واقعية ليبرالية في وجه تنظير يساري
«النقد الذاتي» الليبرالي لليسار
في سبعينات القرن الفائت، بدأ ينتشر نقد للتجربة اليسارية ضمن أوساط المثقفين اليساريين، طال البنية النظرية لهذا التيار الفكري. كان النقد أقرب إلى «نقد ذاتي»، أدّى بالعديد ممّن حملوه إلى الخروج من صفوف اليسار، على خلفية الخيبات من الأنظمة «التقدّمية» ومن انخراط اليسار في الحرب الأهلية اللبنانية، والبحث في الأدبيّات الليبرالية عن بديل فكري لليسار. أحد منابع ما سُمِّي لاحقًا بالليبرالية العربية كمَنَ في حركة الهجرة الأيديولوجية هذه.
كان مدخل هذا النقد ابتعاد التنظير اليساري عن الواقع، حتى باتت مفاهيمه أقرب إلى محاولات «تلبيس» الواقع مفردات لا تنتمي إليه. فماذا يعني الكلام عن الطبقات وقد بات واضحًا للجميع أن الصراع يدور بين بنى أهلية وطائفية؟ وماذا يعني أنظمة «تقدّمية»، وهي أقرب إلى تحالفات قبائل وعسكر؟ أمام هذا الإحساس العام بابتعاد النظرية عن الواقع، بدا اليسار، في أحسن الأحوال، مجرّد غطاء لمشاريع سياسية عنفية، وفي أسوإها، تماهيًا مع صعود الإسلام السياسي، ولا سيّما الشيعي في الحالة اللبنانية.
«سذاجة» اليسار النظرية انتهت به شهيدًا على مذبح الطوائف والأنظمة. امتلأت السجون «التقدّمية» بمناضلين شيوعيين وطالت الاغتيالات الإسلامية مثقّفيه. ومَن قبِل بهذا التماهي مع الواقع العنفي، أي مَن سخّر تراثه الفكري تبريرًا لطائفة أو نظام، فتحوّل إلى تابع لمشاريع عنفية، ومن بينها ما بات «الممانعة» كما عرفناها في السنوات الأخيرة. أمّا من رفض ذلك، فوجد نفسه على طريق الهجرة إلى الليبرالية.
الواقعيّة الليبراليّة
جاء الردّ على التنظير اليساري و«سذاجته» من باب «واقعية» الفكر الليبرالي.
فكانت أولًا، واقعية نظرية، رفضت «تلبيس» الواقع نظريات خارجة عن سياقه، منطلقة من «حقيقة» هذا الواقع، أي واقع البنى الأهلية والنظم الخارجة عن الحداثة. وانطلاقًا من هذا الإدراك بعدم توفّر الشروط التاريخية لمفاهيمها، شكّلت الليبرالية العربية، منذ نشأتها، مشروعاً لتأمين هذه الظروف، ولم تدعِّ توصيف الواقع ليبراليًا.
تُرجِمت هذه الواقعية النظرية بواقعية أخرى، سياسية، وهي رفض المشاريع «الثورية» و«الأوهام» اليسارية، خاصة في لحظة انحلال المعسكر الاشتراكي، واستبدالها بهدف «بسيط» ومجرّب، وهو الليبرالية السياسية، مع دولتها الحديثة، وأفرادها وحقوقهم، واقتصادها الحرّ. لم يكن الهدف تفسير الواقع بقدر ما كان تغييره نحو هذا الهدف البسيط.
وأخيرًا، تجلّت هذه الواقعية بتبنّي الليبرالية العربية مشروع السلام، الواعد آنذاك، لا كحلّ عادل للصراع العربي- الإسرائيلي وحسب، بل أيضًا كحدّ لـ«المغامرات المقاومة» التي، حسب هذا الفكر، أدّت إلى دمار مجتمعاتها.
أمام «سذاجة» اليسار، قدّمت الليبرالية العربية، على الأقلّ في لحظة صعودها، تواضًعا فكريًا وسياسيًا، يرفض التكابر على الواقع من أجل البحث عن سياسة اعتراضية ممكنة.
كان هذا قبل أن يتحوّل التواضع إلى عنهجية.
من التواضع النظري إلى العنجهيّة السياسيّة
من الواقعية النظريّة إلى الليبرالية الحضاريّة
ما بدأ كواقعية نظرية في وجه «السذاجة» النظرية لليسار، انتهى كـ«تنظير» ثقافوي وحضاري، من خلال مفاهيم «التخلّف» و«التأخّر» و«التقليد» وغيرها، مفاده خروج المجتمعات العربية عن الحداثة السياسية. وما بدأ كنقاش حول شروط السياسة سرعان ما تحوّل إلى مجرّد وصف لـ«تخلّف» المجتمعات العربية، تخلف بات الليبراليون العرب يجدونه بالدين والعادات الاجتماعية والأنظمة السياسية (ما عدا الملكية في الخليج) واليسار «الووك» والجامعات الغربية، وأي شخص يختلف معهم.
كان يمكن لهذه التهمة أن تبقى مجرّد إزعاج نظريّ، لولا لم تتحوّل عند البعض إلى تبرير ضمني للعنف. شكّل هذا التنظير عن التخلّف تبريرًا ضمنيًا لموجات العنف التي طالت المنطقة. فعندما توجد «عقبات» أمام التقدّم، لا بدّ من العنف لتحرير عجلة التاريخ. فلا مانع من العنف ضدّ الإسلام السياسي إذا كان سيساهم بتقدّم المجتمعات، ولا مانع أمام حرب العراق إن كانت ستقبع نظاماً «توتاليتارياً»، كما تمّ وصف نظام صدّام حسين قبل احتلال العراق عام 2003، ولا مانع أمام العنف في وجه المقاومات إن كان سيطلق عجلة السلام. والعقبات لا تنتهي. فإيران عقبة جديدة، لا مانع من حرب تخالف كاقّة القوانين الدولية، ما دامت ستحقّق جنّة الليبرالية.
