تحليل نظام الكراهية
سامر فرنجية

فاشيّة جديدة طور الإنشاء

رحلة «تطبيع التطرّف» انطلقتْ

2 نيسان 2025

من الهامش إلى السلطة

تبدأ «الثورات المضادّة»، أكانت يمينية أو فاشية، دائمًا من الأطراف، حيث لا أحد ينتبه لأفكارها التي قد تبدو متطرّفةً للوهلة الأولى، إن لم تكن مجنونة. تنمو في الهوامش كفكرة مستحيلة، قبل أن تتطبّع، لتصبح فجأةً وكأنّها الخطاب السائد أو حتى الوحيد. 

هكذا انطلقت موجة النيوليبرالية في سبعينات القرن الفائت من بعض مراكز الأبحاث الهامشية أو وسائل إعلام ثانوية، قبل أن تدخل الجامعات، لتصبح الرؤية الاقتصادية الوحيدة، وتتوّج صعودها إلى السلطة مع رئاسة ريغان وتاتشر وبينوشيه. وهكذا صعد ترامب إلى الحكم، منطلقًا من شبكة منصات تواصل رديفة وهوامش الحزب الجمهوري ودعم عدد من المنظّرين الثانويّين. بدا كلّ هؤلاء وكأنّهم مجرّد ردّ فعل مجنون، قبل أن يفرض ترامب خطابه المتطرّف ليصبح مهيمناً، وينجح في الاستيلاء على السلطة في الانتخابات الأخيرة.  

هذا الطريق من الهامش إلى الهيمنة نابع من طبيعة مشروع «الثورات المضادّة». 

فهو، أوّلًا، مشروع تحويل قواعد المجتمع، غالبًا تحت عنوان «العودة» إلى زمن ذهبي. قد يبدو المشروع مجنونًا في البداية، لذلك يحتاج إلى تحضير وتكرار وتعميم حتى يبدو وكأنّه «طبيعي»، نابع من «فطرة» شعبية، أي أن يتحوّل إلى خطاب مهيمن. 
أما السبب الثاني، فهو حاجة هذا المشروع إلى بناء موجة شعبية غاضبة، تحمله وتبرّره. يحتاج المشروع إلى غضبه الشعبي، وليس العكس، يحتاج إلى تصوير نفسه كردّ لمطلب دفين لم يعد يحتمل الانتظار. الإلحاح المفبرك هو من طبيعة هذا المشروع. ففي السبعينات، تمّ بناء قناعة شعبية بأنّ النظام الاقتصادي الموروث من الحرب العالمية الثانية، أي «الاقتصاد الكينزي»، هو سبب الأزمات، ولم يعد يُحتمَل، ما سهّل صعود برنامج من النيوليبرالية المتوحّشة. واليوم، شكّل الغضب المصطنع على النسوية و«الووكية» الرافعةَ لترامب، ليبدو انتخابه وكأنّه مطلب شعبيّ عارم. 

ما نسمّيه فاشيّةً هنا هو هذا الربط بين شعور شعبي من الغضب والاستياء ومشروع متطرّف من تحويل قواعد المجتمع. في لحظات كهذه، تزول الحدود بين الدولة والمجتمع، وتُستبدَل بقوّة سياسية، تنطلق من «الغوغاء الشعبية» وإحساسها المصطنع بأنّ الأمور لم تعد تُحتمل، لكي تَفرض برنامجاً قمعيّاً، غالبًا ما يكون هدفه إعادة تقديم النخب الحاكمة كمنقذ مِن خطر داهم، وبالتالي إعادة تدوير سيطرتهم الاقتصادية. 


الفاشيّة خارج المركز

هذا النمط من الصعود إلى الحكم ليس محصورًا بالغرب، بل «يسافر» بين الدول، حيث التجارب تتعلّم من بعضها بعضاً، لكي تتحوّل إلى مشروع عالمي. فالفاشية، رغم خطابها القومي، هي بطبيعتها تيار معولم، لا يستطيع التعايش إلّا من خلال التوسّع

فلا يمكن فهم صعود النيوليبرالية في السبعينات من دون تجربة تشيلي وإسرائيل وغيرها من الدول، إلى جانب التحوّلات في المؤسسات الدولية، مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، التي عمّمتها إلى سائر دول العالم الثالث. كما لا يمكن فهم صعود اليمين المتطرف حاليًا من دون النظر إلى الهند والبرازيل والأرجنتين وغيرها من الدول التي بدأت التجارب في طبيعة هذا الحكم المتطرف. 

