الصوت قبل الصورة
لا، لا، لا… لا.
بهذه الصرخة، يبدأ الفيديو الذي انتشر في اليومين الماضيين. لا نرى الكثير في الصورة. ما يسبق كل شيء هو الصوت: صوت صواريخ تنطلق من جنوب لبنان وصوت أشخاص يصرخون خلف الكاميرا. ثم تأتي الجملة التي تختصر حال البلد كله: وعين على الله.
في هذا الفيديو، الصوت يسبق الصورة. قبل أن نفهم ما يجري، نسمعه. الصرخة تصل أولاً، ثم نبحث عن المشهد الذي يفسّرها.
وهكذا تعمل الحرب دائماً.
لا يتغيّر المشهد البصري وحده في الحروب، بل يتغيّر الإيقاع السمعي للمدن. الزنانة لا تغادر السماء، والغارات تقطع الفجر فجأة. نسمع الضربة أولاً، ثم نرى الدخان، ثم ننتظر الأرقام. هكذا تدخل الحرب إلى حياتنا، عبر الصوت قبل أن تتحوّل إلى خبر.
لكن في هذا الفيديو، لم يكن الصوت مجرّد خلفية للمشهد. كان المشهد نفسه.
لا، لا، لا… وعين على الله.
صرخة خرجت كما هي، لا كجملة مدروسة ولا كخطاب سياسي. خوف وغضب في اللحظة نفسها، قبل أن يبدأ الآخرون بشرح ما حدث ومن يملك القرار فيه.
سؤال السيادة
بين أوامر الإخلاء والقصف المتواصل والاجتياح البري، لا يعود السؤال عسكرياً وحسب، بل سيادياً بامتياز: من يملك فعلياً قرار إدخال لبنان في الحرب، ومن يملك حق إبقائه خارجها؟
لكن الحديث عن السيادة يبقى ناقصاً إذا تجاهلنا ما يحيط بنا.
فلبنان ليس ساحة معزولة، بل جزء من مشهد إقليمي تتحرّك فيه قواعد وجيوش وتحالفات. ماذا يعني وجود قواعد أميركية في منطقتنا؟ وأي دور تؤديه في لحظة يتوسّع فيها التصعيد؟
أعلن رئيس الحكومة نواف سلام بعد جلسة مجلس الوزراء رفض إطلاق الصواريخ من لبنان، مؤكداً أن قرار الحرب والسلم يجب أن يكون حصراً بيد الدولة اللبنانية. على مستوى المبدأ، يبدو الموقف واضحاً: الدولة تقول إن القرار لها. لكن السيادة لا تقاس بالتصريحات وحدها. فمع بدء التوغّل البري فعلياً، ومع طلب إعادة تموضع الجيش اللبناني أو انسحابه من بعض النقاط، يصبح السؤال أكثر إلحاحاً: أين تتجسّد حماية الدولة حين يتقدّم الاحتلال داخل الأراضي اللبنانية؟ وما معنى حصر قرار الحرب بيدها إذا لم يترافق ذلك مع قدرة فعلية على حماية الناس وأرضهم؟
في المقابل، لا تنتظر إسرائيل اكتمال النقاش اللبناني لتتقدّم. الوقائع تفرض على الأرض، فيما يستمر الداخل في نقاشاته حول الشرعية والصلاحيات. وبين ما يحدث فعلاً وما يقال عنه، يبقى المجتمع عالقاً بين خطاب عن السيادة وواقع يثبت أنها لا تحميه.
ربّما، لهذا، يبدو الصوت الذي خرج أولاً من الناس أكثر صدقاً من كل هذا الكلام.
الليل الواحد
لكن ما يحدث هنا لا يبقى هنا. فالليل واحد في كل مكان.
حين تتوسع الجبهات، لا تتبدّل ملامح الخوف بتبدّل الحدود. يهبط على الجنوب اللبناني تحت صوت الزنانة، ويمتدّ إلى إيران على وقع انفجار قرب مدرسة. الوجوه المذعورة لا تختلف، ولا ارتجاف الأمهات، ولا الحقائب المدرسية الملطّخة بالدم. ما نراه هنا نراه أيضاً هناك: في غزة، في جنوب لبنان، وفي مدن أخرى تتحوّل فجأة إلى خطوط مواجهة.
إسرائيل توسّع ضرباتها وتختبر حدود التصعيد على أكثر من ساحة، فيما تؤمّن الولايات المتحدة الغطاء السياسي والعسكري لهذا التوسع. هكذا تتشابك الجبهات وتتحرّك المنطقة كلها على إيقاع واحد.
هذه الحروب لا تعاش فقط كتحليل سياسي، بل كتفاصيل يومية.
أمّ تحاول أن تخفي ارتجافها حين يسألها طفلها: ماما، لوين رايحين؟ وأب يتلعثم أمام رغبة بسيطة: بابا، بدي أرجع ع بيتنا. عائلات تفترش الأرصفة في بيروت، البحر خلفها والطائرات فوقها، تنتظر خبراً أو غرفة أو أي إشارة تطمئنها إلى أن هذه الليلة ستمرّ.
الأرقام تلاحق المشهد: عشرات القتلى، مئات الجرحى، آلاف النازحين، ومئات آلاف العالقين لساعات على الطرقات. نساء حوامل، مرضى، كبار في السن، أطفال.
ومع حلول الليل، تختفي الصور وتبقى الأصوات. قد تبدو هذه الحروب مختلفة حين نراها، لكن حين نسمعها تتشابه أكثر مما نعتقد: الصوت نفسه والخوف نفسه والليل نفسه فوق رؤوس الناس.
إنشالله ما يبقى منّن مين يخبّر
جارتي في الحيّ. أعرفها من الكورنيش، من صباحو خفيفة كلما مررت أنا وكلبي بقربها. لا حديث بيننا، فقط ابتسامة ودودة تجعل الوجوه مألوفة.
التقيتها هنا، في الشارع، فقالت لي إنها لم تعد تنزل إلى الكورنيش لأن النازحين احتلّوه. قالتها بهذه الكلمة: احتلّوه. ثم أضافت، وكأنها تكمل فكرة بديهية:
يلا إن شاء الله ما يبقى منهم مين يخبر… خليهم هيك عالطرقات، مش هيدا اللي بدن ياه؟
لم تصرخ. لم تهمس. قالتها كما تقال جملة عادية. لم أعرف ماذا أقول. اكتفيت بابتسامة صفراء ومضيت. لكن كلماتها ظلّت تلاحقني.
المسألة لم تكن في الجملة وحدها، بل في هذا التحوّل. كيف تتحوّل جارة لطيفة كانت تقول صباحو كل يوم إلى صوت يتمنّى اختفاء غيره؟ الأمر لا يبدأ بنداء صريح للكراهية، بل بجملة تقال بلا تردّد. هكذا يتبدّل موقع الآخر: من بشر إلى «فئة». الغضب مفهوم حين يخاف الناس. لكن حين يتحوّل الخوف إلى تمنٍّ بمحو الآخر، نصبح أمام شيء يتجاوز الانفعال. عندها لا تعود الحرب فقط ما يُفرَض من الخارج، بل ما ينتقل إلى الداخل أيضاً.
في الصور نرى عائلات تهرب من القصف، وأطفالاً ينامون على الأرصفة. لكن في مكان آخر يُسمَع صوت مختلف: شماتة وتخوين وأصوات تحوّل الألم إلى مادة تعليق.
وهكذا تظهر الحرب بصيغتين: صورة الألم، وصوت الشماتة.