عودة الشارع إلى الواجهة
منذ بضع سنوات، عاد الشارع إلى الواجهة السياسية، خاصّةً في الدول الغربية، حيث باتت تتزايد الأخبار عن تظاهرات أو اعتصامات أو حتى اشتباكات بين مناصري الأطياف السياسية المتقابلة. فإذا كان الموضوع الفلسطيني أحد الروافد الأساسية لهذه العودة إلى الشارع، فإنّ الانتخاب الثاني لترامب وسياساته القمعية شكّلت مصدرًا آخر لعودة الاعتراض إلى الشارع. وجاءت المظاهرات الأخيرة للطلاب في فرنسا لتعمّق هذا الاتجاه وتؤكّد القابلية لانتشاره في دول أخرى.
في ظل أزمة اقتصادية عالمية وصعود خطير للفاشية وفقدان أيّ مصداقية لسياسة المؤسسات الرسمية، عاد الشارع كأحد مصادر التعبير والاعتراض السياسي لينذر بمرحلة قادمة من الاضطرابات الاجتماعية والمواجهات السياسية.
عقدان من الاضطرابات الاجتماعيّة
لا تشكّل عودة الشارع تطوّراً جديداً بالضرورة. فيمكن قراءة العقدين اللذين تليا الأزمة الاقتصادية في عام 2008، والتي سمّاها يانيس فاروفاكيس بـ«1929 جيلنا»، كعقدين من الاضطرابات الاجتماعية التي طالت العالم بأكمله. من الربيع العربي في مراحله المختلفة، إلى الثورة الخضراء في إيران، إلى حركة «احتلوا وول ستريت» وما تلاها من حركات مناهضة لسياسات التقشف في اليونان وإسبانيا ودول أخرى، إلى مظاهرات تركيا وتايوان وهونغ كونغ، وصولًا إلى حركة «السترات الصفر» في فرنسا وغيرها من لحظات الاعتراض في الشارع، دخل العالم منذ عام 2008 في لحظة اختلال جراء أزمة الرأسمالية، ولم يخرج منها بعد، باستثناء سنوات الوباء والحجر الصحي.
درس 2008
لكنّ أزمة 2008 لم تكن مجرّد نقطة انطلاق لموجات الاعتراض الاجتماعي، بل كانت أيضًا لحظة انتقال الطبقات الحاكمة إلى حضن الفاشية الشعبوية الصاعدة، بعدما انتهى زمن ليبرالية ما بعد الحرب. فبعد 2008، بدأ يتبلور صعود الشعبوية الفاشية، مع «حركة الشاي» في الحزب الجمهوري الأميركي، ومن ثمّ ظهور أحزاب فاشية في أوروبا من بينها «حزب الفجر الذهبي» في اليونان أو «حزب البديل من أجل ألمانيا»، وفوز أحزاب وشخصيات يمينية متطرفة أخرى، مثل فيكتور أوربان في انتخابات المجر أو «التجمع الوطني» الفرنسي في الانتخابات الأوروبية أو ترامب في ولايته الأولى. وذلك قبل أن يصبح اليمين المتطرف، في طوره الفاشي، التيار الأكثر ترجيحًا عالميًا. وتزامن صعود الشعبوية الفاشية مع انتقال النخب المالية والاقتصادية إلى حضن هذا اليمين، مثل فانسان بولوريه في فرنسا أو إيلون ماسك ورفاقه في الولايات المتّحدة.
شارع مقابل شارع
لعلّ الفارق بين اضطرابات اليوم وتلك التي تلت أزمة عام 2008 يكمن في الاصطدام العلنيّ اليوم بين المنطقين اللذين أطلقتهما أزمة 2008، أي منطق الاعتراض الاجتماعي ومنطق ردّة الفعل الفاشية. فإذا كانت موجة الاعتراض الأولى قد توجّهت من قبل الحركات اليمينية واليسارية إلى الأنظمة الحاكمة، ما سمح بالتباسات شعبوية كحركة «السترات الصفر» التي كانت تضمّ أطيافاً سياسية متناقضة، فإنّنا نرى اليوم اشتباكاً بين «شارعَيْن» كما يظهر في مظاهرات الطلاب بفرنسا، بين يسار في الشارع وفاشية تدافع عن نظام تدرك أنّها ستترأسه قريبًا. فسخّرت أدواتها الإعلامية والسياسية لشيطنة التظاهرات. نرى ذلك أيضًا في الولايات المتّحدة حيث بات للرئيس قاعدة شعبية ذات ميول فاشية وضعت نفسها كخط دفاع شعبي عن مصالح الطبقات الحاكمة.
انتهى زمن الاعتراض على نظام مجرّد يتلطّى بليبرالية كونية لتمرير مصالح طبقات حاكمة، لتليه مرحلة صراعات اجتماعية وسياسية بين قطبَيْن سياسيَّيْن، أحدهما بات في الحكم، والثاني يتبلور في الشارع. مرحلة بات عنوانها الفاشية ومناهضتها.