هناك ألف صيغة للعودة. هنا الخطورة
– نيتشه
يحدّثُنا بالفَناء البقاءُ
ويُخبرنا بالرحيلِ المقامُ
– علي بن الحسن صَرَّدُرّ (شاعر عباسي)
خروج بلا عودة
حين أقفل باب الشقة أفكر باللاعودة. هذا الشعور الذي يتحكّم بمفاصلي ووسواس روحي. يجعلني من حيث لا أعلم، أخاف الاستقرار ولا أبلغه، فأبدّده وأشطبه وأزيله كما لو أنّه لم يكن. هذا الاحتمال الذي ساق حياتي وأمسك أطرافها، وصار كأنه نسقها الأبدي. أفكر أني ربّما أموت بتفجير في الشارع، أو أصاب بطلقة من نرجسي مريض أو عنصري أو إرهابي ولن أعود الى بيتي. وأصير جثّة في بلاد ليست بلادي. أو أن أجنّ، وأخرج الى غير رجعة. أو أن أهجّر كما تَهجّر أهلي في الحرب الأهلية أو كما تَهجّر أصدقائي في الحرب الإسرائيلية الهمجية الأخيرة. أفكر بتلك «اللاعودة» مثل هاجس وكابوس وسكين يلاحقني، فاتحاً في أحلامي العميقة كل تلك الصدمات النفسية المطمورة، وعلاقة العودة بآلام الفقد والترك والطرد والذنب.
لطالما فكرت بمصائري الكثيرة، حين خرجت من بيت أهلي ولم أرجع. باكراً نُبِذت من بيت الصلوات والأدعية. نُبِذت لأني لم أكن في صندوقهم، ولا أشبه توقعاتهم عني ولا مواصفاتهم المتطابقة عمّا يتخيّلونه للرجال في بيئاتهم. وصرت ما صرته في مدينتي طرابلس، كالتائهين والباحثين وكالكلاب الضالّة. خارجاً غير عائد. ذاك الخروج الذي مكّنني من مقاومة الماضي، وذاك الخروج الذي لم يُعِدني الى أهلي، أي مجتمعي وبيئتي، مثل خروج عمّا رسموه وأحاطوه بعناية التقاليد والأعراف، وقدّسوه. فخرجت على ما هو مقدّس ولم أعد إليه. ولهذا لم أعد الى سلفيتي التي افتُرِضت لي وهيّأوني لها وأنشأوني عليها، نشأة الأولاد والصبية بين المساجد والمصلّيات. فخرجت من المسجد ولم أعد.
هكذا وجدتني في العالم، أمام وعي آخر، للفقد والترك والطرد والنبذ. وهكذا وجدتني أمام العالم، ضئيلاً وحيداً ومشرّداً وعاجزاً. فأصبحتُ ما أصبحتُه من الشراسة والوحدة. وهكذا في تكرار لا بدّ منه، خرجتُ أيضاً على نفسي القديمة وثرتُ عليها وعلى نسخهم التي ألبسوني إياها. وهكذا وجدت نفسي اليوم في منفاي، غريباً وحرّاً ولا عودة محتملة لي إلى بيئتي القديمة وبلادي القديمة. وإن فكّرتُ بالعودة أقول في نفسي أن لا عودة مرجحة إلى ما كنتُه وما عرفتُه وما حفظتُه وخبرتُه وما أمسى ذكرى وخيالاً في رأسي.
ألف صيغة للّاعودة
وحين أجدني أكتب رواية، فإن ذلك بالنسبة لي هو تأطير لعودة أبدية، قانعاً نفسي الداخلية بها. على الأقلّ كي أحتمل عيش المنفى. لأن هذا الخيار، في الرأس، يجعل الروح مستكينة ومطمئنة. وهذا ما رأيته في عيون أصدقائي السوريين حين عادوا الى سورية بعد سقوط نظامها القاتل. فهم عادوا، لكن عودتين متتاليتين. عادوا إلى بلدهم وغرفهم القديمة وعلبهم المضبوبة في بيوت أهلهم الأُول وحارات طفولاتهم، وعادوا إلى بلاد منافيهم، ليكتشفوا أنهم ينتمون اليها. كأن هذه العودة لمعاينة الماضي، في غرف الطفولة وبيوت الأهل ودكاكين الحي والمقهى في سورية، سوّى علاقتهم بالحاضر. اذ عادوا كي يستلذوا بمكتسبات المنفى. فهم اكتشفوا مواطنتهم الأوروبية حين لم يعد مستحيلاً العودة إلى وطنهم الأم، وحين رجعوا وفهموا أنهم الآن يملكون بلدين، وبيتين، وذاكرتين. وهذا ما قالته لي صديقتي لين، الدمشقية- الباريسية، وهي تذرف دموعها الحارّة.
أقول في نفسي أني سأبقى حبيساً لعودتي «المتخيلة» الى طرابلس ولبنان، التي يصير الخيال فيها ابتكاراً وجودياً لها، في الكلمات والعبارة والوصف والتقمص. أي تقمص شخصيات لا واقع لها، سوى هذه العودة التي تصلني بمدينتي، صلة المهاجرين المتأملين بعودتهم. ولهذا تصبح شخصياتي الروائية بديلاً عني. تعيش عودتي الوهمية واحتمالاتها. تخفّف عني، في تداخلها داخل النص الذي يصير ساحات شاسعة لعودة واهمة. مرسومة كما يرسم الأطفال أحلامهم. وكأن العودة تصير حلماً. نبصره في غفلة منا، داخل نومنا، وننساه حين تستيقظ حواسنا أمام هذه البلاد التي لا شمس فيها ولا رأفة.
