تعليق اليسار
سامر فرنجية

سجال «رسالة الغارديان»

الاختلاف كمدخل لمناهضة الإمبريالية

2 أيلول 2026

الرسالة المفتوحة

بمناسبة ذكرى الإعدامات الجماعية في صيف 1988 في إيران والانقلاب الأميركي-البريطاني على رئيس الحكومة محمد مصدق في عام 1953، نشرت صحيفة الغارديان البريطانية رسالة إلى السجناء السياسيين في إيران، موقّعةً من نحو 20 أكاديمي/ة وناشط/ة. في مناسبة هذه الذكرى المزدوجة، ذكرى قمع داخلي وذكرى استعمار خارجي، توجّه الموقّعون إلى السجناء السياسيين في السجون الإيرانية، العالقين «بين شفرتَي مقصّ» كما وصفتهم الرسالة، لكي ترسم موقفًا رافضًا للحرب الإمبريالية على إيران من جهة وقمع النظام الإيراني الداخلي من جهة أخرى. وقد يكون قصف مجمّع سجن إيفين في 23 حزيران 2025 من قبل إسرائيل من أوضح أمثلة هذا القمع المزدوج. 

لمن موجّهة الرسالة؟

الرسالة، وإن كانت موجّهة بالشكل للسجناء السياسيين، هي بالفعل موجّهة إلى طرف آخر. فالرسالة المكتوبة بالإنجليزية والمنشورة في صحيفة يسارية بريطانية، لن تصل إلى الطرف الموجود في عنوانها. وإن وصلت، لن تغيّر الكثير. هي موجّهة إلى «عالم اليسار»، والذي سيقرأ الرسالة في لحظة سياسية جديدة، تتكوّن معالمها حول صعود فاشية عالمية وعودة الحروب والإبادات. في هذه اللحظة، والتي بات النظام الإيراني في وسطها، تهدف الرسالة- ضمنياً- إلى نقد العمليّة الحالية لإعادة تدوير النظام الإيراني وتصويره كقلعة  تقدّمية لمحاربة الإمبريالية. من خلال مسألة السجناء السياسيين، يرفض الموقّعون الرضوخ للابتزاز المعتاد، بأنّ ضحية الإمبريالية بالضرورة نظامٌ «جيّد»، يتطلّب الدفاع ليس فقط عن حقّه بألّا يُهاجَم، بل أيضًا عن تصرفاته بالداخل.

السجال المتوقّع

ما إن نُشرت الرسالة، حتّى انفجر سجالٌ حولها، كان متوقعًا، أدّى إلى انسحاب بعض الموقّعين. هاجم الرسالة عددٌ من المتضامنين مع فلسطين، والذين يخشون دائمًا أي تضييع للبوصلة، وانضمّت إليهم جوقة من المدافعين عن أنظمة الممانعة، اشتهروا بدعمهم المستميت لبشار الأسد وتكذيبهم لإبادة الشعب السوري. نقد الرسالة لم يتطرّق إلى مسألة السجناء السياسيين بل إلى فعل نقد نظام يتعرّض إلى هجمة إمبريالية، من مسألة التوقيت إلى سياق الحرب وخطر تحويل الرسالة إلى تبرير إضافي للحرب. فتمّ عمليًا تخوين الموقّعين، وإظهارهم في أحسن الأحوال كساذجين، وفي أسوئها، كمؤيّدين للحرب. حسب هذا المنطق، أي نقد لنظام يتعرّض لحرب هو نقد مشبوه، لا يفسَّر إلّا كتواطؤ مع العدو الخارجي.

قدسيّة الوحدة

هذا السجال ليس جديدًا. عمره من عمر الحروب الإمبريالية على المنطقة، ومحاولة البعض البحث عن مقاومةٍ لا تُضحّي بالداخل من أجل فرض وحدة مزعومة في وجه الخارج. سواء أكان في عام 1990، أم 2003، أم خصوصًا ما بعد الثورة السورية عام 2012، يتكرّر السجال حول «حدود» النقد في ظل الحروب.

وفي وجه محاولة البعض رسم طريق، غالبًا ما يكون لغويًا وحسب، بين «شرَّين» أو «شفرتَي مقص»، ينتهي مناهضو الإمبريالية بتقديس الوحدة الداخلية، لكون أي ثغرة في هذه الوحدة هي مدخل محتمل للإمبريالية. فإيران، في نظرهم، لا يمكن إلّا أن تكون نظاماً ودولةً وشعباً، وأي تشكيك في هذا التطابق هو خدمة للعدو الخارجي. أمّا السجناء السياسيون، فهم تعكير لهذه الوحدة، في أحسن الأحوال يتمّ تأجيل قضيّتهم لما بعد الإمبريالية، وفي أسوئها، يتمّ تخوينهم كأعداء الأمّة.

الدفاع عن الاختلاف

يمكن للرسالة المفتوحة أن تكون أخطأت في توقيتها أو مكانها أو شكلها، كما يمكن أن يعتبرها البعض مجرّد حلول لغوية، تكرّر مقولة «اللاءَين»: لا للاحتلال ولا للديكتاتورية، لا للجيش ولا للإسلاميين، لا لإسرائيل ولا لإيران… لكن الأكيد أنّ التضحية بالاختلاف، أي بحيوية المجتمعات وتناقضاتها الداخلية وانقساماتها السياسية والاجتماعية، من أجل الحفاظ على طهارة الجبهة ووحدتها ليس إلّا قرار إعدام لهذه المجتمعات وتحويلها إلى ثكنات، هذا إن لم يكن إلى سجون. قد لا تصلح الحلول اللغوية في إيجاد حل لمعضلة النقد في ظل الحروب، لكنّها، في تساؤلاتها وشكوكها وأخطائها، تشكّل المدخل لعودة سياسة نقدية ومعارِضة إلى منطقة تواجه أكثر من هجمة أو خطر. وهذه العودة لا يمكن أن تبدأ من تاريخ مناهضي الإمبريالية– وهو تاريخ باتت تستحيل إعادة تدويره بعد سوريا– بل من تاريخ الثورات العربية ولحظة الشعوب في المنطقة. خارج هذا الخيار، تتحوّل السياسة إلى مجرّد تبرير لأنظمة قائمة على سجون.

آخر الأخبار

مواد إضافيّة
تعليق

سجال «رسالة الغارديان»

سامر فرنجية
بعد 30 عاماً على الجريمة: مَن قتل توباك؟
01-09-2026
تقرير
بعد 30 عاماً على الجريمة: مَن قتل توباك؟
حدث اليوم - الثلاثاء 1 أيلول 2026
01-09-2026
أخبار
حدث اليوم - الثلاثاء 1 أيلول 2026
مختارات من الصحافة الإسرائيلية 1/9/2026
«درع أخيليس»: إسرائيل تتحدّى تركيا من اليونان
4 شهداء في غارات لحقت «عملية خاصّة» بغزّة