لبنان ليس بمنأى عن هذا التحوّل العالمي، وإن كان ضعف مؤسسات دولته وتوازناته الطائفية تفرض بعضًا من الحدود على أي مشروع حكم. رغم ذلك، يشكّل لبنان اليوم أرضًا خصبة لنموّ نزعات فاشية، باتت ردًا على عدد من المعضلات الراهنة:

  1. هناك أزمة شرعية نظام سياسي وأحزابه، لم تعوّضها الانتخابات الأخيرة ولا العودة إلى «حياة شبه طبيعية». وهي أزمة تفاقمت مع انهيار الاصطفاف السياسي الأخير بعد الحرب، والذي شكّل لكلا الطرفين مصدر شرعية من خلال مخاصمة الطرف الآخر. ضمن هذا الفراغ السياسي، تنمو نزعات هامشية تسعى لتصدُّر الحيّز العام من دون أيّ اعتراض يُذكَر.  
  2. هناك صراع كامن حول الأزمة المالية، ما زالت المصارف تحاول الإفلات منه. فتمّ الهجوم بشتى الأنواع على ممثّلي ثورة تشرين، لتبدأ من بعدها عملية تطويق الحكومة الإصلاحية، وذلك قبل أن تنقسم عند أول استحقاق. يُخاض هذا الصراع من خلال عملية تضليل، تحاول حرفه من هذا المستوى السياسي في اتجاه خلق مؤامرات تعيد تدوير النخب المالية كحامية لداخل محاصر من خارج «يساري». وهنا تجد التقنيات الفاشية مغزاها.
  3. أما العامل الثالث، فهو عملية تعنيف المجتمع اقتصاديًا وسياسيًا وأمنيًا، عملية جرت من دون أي محاسبة فعلية، ما أنتج حاجةً ماسّة لكبش فداء يمكن أن يعوّض لهذا المجتمع ما فشل في استحصاله بالمحاسبة. ففجرّ مخزون الاستياء والغضب اللذين يشكلان تربة صالحة لنموّ الفاشية. 

التكرار بيقنع الحمار

وكما مع التجارب المذكورة سابقًا، بدأت بوادر هذا الخطاب تنمو في هوامش البلاد، بعيدًا عن ضجيج الاصطفاف السياسي المعتاد منذ عام 2005. 

بدأ يتصاعد خطاب عن الفدرالية والتقسيم، تجاهله البعض كردة الفعل المعتادة عند كل أزمة حكم في لبنان. ومعه، بدأ الخطاب العام يزداد قساوةً مع بروز «رجال إعلام» أكثر وأكثر تطرفًا، ومن ثمّ تجمعات سياسية غريبة لمحافظين-جدد أو لجنود ربّ أو غيرهم من أشكال التطرّف. 

لقي هذا التيار صدى مع الهجمة الممنهجة على النزوح السوري، والتي وسّعت رقعة الاستياء، وبدأت تزيح سبب الأزمة المالية من النخب الاقتصادية إلى النزوح، في حملة غير مسبوقة من الكذب والتلفيق. واستُعمِلت في هذه الحملة تقنيات إعلامية ستصبح السلاح الأساسي لهذه الفاشية. 

الإعلام: التقنية هنا هي التكرار. فالتكرار وسيلة هيمنة، تستبدل الإقناع والمحاججة بفكرة بسيطة، وهي أن الكذبة إن تمّ تردادها من عدد من المصادر، حتى لو كانت هذه المصادر فاقدة لأي مصداقية، تصبح حقيقة. تبدأ التقنية عادةً من عدد من الحسابات الوهمية التي تعيد نشر المواد الكاذبة ذاتها، حتى يصبح الخبر وكأنّه حقيقة معروفة من الجميع. من ثمّ يتبرّع بعض الأفراد، أكانوا محامين شبه مجهولين أو بعض مرتزقة الإعلام بنقل هذا الخبر من عالم الحسابات الوهمية إلى الواقع المحكيّ ليصبح أكثر مصداقية. فتُكرّر محطة تلفزيونية أو شخصية إعلامية الكلام الذي ليس منسوبًا لها، لكي يصبح حقيقة معمّمة.

