين

بعد اعترافه الضمنيّ بخطأ الدخول في حرب الإسناد، حاول حزب الله الخروج منها، من خلال دعواته المتكرّرة للعودة إلى قواعد اللعبة السابقة. لكنّه كان قد وقع في الفخ، ودفع ثمن هذا الخطأ في التقدير الميداني، خطأ مشروع ربّما أمام حالة الصدمة آنذاك ولحظة الإبادة المروعة. خرج من الحرب ضعيفًا، وإن كانت خطاباته تحاول الإيحاء بالعكس. 

2024 - 2025: عقلنة لبنانية

لم تنتهِ الحرب على لبنان مع إعلان اتفاق وقف إطلاق النار بعد ما يقارب السنتين على إعلان حرب الإسناد. استمرّت إسرائيل باحتلالها بلدات لبنانية وتهجيرها مناطق واسعة من الجنوب، كما صعّدت من سياسة الاستهدافات والاغتيالات، التي أسفرت عن أكثر من 300 قتيل وآلاف الجرحى. 

على مدار سنة ونصف من العدوان المستمرّ، لم يردّ حزب الله على الاعتداءات الإسرائيلية. لم يكن ذلك نابعاً من الاعتراف بضعف ميداني أمام الماكينة الإسرائيلية وحسب، بل جاء كنتيجة لعقلنة سياسية، مفادها أنّه ليس في إمكان الحزب أو سكان الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية، أو البلاد ككلّ، تحمّل حرب جديدة، كما أنّ حالة العزلة السياسية لا تسمح بمغامرات كالتي قام بها في 8 أكتوبر.  

2026: انتحار إيراني

انهار كل هذا في تاريخ 2 آذار 2026. فبعد يومين على إعلان إسرائيل والولايات المتحدة حربهما على إيران، قرّر حزب الله الخروج عن سياسة «اللا-ردّ» للانتقام لاغتيال المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية الإيرانية. انتهت سياسة كسب الوقت وعقلنة السياسة، ليدخل حزب الله بما يشبه عملية انتحارية. هذه المرّة، لم يقع حزب الله في الفخ، بل سار بكامل وعيه إليه، مدركًا تمامًا عواقب هذا القرار، عليه وعلى البلاد، ومعلناً أنّه لم يعد أكثر من ورقة تفاوضية إيرانية. 


التحوّل إلى ورقة

منذ تأسيسه، كانت علاقة حزب الله بإيران وثيقة وبنيوية. لم يُخفِ حزب الله هذه العلاقة، بل افتخر بها، كذلك لم تفرّط إيران بحليفها على مدار العقود، بعكس تصرّفات الأنظمة العربية إزاء حلفائها المحليين. بدأت هذه العلاقة تتحوّل مع صعود نجم حزب الله، حيث تحوّل الحزب من أداة إيرانية إلى قوة سياسية واجتماعية لبنانية، قائمة بحدّ ذاتها، بقيادة الأمين العام السابق حسن نصرالله، حتى بدا وكأنّ علاقة التبعية هي علاقة تحالف بين طرفين متساويين. 

لكن منذ بدء مسيرة انهيار حزب الله، عادت هذه العلاقة إلى التحوّل. من جهة، برز امتعاض شعبي من الدور الإيراني الضعيف، والذي ظهر وكأنه لا يبالي بمصير «حليفه». ومن جهة أخرى، مع تزايد ضعف حزب الله، عادت علاقة التبعية إلى الواجهة، كالحامي الوحيد للفيلق المقاوم. لم يعد لحزب الله الكثير للاتكال عليه خارج دعم إيران، خاصة مع بروز كلام عن انقسامات بين تيارات داخلية، جعلت من العلاقة بالعرّاب مسألة حيوية. في ظل هذه العزلة المتزايدة والتبعية البنيوية، بات الهجوم على إيران هجوماً على حزب الله، والانتحار مصيره الوحيد. 


ما بعد 2 آذار 2026

من المبكر التنبؤ بما سيجري في الأيام المقبلة، وإن كانت مشاهد الدمار والإنذارات والتهجير مألوفة لمن عايش أحداث السنوات الأخيرة. لكن مهما آلت إليه الأمور، وحتى ولو انتهى الردّ اليوم، بات هناك تحوّل في السياسة، لا عودة عنه، وهو انتحار حزب الله. 