أقول أنني في فعل الكتابة أعود. إنها عودة بالشعر إلى ما استحال فعله وتحقيقه، فأصبح يسكن المجاز. وهذه العودة إن تحققت يوماً ما فهي «لا عودة»، أي أنني لا أعود الى ما أعرفه، بل الى ما صار واستجد وافترض مكانه وتحكم به. و«لا عودة» إلى الأشياء التي لم اختبرها ولم أعايشها ولم أعاصرها وأراها، كل هذه السنوات وأنا في البعيد، خلف البحار والمحيطات. فالحياة كل هذه السنوات، لم تعد نفسها وتبدلت وتقولبت معها حاجاتها ورؤيتها. والبلد عايش تظاهرات واشتباكات وانفجار ومقتلة وحرب ومآس لم أعاينها الا من خلف الشاشة، كمتفرج يتلقى صدماته ويعيش واقعاً آخر لا علاقة له بما يراه من بلاده. فعودتي إن حصلت يوماً ما، لن تكون عودة، بل أشبه بالتحسر والوقوف على الأطلال.
حقّ العودة
تقفز من رأسي فكرة اللاعودة، وأنا أرى النازحين الجنوبيّين بعدما غادروا بيوتهم مكرهين، تحت وابل القذائف، وعادوا إليها وهي ركام. وهو ركام يتقبّلونه، عكسي، أنا الذي يتصوّر حياته السابقة ركاماً وخراباً، ولا يقبلها، فأرمّم هذا الخراب داخل رواياتي وداخل رأسي وأجبره على التأقلم مع هذه الصور التي أركّبها داخله عن تلك الأماكن التي تشوّشت وكادت تُمحى من ذاكرتي.
عاد النازحون وأوّل ما فعلوه هو البحث. البحث عن ماضيهم ووشوشاتهم، عن قصاصات من عالمهم الذي كان، وصار دماراً، عن دمى وشراشف وبواريز صور وأحجيات وجثث شهداء. وأسأل نفسي: كيف يعود المرء إلى ما كانَهُ؟ أو كيف يعود المرء إلى ما صاره؟ أو لماذا لا تُرجِعُ العودة أصحابها إلى عالمهم نفسه؟ بل هم يعودون إلى ما بقي أو ما بُتِر وما تهدّم، أو ما سيأتي. وأروح أتصوّر عذاباتهم وهم يفكرون حين كانت الحرب تدور في رؤوسهم، وبين أقدامهم، وتحفر بأظافرها داخل عيونهم ونعاسهم وقلقهم، وكيف فكروا ربّما بلاعودتهم تلك. للحظة وهم يلمحون بيوتهم قبل أن تُباد بضربة واحدة، من شبابيك سياراتهم. كيف فكروا بلاعودتهم، المتوحّشة. القاتلة. المهدّدة والحاضرة. هذا الألم الهائل الذي يتركه الخروج، عنوةً وقسراً وقسوةً وعنفاً، وكيف ينام في الرأس ويوقظ أشباح الشك. وحين أرى صورهم المتلهّفة للقاء البيت والحديقة والسياج والبساتين، مستوية بالأرض والقاع، وبين هائل الحطام والغبار، فهم يعودون إلى القديم ممّا كان في رؤوسهم، عن حياتهم التي صارت تحت هذا الخراب المقيم. ويعودون إلى أرضهم عودة الأطفال إلى مأمنهم، إلى فكرة البيت وفكرة الأمل. ومن هنا فإن العودة هي أشبه باعتراض على الموت.
وهو ما يربط اليوم الفلسطينيين في شتاتهم: حق العودة. هذا الحق / المفهوم، كسلاح ضد الموت والتدمير الممنهج، لذاكرتهم وضد سياسات المحو والاستيطان واستيلاب السردية. من هنا يصبح تعلقهم بهذه العودة، حتمياً، وهم يمسكون مفاتيح بيوت ربّما دمرت وبنيت فوقها بيوت المستعمرين. فالمفاتيح لا تصير مفاتيح أبواب، بل مفاتيح ذاكرة. هي آخر ما بقي لهم من عودتهم تلك يرثونها ويورثونها. ولهذا فإن العودة حتماً ابنة الأمل. أي أنها ابنة المستقبل، حتى لو كان مشوّشاً، غير مرئي، ضبابياً وساكناً في الظلمات. فإن العودة هي ضوء.
وأفكّر أني لا أملك مفتاحاً لشيء من حياتي السابقة في طرابلس. حتى ذاكرتي خربها الحاضر اليوم، ومحا صورها وشوّشها. لهذا أنا أعيش في نقطة واحدة: هنا. في خيار اللاعودة. في ترفِه الذي يجعلني أنسى وأراكم مفاتيح النسيان.
كثيراً ما يحضر أمامي المشهد الأخير لبطل المخرج الفرنسي فرنسوا تروفو، هذا الولد الذي يدعى أنطوان دوانال، وهو في عمر الثانية عشرة، هارباً وراكضاً بين البساتين والبيوت والمزارع، واصلاً أمام البحر. أمام سعته وأفقه، وحيداً بلا أمّ ولا أهل ولا رفقة ولا مال ولا متاع وبلا دمع. وهو كله معرفة أنه خرج ولم يعد. وأن عودته الوحيدة، في هذا العالم، هي الى الأمل، الأمل بأن يكون حرّاً، خفيفاً، بادئاً بما لا يعرفه، بما سيعرفه لاحقاً. في حياة لم يكتشفها. بل سيكتشفها وحيداً خلفه لجّة البحر وأمامه الأسئلة.