وإن لم تتحقّق الجنّة الآن، فلا مانع من عنف جديد.
من الواقعية السياسية إلى الحرب الباردة
أمّا الواقعية السياسية، فلم تتعدَّ كونها شعاراً.
فإذا كان توق الليبرالية العربية لعالم سياسي حديث تسوده صراعات بين أفراد حول حقوقهم وواجبتهم تحت سقف الدولة، فمن السذاجة، حسب الفكر الليبرالي، اعتبار أنّ منطقاً كهذا يحرّك سياسة عربية ما زالت تقبع تحت التخلّف والتأخر. زمن الليبرالية لم يحلّ بعد، ما يتطلب عنفاً لبنائه. فـ«المعركة الرئيسية» هي تحديث المجتمعات، وأي كلام آخر، هو مجرّد مضيعة للوقت.
وفي انتظار استحداث هذا المجتمع الحديث، تحوّلت الليبرالية العربية إلى نظرية سجالية، هدفها نقد كل من يحاول الخروج عن نظرة التخلّف والتأخّر، ومن بينهم اليسار الذي يبدو أنّه شكّل هَوَس الليبرالية، حتى بعد عقود على اختفائه كخيار سياسي. وفي هذا السجال، لم تتعدَّ الليبرالية، رغم وعودها المبكرة، كونها «خطاباً مضادّاً»، ما زال يحرّكها صراعها الأول مع اليسار. وفي ما يشبه سجالات الحرب الباردة، تحوّلت الواقعية من منطلق لسياسة اعتراضية مختلفة إلى مجرّد نقد لليسار.
من الواقعية الإقليمية إلى الاستتباع الإقليمي
شكّل مشروع السلام الرافعة السياسية الإقليمية لهذا التيار. فكانت الليبرالية العربية أحد التيارات المؤمنة بمسار أوسلو، وبضرورة طيّ صفحة الماضي، من خلال مصالحات مبنيّة على الحلّ العادل الذي كان يجري التفاوض عليه آنذاك. وكانت هناك أصوات قليلة وشجاعة من بين دعاة هذا الفكر، تحدّت «التابو» أمام أيّ حوار أو لقاء مع إسرائيليّين، «التابو» الذي فُرِض من قبل جوقة من أصحاب الشعارات الفارغة أو من دعاة المقاطعة المطلقة.
لكنّ هذه الشجاعة في وجه السلطات تحوّلت شماتةً بالضحايا، مع تحوّل السلام إلى المشروع المهيمن في المنطقة، محمولًا من دول الخليج وإعلامها ومصالحها، وذلك بعد أن أُفرِغ من أيّ بُعد سياسي أو ثقافي مرتبط بالعدالة، ليصبح أقرب إلى معاهدات عسكرية واستخباراتية تهدف إلى تدعيم أنظمة قمعية. وبات السلام اليوم يعني ليس فقط تقبّل ما فعلته إسرائيل في الماضي، لكن أيضاً ما ترتكبه حاليًا من إبادة. لكنّ هذا لم يزعج بعض الأصوات الليبرالية الجديدة التي ترى نفسها في صراع مع «تابو» لم يعد موجودًا إلّا برأسها، وهي قابعة في أعلى المناصب الإعلامية، محميّة من أقوى السلطات في المنطقة، ومدعومة من أقوى جيش في العالم.
ما بدأ كشجاعة في وجه السلطات، انتهى كشماتة بحق الضحايا.
مِن خطاب معارض إلى خطاب سلطة
من خطاب معارض، أقلّوي، واجه تابوهات السياسة العربية، تحوّلت الليبرالية العربية إلى خطاب سلطة. وكما واجه اليسار مع الثورة السورية عام 2011 لحظةَ انقسام حول صعود التيار الممانع كخطاب سلطة وتبرير رديء لإبادة الأسد، تواجه الليربالية العربية لحظةً مماثلة، حيث باتت مبادئها على المحكّ، من «الغرب» الذي فقدَ دوره المعياريّ إلى السلام الذي تحوّل إلى غطاء للإبادة مرورًا بمنظومتها الفكرية التي باتت تتعايش مع دول الخليج وتقنيّتهم القامعة.
فما نراه، خاصّةً عند الدعاة الجدُد للّيبرالية، هو تضحيةٌ بالتراث الليبرالي بأكمله تماشيًا مع متطلّبات السلطة التي باتوا يمثّلونها. فنراهم أوّلًا، يقفون إلى جانب أكثر الأنظمة رجعية أو تطرّفًا، من منظور ليبرالي، من الخليج إلى الولايات المتحدة إلى إسرائيل. كما نشاهد، ثانيًا، أنّ الليبرالية العربية لم تستورد من هذا التراث الفكري أيّاً من حساسيّاته الرافضة للعنف، إلا حين يكون العنف نابعاً من القوى «المتخلّفة». وثالثًا، فقدت واقعيتها لتبدو بنفس سذاجة اليسار الذي تهكّمت على انهياره. فتماهي الليبرالية الجديدة مع طوائف وأنظمة لا يختلف عن تماهي مَن سبقها مع طوائفه وأنظمته، وعلى الأرجح لن يختلف مصيرها عن مصير اليسار آنذاك.
على الأقل، حاولت العائلة اليساريّة التنصّل من بعض التطرّفات الممانعة أو قامت بنقد ذاتي. أما الليبرالية العربية، فتبدو غير آبهةٍ بتحوّلها إلى مشروع سلطة، هذا إن لم يكن إغراء السلطة قد قضى على أيّ ادّعاء ليبرالي.