هو انتحار متعدّد الجوانب:

  1. انتحار حيال جمهوره: أعلن الحزب في ردّه الأخير أنّه لا يبالي بمصير جمهوره أمام ضرورة الدفاع عن العرّاب الإقليمي. لم يردّ حزب الله على سنة ونصف من اغتيال كوادره، بل اعتبرهم ثمنًا مقبولًا لبقاء الحزب. كما لم يردّ حزب الله على استهداف المدنيين في الجنوب واستمرار تهجيرهم واحتلال مناطقهم، بل اعتبر ذلك من مسؤولية الدولة اللبنانية. ردّ حزب الله على استهداف إيران، في لحظة حرب تفاوضية إقليمية، معلنًا التضحية بحزبه وقياداته وبلاده من أجل تقوية الموقع التفاوضي للعرّاب الإقليمي. فقام بخطوة، يدرك تمامًا عواقبها عليهم، من دون أي تحضير أو إنذار، فارضًا على سكّان الجنوب والضاحية ضمنيًا التهجير والقتل، ريثما يفاوض النظام الإيراني على مستقبله.
  2. انتحار حيال البلاد: أعلن حزب الله أنه لم يعد له أي دور دفاعي، بل تحوّل إلى مجرّد ورقة تفاوضية إقليمية، سلطتها السياسية موجودة في يد نظام بعيد، يحرّكها كما يشاء. دخل حربًا لم تُخَض على بلاده، من دون أي تحضير أو أفق، غير آبه بالتزاماته حيال الأفرقاء اللبنانيين ومن بينهم حليفه الشيعي. هو يدرك أنّ بعد تلك الخطوة، ما من عودة إلى حوار أو تفاوض أو حكومة وانتخابات. بعد هذه الخطوة، ما من غدٍ أصلًا.
  3. انتحار حيال تاريخه: لطالما افتخر حزب الله بكونه، بين التنظيمات المقاومة، يأخذ في الاعتبار تعقيدات موقعه اللبناني والإقليمي، متفاديًا أخطاء التنظيمات الأكثر «صبيانية». انتهت هذه الصورة اليوم، ليتحوّل حزب الله، أو ما تبقّى منه، إلى هذا الفيلق الهاوي الذي يضحي بذاته من أجل محرّكيه الإقليميين، مثله مثل بعض التنظيمات الفلسطينية وغيرها التي ارتضت في الماضي التبعيّة لبعض الأنظمة العربية. 

الجناح العسكري والورقة التفاوضيّة

قرّر حزب الله أن يتحوّل إلى ورقة تفاوضية في يد إيران، بعدما كان طرفاً سياسياً ذا انتماء اجتماعي في لبنان. وفي مقابل تحوّله إلى ورقة تفاوضية، جاء الردّ مباشرة من الحكومة اللبنانية، مدعومة من وزراء رئيس مجلس النواب، أي «الأخ الأكبر» لحزب الله، بحظر أنشطة الحزب العسكرية وحصر مجال عمله بالشق السياسي، واستئناف المفاوضات مع إسرائيل، بتمثيل مدني. 

رسميًا، لم يعد هناك حزب الله. بات هناك حزب الله الحالي، أي المكوّن العسكري- السياسي، المحظور، وحزب الله السياسي، غير الموجود أصلًا، والذي يشكّل المحاولة الأخيرة لتفادي الصراع الداخلي. حاولت الحكومة تدارك حالة الانتحار من خلال محاولة إحياء أيّ جسم قد يمكن إنقاذه من ركام ما جرى. فابتكرت مقولة «حزب الله السياسي» التي لا تعني إلّا نعي حزب الله. 


كان هناك احتمالات عديدة يمكن أن يختارها حزب الله للتأقلم مع واقعه الجديد. بتاريخ 2 آذار 2026، اختار الانتحار. 

آخر الأخبار

مواد إضافيّة
ثلاثة أيّام أشعلت الشرق الأوسط
 حدث اليوم - الاثنين 2 آذار 2026
أن تكون جنوبيّاً
مختارات من الصحافة الإسرائيلية 2/3/2026
الدولة وحزب الله: حظر الجناح العسكري والبحث عن جناح سياسي
تعليق

2 آذار 2026

سامر فرنجية