من بعدها، تأتي موجة جديدة من «الهلع الأخلاقي»، هذه المرّة حول مجتمع الميم-عين، حيث نجح مطلقو هذه الحملة بتصوير لبنان كضحية خطاب «ووكيّ» مموّل من منظمات أجنبية تريد ضرب مؤسسته المفضلة، أي العائلة. فتمّ الدفاع عن القوانين القامعة للاختلاف شعبيًا، والهجوم على عدد من الفنانين والكوميديين بالأسلوب ذاته، حيث الدولة والاستياء الشعبي يلتقيان لفرض أسوأ أنواع القمع. 

أدوات القمع: في هذه المرحلة، تمّ تطوير العلاقة بين عملية التكذيب والتضليل من جهة، والواقع الفعلي، أكان من خلال عنف أهليّ أو قمع مؤسساتي. فأمام هذا الغضب الشعبي المفبرك من خلال حملة التضليل، يتحرّك القضاء والأمن، لكي ينظر بهذه القضية. هكذا تكون قد استكملت العلاقة بين أدوات السلطة القمعية والنقمة الشعبية المفتعلة، فيبدو القمع وكأنّه مطلب شعبي.

وأخيرًا، شهدنا حملة جديدة، تستنسخ الأسلوب ذاته، طالت «كلنا إرادة» و«درج» و«ميغافون»، مفادها الدفاع عن مصارفنا الوطنية من هجمة أجنبية، هي أساس الأزمة المالية كما جاء بإخبار المحامين ضدّ المؤسستين الإعلاميتين. في المرحلة الأخيرة، لم تعد خفيّةً غايةُ هذه الحملات، وهي إزاحة أيّ نقد عن المصارف. لم تعد خفيّةً لأنّ القيّمين على هذه الحملات ما عادوا يحتاجون لإخفاء هدفهم، فقد بات هناك غضب شعبيّ كافٍ لا يبحث إلّا عن متنفّس له. 

الغضب الشعبي: يحتاج هذا السلاح لكي ينتشر إلى «فضيحة» أو خرق لمجتمعنا لا يتقبله أحد. فلنتذكّر الأرقام المهولة التي رُميت على عاتق السوريين لتبرير حملة العنصرية أو كمية الأوهام والأكاذيب التي أحاطت بالحملة ضد مجتمع الميم-عين، أو الهلوسات عن تمويل خارجي يهدف إلى تغيير وجه لبنان المصرفي. لا محاججة مع هذا الغضب، فهو استنكار وتسكيت وغضب واستياء. فما يبدأ كلعبة حسابات وهمية وخورازميات، سرعان ما ينتقل، بعد مروره بتقنيات التواصل التقليدي كالتلفزيون، إلى شعور فعلي عند أناس بحاجة إلى تفسير سهل لما آلت إليه الأمور. فيمكن البحث بأسباب الأزمة عند المصارف والتفاوض على نسبة الودائع التي ستُسترجَع للمودعين وعن دور الدولة في هذه الأزمة والأحزاب التي صوت لها العديد من المستنكرين الحاليين، أو يمكن لوم رجل لم يسمعوا به من قبل يدعى سوروس. الفاشية غالبًا هي الجواب السهل.


النتائج السياسية لهذه الحملات ليست واضحة. فما زالت قيد الإنشاء، وعرضة لتفواضات ومساومات. لكنّ الأكيد أنّها حققت هدفين حتى الآن. الأول هو إزاحة الخطاب السياسي من صراع حول المصارف والخطط الإصلاحية إلى آخر يدمج بين التهويل الإجتماعي من خطورة الاختلاف ونظريات المؤامرة على الداخل. أمّا الهدف الثاني، فهو أن القيّمين على هذه الحملات باتوا يتحكّمون بالخطاب العام، وسيستعملون السلاح ذاته عند كل مفترق طرق قادم. فنحن اليوم بانتظار بروز الشخصية السياسية التي ستؤمّن الترجمة السياسية لهذا التيار، وعندها نكون قد انتهينا من فترة الإنشاء ودخلنا مرحلة الفاشية. 

آخر الأخبار

مواد إضافيّة
ترامب يحاسب العالم على العجز الأميركي
04-04-2025
تقرير
ترامب يحاسب العالم على العجز الأميركي
ميليشيات تابعة لحكومة الشرع ارتكبت مجازر الساحل
كريم سعيد يتسلّم مصرف لبنان: الودائع مسؤولية المصارف والدولة والمركزي 
ملصق إسرائيلي على منزل في كفركلا  
نائبان يردّان على تلفزيون المصارف
خروقات إسرائيلية مستمرّة  اغتيال قيادي بحماس في مدينة صيدا